من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر الفسطاط
[ثم أمر عمرو رضه المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط، وهي مدينة مصر اليوم] وإنما سميت مصر الفسطاط لأن عمرو بن العاص لمّا أراد التوجه الى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه بمام قد فرّخ. فقال عمرو رضه: لقد تحرّم منا بمتحرم. فأمر بالفسطاط فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الاسكندرية بعد فتحها قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، فسطاط عمرو الذي كان خلّفه. وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصى، وهي عند دار عمرو الصغيرة.
وبنى عمرو بن العاص رضه المسجد. قال الليث بن سعد: وكان [ما] حوله حدائق وأعنابا. ونصبوا الحبال حتى استقام لهم ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة، هو وأصحاب (رسول الله ﷺ)، واتخذ فيه منبرا. قال أبو تميم الجيشاني: وكتب عمر بن الخطاب رضه اليه: أما بعد، فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين. أو ما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحتك؟ فعزمت عليك لما كسرته. وكان أبو مسلم الغافقي صاحب رسول الله ﷺ يؤذّن لعمرو وكان يخدم المسجد.
واختطّ المسلمون بمصر، فاختطّ عمرو بن العاص داره التي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق، وداره الأخرى اللاصقة الى جانبها، وفيها دفن عبد الله ابنه. واختط عبد الله ابنه الدار الكبيرة التي عند المسجد الجامع وبناها قصرا على تربيع الكعبة الأولى. واختطّ حول دار عمرو والمسجد قريش والأنصار وأسلم وغفار وجهينة.
واختط وردان مولى عمرو- ويكنى بأبي عبيد- القصر المنسوب الى عمر بن مروان اليوم، اشتراه عبد العزيز بن مروان فوهبه لأخيه. واختطّ قيس بن سعد بن عبادة دار الفلفل في قبلة الجامع، وأوصى عند وفاته أنها للمسلمين ينزلها ولاتهم. وسميت دار الفلفل لأن أسامة بن زيد التنوخي حين ولي مصر اختزن فيها فلفلا بعشرين ألف دينار كان الوليد بن عبد الملك أراد أن يهديه الى صاحب الروم. واختطّ مسلمة بن مخلّد دار الرمل وكانت من رحى الكعك الى حمام سوق وردان. ثمّ وهبها لمعاوية، واختطّ له معاوية داره التي بسوق وردان. وكانت بجنبها دار لعقبة بن عامر، فوهبها لرملة بنت معاوية فيها سميت دار الرّمل، حرّفته العامة، وقيل إنما سميت دار الرمل لكثرة ما ينقل اليها من الرمل لدار الضرب.
واختطّ قيس بن أبي العاص السهمي داره التي عند دار ابن رمّانة، [وكانت دار ابن رمّانة] بينها وبين المسجد ودخل بعضها الى المسجد حين زاد عبد
الله بن طاهر في عرضه. وكان عمرو ولّى قيسا الفضاء. واختطّ عبادة بن الصامت الى جانب دار ابن رمّانة وأنت تريد الى سوق الحمام. (واختطّ خارجة بن حذافة غربي المسجد الى اصحاب الحنّاء وأصحاب السويق). واختط عبد الرحمان بن عديس الدار البيضاء ومروان بن الحكم بناها بناءها اليوم لما ولي مصر سنة ستين. واختطّ ثقيف في ركن المسجد الشرقي الى السّرّاجين. واختط أبو ذر ومن معه من غفار من زقاق القناديل راجعا الى قصر ابن جبر الى سوق بربر.
واختطّ كعب بن يسار بن ضنّة- وهو ابن بنت خالد بن سنان العبسي التي قال لها (رسول الله) ﷺ: ابنة نبي ضيّعه قومه- الدار المعروفة بدار النّخلة في طرف زقاق القناديل، وكان يقال لزقاق القناديل زقاق الأشراف لأن عمرو بن العاص كان في طرفه وفي الطرف الآخر كعب بن يسار، وبينهما دار أبي ذرّ وزكريا بن الجهم وعبد الرحمان بن شرحبيل وغيرهم من الأشراف.
واختطّ كعب بن عدّي القيسارية، فلما أراد عمر بن عبد العزيز بناءها اشتراها منهم وخطّ لهم دارهم التي في بني وائل. والحمام الذي يعرف اليوم بحمام أبي مرة كان خطة لرجل من تنوخ. فسأله إياه عبد العزيز بن مروان فوهبها له فبناه حماما لزبّان ابنه وبزبان كان يعرف، وفيه يقول الشاعر يصف صنم رخام كان فيه على خلقة المرأة:
من كان في نفسه للبيض منزلةفليأت أبيض في حمّام زبّان
لا روح فيه ولا شفر يقلّبهلكنه صنم في خلق إنسان
في أبيات وكسر هذا الصنم وكان عجبا من العجائب حين أمر يزيد بن عبد
الملك بكسر الأصنام سنة اثنتين ومائة. واختطّ الزبير بن العوّام داره التي بسوق وردان وفيها السّلّم الذي كان الزبير نصبه وصعد عليه الى حصن الروم، وكان عبد الملك بن مروان قد اصطفاها فردها أبو جعفر على هشام بن عروة، وكانت لهشام منه ناحية. وقال أبو جعفر: ما مثل أبي عبد الله يؤخذ له شيء يعني الزبير.
واختطّ أبو بصرة الغفاري عند دار الزبير. واختطّ أسلم مما يلي دار أبي ذرّ ومن خططها دار الصبّاح والزقاق الذي فيه دار ابن بلادة، ولهم أيضا من قصر ابن جبر الى الحجامين الذين بسوق بربر. واختط اللّيثيون عند أصحاب القراطيس واختطّ خلفهم بسر بن أبي أرطأة. واختطّ بنو معاد في زقاق عبد الملك بن مسلمة. واختطّ عنزة في أصل العقبة التي عند دار ابن الصامت. واختطّ بلىّ [خلف] دار خارجة بن حذافة، ثم مضوا بخطتهم من دار عمرو بن يزيد الى دار سلمة والى دار واضح الى درب الزجاج، ثم مضوا الى أصحاب الزيت، ثم مضوا يشرعون في قبلة سوق وردان حتى بلغوا مسجد القرون، ثم داخل الزقاق الى مسجد عوف، وهو من خطّة بلىّ، وإنما كثرت بلىّ بمصر لأنّ رجلا نادى بالشام: يا آل قضاعة (فبلغ [ذلك] عمر بن الخطاب فكتب الى عامل الشام أن يصير ثلث قضاعة الى مصر، فنظر فاذا بلى ثلث قضاعة) فسيروا الى مصر.
واختطّ بنو بحر وهم من الأزد مما يلي بلى، ثم شرعوا الى البحر. واختطّ مهرة موضع دار الخيل وما والاها على سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر مما يلي الخندق الى شرقي العسكر الى جنان بني مسكين اليوم، وهناك كان مسجد مهرة وأدخله طريف الخادم في دور الخيل حين بناها. واختطت لخم قبلي ثقيف وانحدروا الى مسجد عبد الله، واختطّت غافق بين مهرة ولخم، ومضوا بخطتهم حتى برزوا الى الصحراء مما يلي الموقف، ولغافق من درب السّراجين الى درب بني وردان. فما كان عن يمينك وأنت تريد المسجد الجامع في الطريق الى دور الوردانيّين من مسجد عبد الله، فهو للخم.
وما كان عن يسارك فلغافق. والموقف لابنة مسلمة بن مخلّد، فتصدقت به على المسلمين. واذا سلكت زقاق أشهب فما كان عن يمينك وأنت تريد الموقف فهو لغافق، وما كان عن يسارك فهو للأزد، ثم مضت الأزد حتى أخذت (ما شرع) في السويقة قبال دار سعيد بن عفير وزقاق السّراجين حتى انتهت الى دار حوى ودار عبد الرحمان بن هاشم. ثم اختطت مما يلي السويقة العنقاء، واذا هبطت من وادي حوى وقعت في هذيل، فما كان عن يمينك وأنت تريد الخندق فلهذيل، وما كان عن يسارك فلدهنة من الأزد.
واختطّت الصّدف قبلي مهرة، فمضوا بخطتهم حتى لقوا حضرموت دون الصحراء ولقوا مما يلي القبلة بني سعد من تجيب. واختطت تجيب شرقي
الحصن وقبلي منزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح (ومضوا بخطتهم حتى لقوا مهرة والصدف من مهبّ الشمال. واختطت خولان قبلي الحصن من مهبّ الجنوب ومضوا بخطتهم حتى لقوا بني وائل) والفارسيين في السهل حتى لقوا تجيب ورعينا في الجبل ولقوا مرادا في الشرق ولقوا تجيبا من مهب الشمال. واختطت مذحج بين خولان وتجيب.
فأما الجيزة فإن معظم خططها للحمراء وهم قوم من العجم والفارسيين، وكانوا دخلوا مع عمرو بن العاص، منهم بنو ينّة وبنو الأزرق وبنو روبيل، والى ابن ينّة تنسب السقيفة التي بفسطاط مصر، وانما أرادوا ان ينفردوا عن العرب ونزلها معهم قوم من همدان وذي أصبح ومنهم شمر بن أبرهة.
قد تقدم ذكرنا لبناء عمرو المسجد بمدينة الفسطاط، ثم مسلمة بن مخلد الأنصاري (أخذ في زيادته)، وذلك سنة ثلاث وخمسين، وبنى المنار وكتب عليه اسمه، ثم هدم عبد العزيز بن مروان المسجد كله (في سنة سبع وسبعين) وبناه. ثم كتب الوليد بن عبد الملك الى قرّة بن شريك العبسي وهو واليه على مصر سنة بضع وتسعين، (فهدمه كله) وبناه بناءه هذا اليوم وزخرفه ونجره وذهّب رؤوس العمد التي في مجالس قيس خاصة وحوّل قرّة المنبر الي قيسارية العسل. وكان الناس يصلون فيها الصلوات ويجمّعون
فيها الجمع حتى فرغ من بناء المسجد والقبلة في القيسارية الى اليوم.
وكان الوليد قد عزل عبد الله بن عبد الملك عن مصر وولّاها قرة (بن شريك). وقال الشاعر (في ذلك):
عجبا ما عجبت حين أتاناأن قد أمّرت قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنّاثمّ خالفت فيه رأي أبيك
ثم زاد بعد ذلك موسى بن عيسى الهاشمي في مؤخره سنة خمس وسبعين ومائة، ثم زاد عبد الله بن طاهر بإذن المأمون له فيه سنة ثلاث عشرة ومائتين وأدخل في الزيادة دار الرمل كلها إلا ما بقي منها من دار الضرب ودار ابن رمّانة وغيرها.
ثم أول مسجد بني بمصر بعد مسجد عمرو المسجد الذي في أصل حصن الروم عند باب الرّيحان بإزاء الموضع المعروف بالقالوس ويسمى مسجد القلعة. ومن مساجدها المشهورة مسجد عبد الله، وهو عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان أبوه ولاه مصر سنة ستّ وثمانين، وكان أهل مصر يسمونه مكيّسا، قاله الليث بن سعد. (وهو أول من نقل الدواوين الى العربية، وانما كانت بالعجمية)، وهو أول من نهى الناس عن لبس البرانيس. ومسجد ملك وهو مسجد ينسب الى ملك بن شرحبيل الخولاني القاضي، وكان ولي القضاء بمصر سنة ثلاث وثمانين، وكان الحجاج يبعث اليه في كل عام بحلّة وثلاثة آلاف درهم، ولم يزل على القضاء حتى مات.
وأما قيساريات مصر فقيسارية العسل (وقيسارية الحبال) وقيسارية الكباش وقيسارية عبد العزيز، وهي التي يباع فيها البزّ، وقيسارية هشام يباع فيها البزّ أيضا وهو هشام بن عبد الملك وأوّل ما بنى المسلمون بمصر من الحمامات حمام الفأر، وكانت حمامات الروم ديماسات كبارا، فلما رأوا هذا الحمام وصغره قالوا: من يدخل هذا؟ هذا حمام الفأر، فغلب عليه.
وبين الفسطاط ومدينة القاهرة نحو ميلين في خراب كانت مساكن لكتامة وغيرها، وهناك اليوم ثلاثة مشاهد على الطريق من الفسطاط الى القاهرة بناها الحاكم ولها السّدنة والخدمة، وتوقد فيها السّرج الكثيرة الليل كلّه.
وزعموا أنه كان أراد نقل جثة (رسول الله) ﷺ وجثّة أبي بكر وجثّة عمر ﵄ إليها، وقد كانت توجهت له الحيلة في ذلك حتى أظهر الله أهل المدينة على أمره وقاية لرسوله ﷺ وردّا لكيد عدوّه لعنه الله.
وذلك أن الحاكم بذل الأموال لرجال من شيعته احتفروا في بعض الدور المجاورة لمسجد رسول الله ﷺ سربا تلقاء القبر، وقد رفعوا ذرع ما بين الدار والقبر، فاذا وازوا موضع القبر خرقوا في البيت غلوة وتمكنوا من إرادتهم. فأطلع الله على ذلك أهل المدينة وقد أمعنوا في الحفر وأشرفوا على ما
يريدون، فقتلوا أولئك الفعلة الفسقة ومثّلوا بهم ورصفوا تلك الحفرة بالحجارة وأفرغوا عليها الرصاص، فلا يطمع في الوصول اليها طامع أبدا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع