من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر ما نقله القبط من أمر يوسف ﵇
قالوا: أدخل مصر غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه، وكانت قوافل الشام تعرس بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام ونودي عليه (وهو يوسف ﵇، فبلغ وزنه ذهبا وورقا، فاشتراه أطفير العزيز ليهديه الى الملك. فلما أتى به منزله ورأته امرأته زليخا بنت صاحب عين شمس بنت عم أطفير قالت له: اتركه لنا نربيه. ففعل، فكان من أمر افتتانها به ما نصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم ذلك حتى غلب الأمر عليها.
فجاءت له وتزينت له وعرّفته إنها تحبّه وأنّه إن (واتاها على ما تدعوه إليه) جاءته بمال عظيم وأحلّته المحل الكريم. فامتنع عليها ورامت أن تقبّله ولم تزل تمارسه وهو يمتنع بجهده الى أن أتى زوجها ووافقه وهو هارب منها. وكان زوجها عنينا لا يأتي النساء. فجعل يوسف يعتذر إليه، وقالت هي: كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الأمر منها فقال ليوسف: اعرض عن هذا، أي عن اعتذارك. وقال لها: استغفري لذنبك، واتصل خبر زليخا ويوسف بنساء أصحاب الملك فخضن فيه، وقد كان خبر الغلام بلغ الملك وابتياع أطفير له، وسأل عنه فأنكره ومنعه الخروج عن قصره، وكان محجوبا لا يراه أحد.
والملك غير عادل عن العكوف على لذّاته والاحتجاب عن الناس. فأحضرت جماعة منهن وأحضرت لهن طعاما وشرابا وجلست في مجلس حذاء مجلس مذهبين جميعا وفرشتهما بالديباج الأصفر المذهب وأسدلت عليهما ستور الديباج المذهب، وأمرت المواشط بتزيين يوسف واخراجه الى المجلس الذي كانت مع النسوة فيه، وكان ذلك المجلس محاذيا للشمس. فنظم المواشط شعر يوسف بأصناف الجواهر، وألبسنه ثوب ديباج أصفر منسوج بذارات حمر مذهبة، فيها اطيار صغار خضر مبطّن ببطانة خضراء، وأكمامه جوهر ملون ومن تحته غلالة حمراء، ووضعن على رأسه تاجا منظوما بدرّ وجوهر نفيس، وأخرجن من تحته طرر شعر على جبهته ورددن ذوائبه على صدره وعقربن صدغيه على خدّيه وكحلن عينيه ودفعن اليه مذبّة ذهب شعرها أخضر. فلما أكلن وفرغن من طعامهن أحضرت الشراب والفاكهة وسقتهن
أقداحا، وقدمت إليهن سكاكين نصبها جوهر. فقالت لهن: اقطعن من هذه الفاكهة، وقيل إن الذي كان بين أيديهن اترج وهو المتكأ، فلمّا أخذن في شربهن، قالت لهن: قد بلغني ما خضتنّ فيه من أمري مع عبدي. قلن لها:
الأمر كما بلغك لأنك أعلى قدرا من هذا وأنت تجلّين عن أولاد الملوك، فكيف رضيت بغلامك؟ فقالت: لم يبلغكن الصدق عني، ولو كان لكان أهلا لذلك. ثم ارسلت الى المواشط في اخراجه ورفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها وأقبل يوسف خارجا منه مستقبلا للشمس. فأشرق المجلس وما فيه (من وجه) يوسف وما عليه، وأرسل ذلك شعاعا كاد أن يخطف أبصارهن، وأقبل يوسف والمذبّة معه وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذبّ عنها، وهي تخاطبهن وهن لا يفهمن خطابها للذي أذهلهن من النظر اليه، فقالت: ما لكنّ قد اشتغلتن عن خطابي بالنظر الى عبدي؟
قلن لها: معاذ الله، ما هذا عبدك وما هذا الّا ملك كريم. ولم تبق منهن واحدة الا حاضت وأنزلت شهوة من محبته. فقالت لهن زليخا عند ذلك:
فهذا الذي لمتنّني فيه. فقلن: ما ينبغي لأحد أن يلومك بعدها، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه. قالت: قد فعلت فأبى عليّ فخاطبنه لي. فكانت كل واحدة منهن تخاطبه وتدعوه سرا الى نفسها وتبذل له، وهو يمتنع منها. فإذا يئست منه لنفسها خاطبته لزليخا ووعدته (بالحظوة والرفعة) والأموال فيقول: ما لي بذلك من حاجة فلما رأين ذلك أجمعن على أخذه غصبا، فقالت زليخا: لا يحسن ذلك ولا يقع موقعا، ولكنه ان لم يفعل لأمنعنّه اللذات ولأسجنّنه. فقال يوسف ﵇: ربّ السجن أحب إليّ مما تدعونني اليه. وأقسمت بإلاهها- وكان صنما من زبرجد أخضر باسم
عطارد- انه ان لم يفعل ذلك لتجعلنّ به ذلك. فأبى عليها فأمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها حبسه ليزول عنها ما قذفت به. فمال الى قولها ليميط عن أهله القبيح وينفي عنها المقالة. فأمر به فحبس في السجن سبع سنين.
فرأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال: إن فلانا وفلانا قد عزما على قتلك، يريد صاحبي طعامه وشرابه. فلما أصبح قررهما فاعترف أحدهما وأنكر الآخر، فأمر بحبسهما، وكان اسم صاحب الطعام راشان وصاحب الشراب مرطش. فأخبرا يوسف برؤياهما كما نطق به القرآن، ثم أخرجنا من السجن فقتل الذي أقرونجا الذي لم يقر وهو صاحب الشراب. فلما رأى الملك رؤياه في البقر عرفه الساقي خبر يوسف فأرسل اليه الى السجن ففسّرها له.
وقيل ان الملك قال للرسول: سله عن الرؤيا قبل ان تقصها عليه.
ففعل، فأعلمه بها وعبر له معناها، فقال الملك عندها: جئني به، فقال يوسف: لا أخرج حتى يكشف أمر النسوة اللواتي من أجلهن حبست.
فلما كشف عن ذلك واعترفت زليخا بالقصة وجّه اليه الملك فأخرجه وأمر بغسله من درن السجن وألبسه من ثياب الملوك. فلما دخل عليه وراه امتلأ به سرورا وألقيت عليه منه محبة وسأله عن الرؤيا، ففسرها له كما قال الله عزّ
وجلّ في كتابه. فقال له الملك: ومن يقوم لي بذلك؟ فقال: أنا فإني عليم به. فخلع عليه وألبسه تاجا وأمر ان يركب معه الجيش ويطاف به فيردّ الى قصر الملك ويجلس على سرير العزيز- وكان العزيز قد هلك- فاستخلفه الملك على ملكه وسماه العزيز مكانه وزوجه امرأته، فقال لها يوسف: هذا أصلح مما أردت. فقالت له: اعذرني فإن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيئتك إلا صبا قلبها اليك.
فلما جاءت سنو الخصب أخذ يوسف في توفير الغلّات والاستكثار من الأقوات، ثم جعل في سني الجدب لما نقص النيل وتوالى نقصانه يحسن التدبير والسياسة، ولولا ذلك لهلك الناس. فصار الى يوسف بما باع من الطعام جميع أموال أهل مصر من الذهب والفضة والجوهر والثياب والدواب والآنية والعقار.
وقحط أهل الشام عند ذلك، فكان من أمر يوسف مع إخوته ما قصّ الله تعالى في كتابه، ووجه يوسف الى ابيه فحمله من الشام بجميع أهله وخرج في وجوه أهل مصر وكبرائهم فتلقاه وأدخله على الملك. (وكان يعقوب ﵇ نبيّا جميلا، فقرّبه الملك) وأحبه وأعظمه، وكان له يومئذ عشرون ومائة سنة. فأقام يعقوب مع نقراوش يعظّمه ويجلّه ويعقوب يدعوه الى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام والآلهة ويوسف يعقبه بمثل ذلك، فيقال إنه آمن وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه.
ولم يزل يعقوب مكرما معظما عنده حتى حضرته الوفاة في حياة نقراوش، فأوصى ان يدفن بمكانه من الشام، فوضع في تابوت وخرج معه يوسف وكبار أهل مصر حتى بلّغوه إلى موضعه. فمنعهم عيصو من دفنه هناك لأن إسحاق وهب له الموضع، فاشتراه يوسف منهم (ودفن فيه يعقوب). وولد ليوسف بمصر.
وملك نقراوش مائة وعشرين سنة كما تقدم، وكان من أمر ابنه مع يوسف ما ذكرناه. واستوزر دارم بعد يوسف رجلا من الكهان يسمّى بلاطش فأطلق له ما كان يوسف يحذره عنه وحمله على أذى الناس وأخذ أموالهم وغلبتهم على كلّ امرأة حسناء يسمع بها في النواحي. ومكث كذلك زمانا قد بلغ من الناس أشد مبالغ الأذى (ونال منهم) كل مكروه حتى ركب يوما في النيل متنزها، فعصفت به ريح أغرقته ومن كان معه واستراح الناس من شرّه.
وملك بعده ابنه معدايوس، وهو خامس الفراعنة، وأهل مصر يسمونه معدان. فأسقط عن الناس الخراج وأحسن فيهم السيرة ولزم الإقبال
على الهياكل والتعبد لها. فتذكر القبط أنه كان يوما في هيكل زحل وحذاء صورته، وكان قد جهد نفسه في التعبد له الى ان تغشّاه نور وتجلّى له زحل وخاطبه فقال له: قد جعلتك ربا وحبوتك بالقدرة وسأرفعك إلي فلا تخل من ذكري. فأخبر الناس سدنة الهيكل بما رأوه من النور وسمعوا من الخطاب، فأعظم الناس أمره وسموه ربّا بأمر زحل. فجمع الناس وقال لهم:
قد (وقفتم على) ما خصصت به دون الملوك، وهذه موهبة يلزمني الشكر عليها لواهبها، ولست اتفرغ (للنظر في أموركم) وقد جعلت (أمر الملك) الى ابني أقشامش وأكون من ورائه الى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، وقد أيدته بالناظرين، فانظروا كيف تكونون فإنكم منّي بمرآى ومسمع. فرضوا ذلك.
وجلس اقشامش على سرير الملك وتتوّج بتاج أبيه، وهو الذي يسميه أهل الأثر كاشم بن معدان بن دارم بن الريان بن الوليد بن دومع، وهو سادس الفراعنة. وسمّوا فراعنة بفرعان الأوّل، فصار اسما لكل من تجبّر وعلا أمره. واحتجب معدايوس أبوه عن الناس، وكان أقشامش أوّل من ذلّل الإسرائيلين للقبط وقال للقبط: هم عبيد لكم، حتى صار رجالهم خدما لرجالهم ونساؤهم خدما لنسائهم، وإن ضرب الإسرائيلي القبطي قتل به. وقيل إنّ منارة الإسكندرية بنيت في زمانه وإنه هو الذي جعل عليها المرآة.
وكان قد استوزر رجلا من أهل بيت المملكة يقال إنه من ولد أشمون الملك يسمى طلمى بن قومس، وكان شجاعا حكيما كاهنا داهيا. فتغيب أقشامش بعد إحدى وثلاثين سنة من ملكه وطلمى يدبر أمر المملكة، فيقال انه سلب عقله، ويقال ان طلمى سمّه وقتله لأن نفسه كانت تنازعه الملك. فلما فقد الناس الملك اضطربوا على طلمى وتغيروا عليه. فولّى لاطش بن أقشامش وأجلسه على سرير الملك وألبسه التاج. فاستقر له الأمر وكان حدثا معجبا، فصرف طلمى عما كان عليه من خلافته واستخلف رجلا يقال له لاهوف من ولد ندراس الملك، وتجبر ودعا إلى عبادته وأمر أن يجلس أحد في قصره لا كاهن ولا غيره، بل يقوموا على أرجلهم إلى أن ينصرفوا.
(وزاد في أذى الناس والعسف. بهم ورتبهم على الأبواب، وجمع أموالهم وكثرها، وطلب النساء وابتز منهنّ خلقا كثيرا). وفعل من ذلك أضعافا مما فعله من تقدم ذكره. واستعبد بني إسرائيل، وهو الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى، فأما أهل الأثر فيزعمون أنه الوليد بن مصعب العملقي.
وقد تنازع الناس فيه، فمنهم من رأى أنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنه من الفرس من مدينة إصطخر، وقد زعم قوم من الأعاجم أنه من الأندلس من مدينة قرمونة، ومنهم من رأى أنه
من القبط (من ولد مصريم بن بيصر، والقبط) تثبت ذلك، ونسبه ونسب أهل بيته مشهور عندهم وتقول إن دليل ذلك ميله إليهم ونكاحه فيهم.
وذكر قوم أنه دخل مدينة منف على أتان تحمل خباء أحمر ليبيعه، وكانوا قد اضطربوا في تولية ملك، فأجمعوا على أن يملّكوا عليهم أول من يطرأ من الناس، فكان هذا.
فبذل الأموال ورغب من أطاعه وقتل من خالفه. وبنى المدن وخندق الخنادق وبنى الحصون على حدود مصر. واستخلف هامان وكان منه بقربى وهو حفر خليج سردوس. وهو أول من عرّف العرفاء على الناس، وكان من أمره مع موسى ﵇ ما هو مذكور في موضعه.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع