تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

صفة المنار اليوم وارتفاعه

[وأمّا المنار اليوم فهو ثلاثة أحزم، الأوّل مربّع البناء قد عمل أحسن عمل] من الحجارة المربّعة التي قد أخفي إلصاقها حتّى صارت كالحجر

الواحد لم يغيّر الزمان من ذلك شيئا، وارتفاع هذا المربّع ثلاثمائة ذراع وعشرون ذراعا بالذراع المعروفة. ثمّ ترك في أعلاه غلظ حائط البناء وهو ثمانية أشبار ونحو عشر أذرع سوى ذلك الغلظ، ورفع على ما بقي من البناء بناء مثمّن الشكل طوله ثمانون ذراعا، ثمّ بني على هذا البناء المثمّن بعد أن ترك (غلظ حائطه) وهو أقلّ من غلظ الأسفل وثماني أذرع سوى ذلك الغلظ عليه بناء مربّع ارتفاعه خمسون ذراعا أو نحو هذا.

وفي أعلى ذلك مسجد محكم البناء [ينسب لسليمان]، وفي الناحية الشمالية من البناء المثمّن كتابة بالنحاس لم يفكّها أحد. وباب المنار من حديد [لا يعلم له عهد] يرقى إليه [من أسفل المنار] في علو ويصعد من أسفلها إلى (أعل بنائها الأوّل) [في طريق يمشي فيه] فارسان متواكبان في أرض سهلة، لا يكاد يعلم الراقي فيه هل (هو راق أو ماش) (في سواء من الأرض). وفي كلّ عطف من هذا المصعد باب دار داخلها بيوت مربّعة سعة كلّ بيت من عشرين ذراعا إلى عشر أذرع، قد فتح لها مضاو متنفّسات للهواء [ولئلّا تهدّمها الرياح]. وعدد ما فيها من البيوت (ثلاثمائة وستّة وستّون بيتا)، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها اثنان وسبعون عطفا، في كلّ عطف اثنتا عشرة درجة، وبيوتها كلّها آزاج معقودة، (وبناء المنار كلّه معقود) بخشب الساج، وعدد أبوابها الظاهرة من خارجها اثنان وعشرون بابا فتحت فيها لئلّا تهدمها الرياح.

والبحر قد أثر في أسفل المنارة من غربيّها حتّى صار تحتها كالكهف العظيم، فسدّ بعض أمراء مصر ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض، فالبحر يضرب اليوم في تلك الأساطين [ولا يؤثّر فيها شيئا].

وفي الشمال من المنارة بناء عريض واسع قد رفع من قعر البحر حتّى ظهر على الماء، يدلّ على أنّه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمّى ذلك البنيان الفاروس، وفي أسفله ترفأ السفن لأنّ ذلك البناء يكفّ عنها الموج.

وقد زعم قوم أنّ ذلك الظاهر ليس ببناء، إنّما هو ممّا هدم من حجارة المنارة، والله أعلم.

وتسير من الإسكندرية إلى المنارة فتخرج على باب الأشتوم وتسير على ضفّة البحر نحو نصف ميل، ثمّ تميل نحو الشمال فتسير نحو ذلك، ثمّ تسير على بناء في البحر كالقناطر، ولها منافس والبحر يضرب من جانبيه، نحو أربعمائة خطوة، فإذا خرجت من ذلك البناء صرت في فضاة داخلة في البحر كأنّها جزيرة، والمنار في أعلى هضبة منها، وقد أحاط البحر بالمنارة من ناحية الجنوب والشمال والغرب.

ولهذه المنارة مجمع في العام في يوم يسمّونه بخميس العدس، وهو أوّل خميس من شهر بابه لا يتخلّف في مدينة الإسكندرية أحد إلّا خرج إلى المنارة وقد تقدّموا في إعداد الأطعمة ولا بدّ في ذلك الطعام من عدس، (فيفتح بابها) للناس فيصيرون فيها. (فمن ذاكر الله) ﷿ ومصلّ ومن لاه متفرّج، فيقيمون إلى نصف النهار ثمّ ينصرفون.

وسمع الليث بن سعد مسلمة بن علي يقول: بارك في العدس سبعون نبيّا.

قال الليث: إلّا نبي واحد وإنّه لردي مؤذ. ومن ذلك اليوم يبتدأ بإحراس البحر، ولهم [في المنارة] قوم مرتّبون لذلك من النصارى، فهم يوقدون النار الليل كلّه في أعلى الحزام الأوّل من ناحية البحر، فيؤمّ أهل السفن من جميع البلاد سمت تلك النار (ويوقد صاحب السفينة) النار، فإذا رأى المحترس نارا في البحر زاد في وقوده وأوقد نارا أخرى إلى ناحية المدينة،/ فإذا رأى ذلك الّذين بالمدينة زادوا في ضرب البوقات والأجراس حذرا من العدوّ، فاستعدّ أهل المدينة لذلك.

قال: والقصر الأعظم بالإسكندرية اليوم خراب، وهو على ربوة عظيمة بإزاء باب المدينة، طوله خمسمائة ذراع وعرضه على النصف من ذلك أو نحوه، ولم يبق منه إلّا سواريه، فإنّها قائمة لم يسقط منها شيء،

وبابه أحكم البناء وأتقنه، كلّ عضادة منه حجر واحد. وعدد أساطين القصر أزيد من مائة أسطوانة غلظ كلّ أسطوانة نحو عشرة أشبار.

وفي ناحية الشمال منه أسطوانة عظيمة غلظها ستّة وثلاثون شبرا، وهي من الارتفاع بحيث لا يدرك أعلاها قاذف بحجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدلّ أنّ بناء كان عليها، وقاعدتها حجر أحمر مربّع محكم عرض كلّ ضلع من أضلاعه اثنان وعشرون شبرا في ارتفاع ثمانية أشبار.

والأسطوانة منزّلة في عمود قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدّت الرياح جعلت تحت الأسطوانة الحجارة فتطحنها لشدّة حركتها.

وبمدينة الإسكندرية كان الهيكل الأعظم الّذي اجتمع فيه ثلاثمائة أسقف وثمانية عشر أسقفا فأسّسوا القول بالتثليث وكفّروا من خالفهم، وذلك في زمن قيصر يولش.

وقال حمزة بن محمّد المصري إنّ بعض ولاة مصر دخل الإسكندرية فنظر إلى قصر عظيم من بناء الأوّلين، فدعا الصنّاع فسألهم أن يبنوا له مثله. فقام إليه شيخ منهم فقال له: أنا أبني لك مثله إن أزحت عليّ. فقال:

سل. (قال ائتني) بثورين مطيقين وعجلة. (فأمر له بذلك)،

فدخل مقابر الإسكندرية واحتفر في قبورها فاستخرج جمجمة عظيمة فوضعها في العجلة، فما جرّها الثوران إلّا بعد جهد، فجاءه بها فقال:

أصلح الله الأمير، إن أعطيتني من تكون رؤوسهم مثل هذا الرأس بنيت لك مثل هذا القصر. فعلم أنّه لا حيلة له فيه. وقال حمزة بن محمّد المصري:

رأيت بالإسكندرية عند قصّاب ضرس إنسان يزن به اللحم زنته ثمانية أرطال.

والإسكندرية كلّها دفائن وكنوز، فإذا أمطرت مطرا شديدا وسال ترابها مع الماء خرج الرجال والنساء والصبيان من المدينة يلتمسون حواليها فيجدون قطع الذهب والفضّة من الحلى وغيره والدرّ والياقوت والزمرّد، وليس يرجع أحد منهم بغير شيء.

وإذا زاد النيل في أيّام زيادته دخل في الخليج الّذي صنع لذلك حتّى يصل إلى الإسكندرية، فإذا وصل إلى أعلى المدينة، ولهم هناك آبار مصنوعة ومواجل، فيسقون منها بالسواني من ماء النيل ويصبّون فيها فيجري الماء منها في قنى قد أحكمت إلى آبار (في دور المدينة من عمل الأوّل، وذلك أكثر من ثلاثة أميال، وليس بمدينة الإسكندرية دار إلّا فيها بئر وماجل فإذا وصل الماء إلى الآبار) استسقى أهل الآبار وصبّوا في المواجل فيشربون منه باقي عامهم.

وكان بالإسكندرية دار ملعب قد بنيت بضرب من الحكمة لا يرى أحد فيها شيئا دون صاحبه ووجه كلّ جالس فيها تلقاء وجه صاحبه، إن عمل أحد منهم شيئا أو تكلّم أو نفث سمعه ونظر إليه جميعهم سماعا ونظرا متساويا قريبهم وبعيدهم. وكانوا يترامون فيها بالكرة، فإذا وقعت في كمّ (أحد منهم) فلا بدّ له من ولاية مصر، كان هذا عندهم معروفا لا يشكّون فيه. وإنّ عمرو بن العاص سافر إلى الإسكندرية قبل الإسلام تاجرا بالقطن والأدم، فحضر ذلك الملعب فلعبوا بالكرة فدخلت كمّه ثلاث مرّات فقالوا: كذّبتنا هذه الكرة هذه المرّة. فأتى الله ﷿ بالإسلام وفتحت مصر ووليها عمرو ثلاث مرّات.

وقال عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم: لمّا غزا عمرو بن العاص الإسكندرية من مصر فلم يقدر عليها، وذلك بعد تسعة أشهر من موت هرقل، غمّة ذلك فاستلقى على ظهره مطرقا، ثمّ جلس فقال: إنّي فكّرت في هذا الأمر، فإذا هو لا يصلح آخره إلّا ما أصلح أوّله، يريد الأنصار. فدعا عبادة بن الصامت فعقد له على حربها، ففتحها الله على يديه وفتحت يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن (بصلح ولا بأمن). ولم يكن بالإسكندرية خطط، إنّما كانت أخايذ، من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه. ونزل عمرو بن العاص القصر الّذي صار لعبد الله بن أبي سرح، ويقال إنّ عمرا وهبه له لمّا وليها.

قال يزيد بن أبي حبيب: وكان المسلمون ينزلونها في رباطهم، فإذا قفلوا ابتدر الواردون منازلها. فمن ركز رمحه في دار كانت له، فتنزل الدار القبيلتان والثلاث. فكان يزيد بن أبي حبيب يقول: لا يحلّ من كرائها شيء ولا يبيعها ولا يورّث منها شيء، إنّما كانت للمسلمين يسكنونها في رباطهم.

فقال عوف بن ملك لأهل الإسكندرية: ما أحسن مدينتكم يا أهل الإسكندرية. فقالوا إنّ الإسكندر قال حين بناها: إنّي أبني مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية، فبقيت بهجتها. وإنّ الفرما- وهو أخو الإسكندر- بنى الفرما وقال: إنّي أبني مدينة (عن الله غنية) وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها ولا يزال ينهدم منها كلّ يوم شيء ولا ينجبر، وبقيت الإسكندرية بجدّتها. وروى بعض المصريّين أنّ عمر بن عبد العزيز رضه لمّا دخل الإسكندرية- وهو إذ ذاك أمير مصر- قال لعاملها لمّا رأى آثارها وعجائبها: أخبرني كم كان عدد أهل الإسكندرية في أيّام الروم. فقال:

والله يا أمير ما أدرك علم هذا أحد، ولكن أخبرك كم كان بها من الملوك، فإنّ ملك الروم أمر بإحصائهم فوجدهم ستّمائة ألف. قال: فما هذا الخراب الذي أرى بأطرافها؟ قال: بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر أنّه أمر بفرض دينار على كلّ محتلم بمصر لعمران الإسكندرية.

فأتاه كبراء أهلها فقالوا: أيّها الملك لا تتعب في هذا، فإنّ ذا القرنين أقام على بنائها مرّة وانتهت عمارتها وتمّت بعد ثلاثمائة سنة وأنّه أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون إلّا بخرق سود في أيديهم خوفا على أبصارهم من شدّة بياضها.

وذكر الليث بن سعد عن زهرة بن معبد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز:

أين تسكن من مصر؟ قلت: أسكن الفسطاط. قال: أف فأين أنت عن الطيّبة؟ قال: قلت: فأيتهنّ الطيّبة؟ قال: الإسكندرية، فعزمت عليك لتسكنها أبا عقيل. ثمّ قال: ما على الأرض بلدة أحبّ إليّ أن يكون قبري فيها من الإسكندرية. قال الليث: ثمّ عدنا أبا عقيل وهو شديد الوجع ونحن خائفون عليه، فعدناه غداة يوم فقال: رأيت الليلة عمر بن عبد العزيز (في النوم) فقال: أين تسكن أبا عقيل؟ قلت:

الإسكندرية (كما عزمت عليّ). قال: أبشر في ذلك بما يسرّك في دنياك وأخراك مرّتين. فقلت: الحمد لله.

وقال أحمد بن صالح: قال سفيان بن عيينة: الإسكندرية كنانة الله يجعل فيها خير سهامه. وقال عبد الله بن مودق الصدفي: لمّا نعي إليّ ابن عمّي خالد بن يزيد، وكان توفّي بالإسكندرية، لقيني عبد الله بن لهيعة والليث بن سعد مفترقين كلاهما قال لي: أليس قد مات بالإسكندرية؟

فأقول بلى. فيقول: هو حيّ عند الله يرزق ويجزى عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا وله أجر شهيد حتّى يحشر على ذلك.

وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ إرم ذات العماد هي الإسكندرية.

وقال الناظرون فى الأعمار والأهوية والبلدان وترب الأقاليم والأمصار: لم تطل أعمار الناس في بلد من البلدان طولها بمريوط، قرية من قرى الإسكندرية ووادي فرغانة، ومريوط بقرب مدينة الإسكندرية قرية كبيرة لها بساتين كثيرة ومنها تجلب الفواكه إلى الإسكندرية، ولوزها رقيق القشر يحتّ باليد.

وقد (ظهر فيمن) بقي بالإسكندرية بعد فتحها من الروم منوئيل الخصّي وعادوا حربا على المسلمين. قال الليث بن سعد: قال يزيد بن أبي حبيب:

جاءت الروم وعليهم منوئيل الخصّي في المراكب حتّى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، وقد كان عثمان عزل عمرو بن العاص وولّي (عبد الله بن سعد) بن أبي سرح، فسأل أهل مصر عثمان أن يقرّ عمرا حتّى يفرغ من قتال الروم ففعل. وكان على الإسكندرية سور لا يعدل به في الحصانة والإتقان والمنع. فنذر عمرو لئن أظهره الله عليهم ليهدمنَّ سورها حتّى تكون مثل بيت الزانية يؤتى من كلّ مكان.

فجيّش إليهم عمرو في البرّ والبحر. قال الليث: وكان معه المقوقس فيمن أطاعه من القبط، فأمّا الروم فلم يعطه منهم أحد. فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر عددهم ولا أمن أن تنتقض (مصر كلّها). فقال عمرو: لا ولكن أَدَعهم حتّى (يسيروا إليّ) فيصيبوا من مرّوا به من الروم فيخزي الله ببعضهم بعضا. فخرجوا من الإسكندرية فجعلوا ينتهون ما مرّوا به، فلم يعرض لهم عمرو حتّى بلغوا نقيوس، فلقوهم في البرّ والبحر، فرمت الروم بالنشّاب رميا شديدا حتّى أصابت يومئذ لبّة فرس عمرو فعقر واستأخر المسلمون عنهم فحملوا حملة ولّى المسلمون منها، وانهزم يومئذ شريك بن شحيم في خيله. ثمّ نصّر الله ﷿ المسلمين وهزم الروم وقتلوهم قتلا ذريعا إلى أن أمر عمرو بن العاص برفع السيف في الموضع الّذي يسمّى بمسجد الرحمة، وإنّما سمّي بهذا الاسم لرفع عمرو السيف هناك. وهدم سورها كلّه وذلك سنة خمس وعشرين.

وأقام عمرو بعد فتحها شهرا ثمّ عزل. وقد كان عثمان رضه أراد أن يكون عمرو على الحرب وعبد الله (بن أبي سرح) على الخراج، فأبى عمرو وقال: أكون كماسك البقرة بقرنيها وغيره يحلبها.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.