تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر مدينة الإسكندرية

وذكر أنّ اسمها رقودة ولها خمس عشرة كورة. قال عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم: كانت الإسكندرية ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض:

منّة وهي موضع المنارة وما والاها، والإسكندرية وهي موضع قصبة السلطان اليوم، ونقيطة. وكان على كلّ واحدة منها سور. وقال عبد الله بن طريف الهمداني: كان على الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق. وقال إنّ الإسكندر لمّا استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء، فأتى موضع الإسكندرية فأصاب أثر بنيان وعمد رخام منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند- وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد- أنا شدّاد بن عاد شددت بساعدي الواد وقطعت عظيم العماد من الجبال الأطواد وبنيت إرم ذات العماد الّتي لم يخلق مثلها في

البلاد، أردت أن أبني هاهنا كإرم وأنقل إليها كلّ ذي قدم من جميع العشائر والأمم، وذلك أن لا خوف ولا هرم ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني وعمّا ذهبت إليه قطعني، حال طال مع وقوعها همّي وشجني، وقلّ أعجلني وعمّا ذهبت إليه قطعني، حال طال مع وقوعها همّي وشجني، وقلّ نومي ووسني، فارتحلت عن هذه الدار لا لقهر جبّار ولا خوف جيش جرّار، ولكن لتمام المقدار وانقطاع الآثار وسلطان العزيز الجبّار. فمن رأى أثري وعرف خبري وطول عمري ونفاذ بصري (وشدّة حذري) فلا يغترّ بالدنيا بعدي. وقال ابن لهيعة: بلغني أنّه وجد حجر بالإسكندرية مكتوب فيه: أنا شدّاد بن عاد وأنا الّذي نصب العماد (وجيّد الأجياد) وسدّ بذراعه الواد، بنيتهنّ إذ لا موت ولا ميت، وإذا الحجارة في اللّين مثل الطين. ثمّ قال ابن لهيعة: الأجياد المعادن.

فبعث الإسكندر إلى البلاد فحشر الصّنّاع واختطّ الأساس وجعل طولها وعرضها أميالا واستجلب العمد والرخام وأنواع المرمر والأحجار في البحر من جزيرة صقلّية وبلاد إفريقية وإقريطش، ووضع على كلّ قطعة من الأرض خشبة قائمة ووصل بها حبالا منوطة بعضها ببعض يرجع جميعها إلى عمود رخام كان أمام مضربه، وعلّق على العمود جرسا عظيما مصوتا وعلّق على كلّ قطعة من الحبال جرسا صغيرا، فإذا حرّك حبل الجرس الكبير الّذي عند العمود خفق الجرس وتحرّكت سائر الحبال وخفقت الأجراس بحركات فلسفية وحيل حكمية. وأمر الصّنّاع أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة إذا أذنتهم تلك الأجراس.

فأخذت الإسكندر نعسة في حال ارتقابه للوقت المحمود الطالع، فوقع غراب على حبل الجرس الكبير فحرّكه فتحرّكت الأجراس، فوضع الأساس (وارتفع الضجيج) بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رقدته وسأل عن الخبر، فأعلم (بصحّة ذلك)، فعجب (من ذلك) وقال: أردت أمرا وأراد الله غيره ويأبى الله إلّا ما يريد، أردت طول بقائها وأراد الله سرعة فنائها. فلمّا شيّدت أمر أن يكتب على بابها: هذه الإسكندرية، أردت أن أبنيها على الفلاح والنّجاح واليمن والسّرور والثبات على الدهور، فلم يرد الله تعالى ذلك، فبنيتها على ما أراد وأحكمت بنيانها وشيّدت سورها، وآتاني الله من كلّ شيء علما وحكما وسهّل عليّ وجوه الأسباب فلم يتعذّر عليّ في العالم شيء ممّا أردتّه صنعا من الله تعالى لي وصلاحا لعباده من أهل عصري، والحمد لله ربّ العالمين. ورسم (بعد هذا) كلّ ما يحدث فيها بعده في مستقبل الأزمان من الخراب والعمران.

وبنى سورها آزاجا وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفّسات للضياء يسير فيه الفارس بفرسه وبيده رمح لا يضيق به حتّى يدور جميع تلك الآزاج. وكذلك أسواقها وشوارعها وسككها مقنطرة كلّها لا يصيب أهلها شيء من المطر. وكانت الإسكندرية تضيء في الليل بغير مصباح لشدّة بياض

الرخام، (وربّما علّق فيها شقاق الحرير الأخضر) لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس. وقد كان لها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها بينها خنادق بين كلّ خندق وسور فصيل.

وكان سكّان البحر (على ما زعموا) يؤذون بالليل ويختطفون، فاتّخذ الإسكندر على أعمدة هناك تدعى المسالّ الطلسمات وهي باقية إلى هذه الغاية، كلّ عمود منها على هيئة السروة طولها ثمانون ذراعا على عمد من نحاس، وجعل تحتها صورا وأشكالا (وكتابة تدفع) وتمنع. وقد ذكر أيضا في غير هذه القصّة وفي غير هذا الكتاب ما كان من دخوله البحر في التابوت ورؤيته أشخاص تلك الدوابّ المضرّة للبناء وغير ذلك. فلمّا صنع أمثالها وجعلها على الأسوار خرجت من النيل تلك الصور على حالها وظنّت أنّ ذلك يصنع بها إذا خرجت وامتنعت عن الخروج. والله أعلم (بكيفية ذلك كلّه).

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.