من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر جبل المقطّم وما ورد فيه
وهو متصل بجبل الزمرد، والمقطّم ما بين القصير الى مقطع الحجارة وما بعد ذلك من التخوم. وذكر بعض أهل العلم أن المقطّم من الطور وأنه
داخل فيما وقع عليه القدس، (وكذلك ذكره كعب الأحبار). وقال كعب: كلّم الله ﷿ موسى بالطور فالمقطّم من القدس، وروي في التوراة أن موسى ﵇ كان يناجي ربّه بالوادي الذي فيه المقطّم عند مقطع الحجارة. وكان في أعلى جبل المقطّم بناء للأوّل ويذكر أنه كان مطبخ فرعون فغيّر وبنيت فيه المساجد والناس يقصدونها ليالي الجمع ويتهجّدون فيها، ويقال إن ذلك البنيان على المقطّم كان موقدا يوقد فيه اذا ركب فرعون من منف الى عين شمس ومن عين شمس الى منف، وكان على القصير موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدوا له ما يريد. والله أعلم.
وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة بالمقطّم فجلسنا حوله فقال: إن عيسى ﵇ تصفّح هذا الجبل وأمه الى جانبه، فالتفت اليها وقال: يا أماه هذه مقبرة أمة محمد ﷺ وبينا عمرو بن العاص يسير في صفح المقطّم ومعه المقوقس اذ قال له: (ما بال جبلكم) ؟ هذا أقرع (ليس عليه نبات)، ولو
شقّقنا صفحه بنهر من النيل وغرسناه. فقال له المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارا ونبتا وفاكهة، وكان المقطّم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ينزله، فلما كانت الليلة التي كلم الله ﷿ فيها موسى ﵇ أوحى الله الى الجبال: إني مكلّم نبيّا من أنبيائي على جبل فسمحت الجبال كلّها وتشامخت الا جبل بيت المقدس فإنه تضاءل وهبط، فأوحى الله ﵎ اليه: لم فعلت هذا وهو أعلم؟ فقال: إعظاما لك وإجلالا يا ربّ.
قال: فأمر الله الجبال أن يحبوه كل جبل بما عليه (من النبت)، فجاد له المقطّم بما عليه حتى بقي كما ترى. فأوحى الله ﷿ إليه: إنّي معوّضك على فعلك بشجر الخلد وغراس الجنّة.
وكتب بذلك عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب، فكتب اليه عمر: اني لا أعلم شجر الجنة غير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة. وروي أن عمرا سأل رهبانهم لم تركوا جبل المقطّم من غير بنيان ولا غرس، فأخبروه أنهم سمعوا مشايخهم عن أوائلهم يقولون ان هذا فحص سيغرس فيه غروس من أغراس الجنة، (فلذلك تركناه من غير عمارة)، فكتب بذلك عمرو الى عمر (بن الخطّاب رضه) فكتب اليه عمر: إني لا أعلم شيئا) في الدنيا من غراس الجنّة الا أجساد المؤمنين، فاجعل ذلك الفحص لهم مقبرة.
)
وروى ابن لهيعة أن كعب الأحبار أرسل في جراب من تربة المقطّم، فلما حضرته الوفاة أمر أن يفرش في لحده تحت جنبه الأيمن. وقيل إن أوّل من قبر فيها رجل من المعافر يقال له عامر، وقيل عمرت. وقد قيل إنّ أوّل من قبر فيها عمرو بن العاص، ولا يصح هذا لأن عمرا جعلها مقبرة وتوفي عمرو بعد ان ولي مصر لمعاوية ثلاث سنين، وتوفي يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين.
وليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أطيب منها تربة، تربتها مثل الكافور. وقبر فيها من أصحاب رسول الله ﷺ المعلومين عمرو بن العاص وعبد الله بن حذافة السهمي وعبد الله بن الحارث الزبيدي وأبو بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني ومسلمة بن مخلد الأنصاري.
والفيوم قد تقدم ذكرها في مواضع من هذا الكتاب. وسابور صير وخليج الفيوم يصل إليها (من خليج سابور صير وهو الخليج الكبير، فاذا وصل الى نصف الطريق وجد حجرا مصنوعا وهو حجر اللهون. وفي) أرض سابور صير نحو مائة ضيعة في بساط واحد، فاذا زاد النيل أحدق بها الماء وصارت كل ضيعة منها كالجزيرة وصارت مواشيهم محصورة
معهم. وفي سابور صير القبور القديمة التي لا يدرى من أي زمان هي، فيها أموات صحاح الأجسام عليهم أكفانهم لم يتغير منظرهم، وتجمع في هذه القبور الموميا القبورية التي لا تعدل ثمنا.
ومدينة أخميم، وهي مدينة مسوّرة في الضفة الشرقية من النيل فيها أسواق وحمامات ومساجد، وهي كثيرة المساجد، وداخل سورها البربى المذكور لم يتغير منه شيء، وفيها مسجد جامع جليل.
مدينة أسيوط، وهي على الشاطئ الغربي من النيل، وهي مدينة مسوّرة (جميلة النصبة) كثيرة الخير والفوائد، وفيها أيضا بربى (في وسط سوقها) قد تهدم بعضه. وأسيوط أكثر بلاد الصعيد قصب سكر وأطيبه.
مدينة أنصنا، وأكثرها اليوم خراب، وهي كانت مدينة السحرة وكان (بها أيضا بربي لم يبق منه اليوم إلا بيت واحد كأنه من صخرة واحدة حيطانه وأعلاه، ومارية التي أهداها المقوقس الى رسول الله ﷺ من كورة أنصنا من قرية يقال لها جفن، ومدينة أنصنا) لا يقربها تمساح والناس منها آمنون هناك، وأكثر ما يكون عدوانا من الشاطئ الغربي الذي يحاذي
أنصنا في قرية يقال لها الأشمون، لا يقدر أحد أن يقرب من شاطئها، واذا كان التمساح في حدّ أنصنا تحول على ظهره مستلقيا حتى يخرج منها، وكذلك يصنع من فسطاط مصر على نحو عشرة أميال حتى يخرج عن حدها بمثل ذلك.
ومدينة قوص، وهي على شرقي النيل بين أسوان وأخميم وبينها وبين أسوان مسيرة ثلاثة أيام، وهي مدينة كبيرة وفيها آثار عظيمة للأوائل، وفيها أسواق وحمامات ومعاصر للسكر يخدم الدار الواحدة منها مائة رجل، ولها ضياع جليلة، وبينها وبين أسوان غيران منحوتة في جبال هناك فيها قبور أموات تستخرج منها الموميا الطيبة، وهم يجدونها في رممهم وبين أكفانهم.
ويقال ان في تلك الصحراء التي بين قوص وأسوان الجبل الذي فيه معدن الزمرد الأخضر، إلّا أنّ الخوف من البجاة والنوبة وقبائل عرب تلك الصحارى تمنع منه، مع أنّ غيرانه بعدت وانهارت وتهدمت لبعد العمارة وانقطاع الناس.
ومدينة قفط، وهي متوسطة المقدار بينها وبين النيل ثلاثة أميال، عليها سور ولها جامع وسوق، وبينها وبين مدينة قوص أربعة أميال، وفيها بربى وبغربيها شعرى كثيفة، (ليس بينها وبين مدينة قوص) شيء إلا شجر
السنط الذي هو حطب مصر. ومن مدينة قفط الى مدينة أخميم ثلاثة أيام.
ومدينة أسوان، وهي (آخر مدن الإسلام وثغرهم من بلاد مصر، وهي متصلة ببلاد النوبة. وبين أسوان- وهي آخر بلاد الإسلام- والعريش، وهو آخر حدّ مصر، حائط العجوز قد حوّط أرض مصر كلها). وبين مدينة أسوان ومدينة صور التي هي أول بلاد النوبة صحراء فيها أعراب يعرفون ببني حمار وبني هلال وبني كنانة وبني جهينة يؤدون أعشارهم الى صاحب مصر. وأسوان في أول الصحراء الى ساحل بحر النعم الى مدينة على ساحل البحر تسمّى عيذاب، وهي في صحراء تتجوّل فيها قبائل السودان من البجاة. ومسجد الردّ بني آخر عمل أسوان وهو رباط أسوان.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع