تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الطريق من الفسطاط الى دمياط الى جزيرة تنّيس

تسير في النيل منحدرا حتى تأتي محلّة المحروم، وهي على ساحل طنرثى، وطنرثى مدينة كبيرة فيها الحمامات والفنادق الكثيرة والأسواق، وهي غير مسورة، وبينها وبين ساحل محلّة المحروم ثلاثة أميال، وهي بين خليجين من النيل وبينها وبين النيل من ناحية الشرق ميلان. وهو الخليج الذي ينزل الى دمياط (ومن عبره يأتي) مدينة مليج، وهي مدينة كبيرة في أول منبعث هذا الخليج، ووراء مدينة مليج خليج آخر يذهب أيضا الى دمياط، وهناك مدينة تسمّى نيطائي وهي مدينة جليلة فيها أسواق كثيرة ومسجد جامع. وتسير من مدينة نطائي مع النيل الى مدينة دمسيس، (وهي كبيرة كثيرة الخير والبساتين)، وهي على شاطىء النيل، وبإزائها من العدوة الثانية مدينة تسمّى شبرى دمسيس، (وهي مدينة كبيرة كثيرة الخير والبساتين. وعلى مقربة منها مدينة فجنجين واسعة ذات أسواق، ويخرج عندها خليج من النيل يجري الى بحيرة تنيس)، ويسمّى أول مدخل الى هذه البحيرة الديجور، وهي كالبحر عظما. ومن مليج المذكورة الى مدينة صهرجت نصف يوم. وعلى مقربة من صهرجت مدينة بلبيس، مدينة جليلة بين الشرق والشمال من مصر وبينها وبين مصر بحيرة الأسرا، ويخرج اليها الماء من خليج يقرب مدينة رشيد من الضفة الشرقية، وهي بحيرة ملحة، وفيها مدينة سنجار، وبهذه المدينة أكثر السفن التي تجري الى مصر في النيل بالأطعمة كل عام.

(وبين هذه البحيرة وبحيرة أخرى) جسر يتصل بالبحر الكبير، وهو جسر من بنيان الأول متقن الصناعة محكم التدبير، وفي هذا الجسر حفائر وكوى مصنوعة يأوي اليها الحوت، واذا أرادوا صيده فتحوا أسدادا هناك بين البحرين فيدخل الماء من البحيرة التي تلي البحر الكبير الى هذه البحيرة الثانية، فإذا أحسّ الحوت بدخول الماء تواثب من تلك الكوى فتساقط على الجسر، فيأخذون منه ما شاؤوا بلا كلفة ويبيعونه بالأمول الكثيرة من أصحاب الدواب بعد إخراجه الى البر الكبير، فيحمل الى مصر على رتب.

وينحدر الخليج الذي يدخل من طنرثى الى مدينة تسمّى الملحة، وهي مدينة جليلة لها مسجد جامع وأسواق وحمامات، وهي قاعدة العمال من مصر. ويسير منها الى مدينة تسمى دميرة، وهي قاعدة كبيرة ومجمع للناس ولها أسواق عظيمة ومنها يسير الى دمياط. وخليجها على القرب منها (يفترق فرقتين)، فتأخذ شعبة منه على شرقيها وشعبة على غربيها، ثم تلتقيان في البحيرة، فتصير الى المدينة في جزيرة، وهي مدينة مسورة لها خمسة أبواب وفيها مساجد كبار ولها حصون تسمى بالمحاريس يسكنها الفقراء والصالحون. وبقربها موضع يعرف بالصحراء فيه يقصر القصارون تلك الثياب الشروب، وهي تكتفي عند اعتدال هوائهم وموافقته لهم بقصارة اليوم الواحد فتبيض.

وهذه البحيرة يسلكها الملّاحون ذاهبين الى تنّيس من دمياط وراجعين من تنّيس اليها بريح واحدة بحكمة في سفنهم وشراعها تزاحم به الريح.

وجزيرة تنّيس في وسط هذه البحيرة، وهي بحيرة تعذب عند زيادة النيل فتبقى ستة أشهر حلوة ثم تملح ستة أشهر أخرى. وقال قوم إنها تعذب (إذا هبّت) الجنوب فيطرقون لها عند ذلك الى مصانع قد اتخذوها، فاذا هبّت الشمال ملحت.

ومدينة تنّيس كبيرة لها مسجد جامع وأسواق، وأهلها ذوو يسار وثروة وأكثرهم حاكة وثيابها الشروب لا يصنع مثلها في الدنيا، فصنع بها لصاحب مصر قميص لم يدخل فيه من الغزل لحما سوى أوقيتان ونسج فيه من الذهب أربعمائة دينار، وقد أحكمه الصانع حتى لم يخرج فيه الى تفصيل ولا خياطة غير الجيب، فبلغت القيمة فيه ألف دينار. وليس في الدنيا طراز كتّان يبلغ الثوب منه، وهو ساذج دون ذهب مائة دينار عينا غير طراز تنّيس ودمياط.

وبجزيرة تنّيس أزيد من عشرة آلاف من النصارى ولهم على شاطىء البحر كنائس كثيرة. وقبور المسلمين في جزيرة تنّيس بأفنية دورهم لضيق

مساكنهم، وهم يصيدون (الطير من) السّمانى وغيرها على أبواب دورهم بشباك يمدونها على سككهم. وقد ذكرنا في أخبار مصر خبر الأكوام التي بتنّيس وأن تنّيس كانت جزيرة عظيمة وكانت كثيرة الجنّات والمتنزهات والقصور فغلب الماء على أكثرها. وقد (زعم قوم) أنها كانت مقسومة بين ملكين من ولد ابرويت بن مصريم وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا.،

فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر حتى باع من أخيه الكافر حصّته من تنّيس، فزاد فيها غروسا فجرّ فيها أنهارا وبنى مصانع، واحتاج أخوه الى ما في يده، فمنعه وسطا بماله وحشمه عليه وحقره لفقره. فقال له أخوه: فما أراك شاكرا لله تعالى على ما رزقك ويوشك أن ينتزع ذلك منك ويغير نعمته عندك. فأرسل الله على جناته ومصانعه الماء فأصبحت خاوية على عروشها. فهما اللذان عنى الله تعالى بقوله في سورة الكهف. فتركب السفن من جزيرة تنّيس الى الفرما، وهي مدينة جليلة كثيرة الخير وهي في الساحل. ويذكر أن هاجر أمّ إسماعيل من قرية من قراها تسمّى أمّ العرب وهي على مقربة منها.

والفرما قديمة البناء، ويذكر أهل مصر أنّه كان منها طريق الى جزيرة قبرس في البرّ فغلب عليه البحر، وكان فيما غلب عليه البحر مقطع الرخام المجزّع الأبيض. وقال يحيى بن عثمان: أرابط بالفرما وبينها وبين البحر قريب من يوم يخرج المرابطون الى ساحله فيقيمون عليه، ثم غلب البحر على ذلك كله. فالفرما اليوم على البحر، فصار ما بين الفرما والقلزم هو الحاجز الذي ذكره الله تعالى (في كتابه فقال): وجعل بين البحرين حاجزا، وهما

بحر الروم وبحر الصين، ولا يتقاربان في بقعة من الأرض تقاربهما في هذا الموضع، فإن الذي ما بين الفرما والقلزم مسيرة ليلة واحدة وبينهما في غير هذا الموضع مسيرة شهور.

ووجّه ابن المدبر الى الفرما، وكان بتنّيس في هدم أبواب لها من حجارة في شرقي الحصن، فاحتاج أن يعمل منها كلسا، فمنع من ذلك أهل الفرما فخرجوا الى رسله في السلاح وقالوا: هذه من الابواب التي قال الله ﷿ فيها على لسان يعقوب ﵇: لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة.

ومن عجائب الدنيا نخل الفرما، فإنه يثمر حين ينقطع البسر والرطب من تلك البلاد، ويبتدئ هذا بالأرطاب حين تلد النخل في الكوانين فلا ينقطع أربعة أشهر، ولا يوجد هذا في بلد من البلاد سوى الفرما، ويكون منه ما وزن البسرة عشرون درهما وطولها فتر.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.