من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر المشهور من المدن والقرى في الطريق من مصر إلى برقة والمغرب كلّه
ترنوط وهي قرية جامعة على النيل، بها أسواق ومسجد جامع وكنيسة وخراب كثير، خربتها كتامة إذ كانوا هناك مع أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي، وأكثر بنيانها بالآجر وبها معاصر سكّر. فمن ترنوط إلى المنى، وهي ثلاث مدن قائمة البنيان خالية، فيها قصور شريفة في صحراء رمل ربّما قطع فيها الأعراب على الرفاق، وتلك القصور (محكمة البناء منجّدة الجدر وأكثرها على آزاج معقودة) يسكن بعضها رهبان، وبها آبار عذبة قليلة الماء.
ومنها إلى أبي مينى، وهي كنيسة عظيمة فيها عجائب من الصور والنقوش توقد قناديلها ليلا ونهارا لا تطفى، وفيها قبو عظيم (في أحد مبانيها) فيها صورة جملين من رخام عليهما صورة إنسان قائم رجلاه على الجملين، إحدى يديه مبسوطة والأخرى مقبوضة، يقال إنّها صورة أبي مينى، كلّ ذلك من رخام. وفي هذه الكنيسة صور الأنبياء ﵈ كلّهم، صورة زكريا ويحيى وعيسى في عمود رخام عظيم على ذات يمين الداخل يغلق عليها باب، وصورة مريم قد أسدل عليها ستران، وصور سائر الأنبياء.
ومن خارج الكنيسة صور جميع الحيوان وأهل الصناعات، من جملتها
صورة تاجر الرقيق ورقيقة معه وبيده خريطة مفتوحة الأسفل، يعني أنّ التاجر بالرقيق لا ربح له. وفي وسط الكنيسة قبّة فيها ثماني صور يزعمون أنّها صور ملائكة، وفي جهة من الكنيسة مسجد محرابه إلى القبلة (لا يصلّي فيه إلّا المسلمون) حولها ثمار كثيرة (وعامّتها اللوز الأملس والخروب المعسّل الرطب ويعقّد منه الأشربة، وكروم كثيرة) تحمل أعنابها وشرابها إلى مصر.
ويقولون إنّ سبب بنيان هذه الكنيسة أنّ قبرا كان في موضعها وكان بالقرب منه قرية وأنّ رجلا من أهلها كان مقعدا، فزال عنه حماره فزحف في طلبه ليصرفه حتّى وصل إلى القبر، فلمّا صار عليه (يتبصّر القبر) انطلق ماشيا، فمشى إلى حماره واستوى عليه راكبا (وانصرف إلى موضعه صحيحا. فتسامع الناس ذلك فلم يبق عليل إلّا قصد ذلك القبر فجلس عليه) فأفاق، فبنيت عليه هذه الكنيسة، وقصدها أولو الأسقام ليستشفوا بها، فبطل ذلك بعد بنائها. ويؤدّى من القسطنطينية إلى هذه الكنيسة (في كلّ عام ألف دينار).
وذات الحمام، وهي سوق (جامعة بها) جامع بناه زيادة الله بن الأغلب منصرفا من المشرق إلى إفريقية، بإزائه بئر طيّبة حولها جباب وبساتين وبها قصر خرب يتداول سكناه روابط صاحب مصر. وسمّيت ذات الحمام لأنّ كلّ من شرب من مائها حمّ إلّا من عافاه الله، ولذلك يقول الحداة: ربّ سلّمنا من الحجاز وغلاها ومن مصر ووباها ومن ذات الحمام وحماها.
وأمّا الحنية فهي شطر حنية قائمة في وسط فحص بينها وبين البحر شرف يقال إنّها كانت باب الإسكندرية، وينزل حولها لواتة ومزاتة خصائص، وبين الحنية وذات الحمام مائدة رخام أسود يقال إنّها كانت مائدة فرعون تحتها جبّ يعرف بالتيس.
والكنائس، وهي ثلاثة قصور مهدّمة بالقرب منها عقبة تعرف بآبار قيس، وهما بئران عذبتا الماء بعيدتا الأرشية. ومن جب العوسج إلى قباب معان بينهما ثلاثون ميلا، وهي جباب حولها هذه القباب وهي المعروفة بخرائب القوم. قال محمّد: خرائب القوم مدينة خرّبها الروم، فيها جباب، وبغربي خرائب القوم قصر أبي معد نزار بن خالد بن يحيى بن بابان، (فنزله من قريش من قرابه جبير بن مطعم نحو عشرين بيتا وأحياء) كثيرة
من بني مدلج، ومن قبائل البربر نحو ألف بيت من فاضلة وبني عقيدان. ويذكر أنّ كثيرا ما تتبدّل صورة المولود عندهم فتصير في خلق الغول والسعلاة وتعدو على الناس حتّى تغلّ وتقيّد. قال محمّد بن يوسف: أخبرني محمّد بن قاسم صاحب استجة أنّه صحّ عنده ذلك أو شاهده.
(ومنها إلى) مدينة الرمادة، وهي مدينة لطيفة بقرب البحر، لها سور ومسجد جامع وحولها بساتين بأنواع الثمار، وبالقرب منها قصر الشماس وفيه عمارة يسيرة. ومن خرائب القوم إلى مدينة الرمادة خمسة وثلاثون ميلا، ومنها إلى خرائب أبي حليمة، وهو قصر معمور به سوق وآبار خمس وجباب على البعد، فإذا أتيت قصر الروم، وهي أقباء طوب يشرف عليها جبل في سفحه جباب ماء (أكبرها تعرف بالمطفّلة، فإذا جئت وادي مخيل، وهو حصن فيه جامع وله سوق عامرة حواليه جباب ماء) وبرك، وليس ينبط فيه ماء، وهو راخي السعر كثير الخير بينه وبين أجدابية خمس مراحل.
برقة، واسمها بالرومية الإغريقية بنطابلس تفسيره خمس مدن. وصار إليها عمرو بن العاص حتّى صالح أهلها على ثلاثة عشر ألفا يؤدّونها إليه جزية على أن يبيعوا من أحبّوا من أبنائهم في جزيتهم. قال الليث بن سعد: كتب
عمرو بن العاص على لواتة في شرطه عليهم أن تبيعوا أبناءكم فيما عليكم من الجزية، وسمع عمرو يقول على المنبر لأهل أنطابلس عهد يوفي لهم به. ووجّه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتّى بلغ زويلة وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين.
ومدينة برقة في صحراء حمراء التربة والمباني فتحمرّ لذلك ثياب ساكنيها والمتصرّفين فيها. وعلى ستّة أميال منها الجبل، وهي دائمة الرخاء كثيرة الخير تصلح بها السّائمة وتنمى على مراعيها، وأكثر ذبائح أهل مصر منها، ويحمل منها إلى مصر الصوف والعسل والقطران، وهو يعمل بها بقرية من قراها يقال لها مقّة فوق جبل وعر لا يرقى إليها فارس على حال، وهي كثيرة الثمار من الجوز والأترج والسفرجل وأصناف الفواكه، وتتّصل بها شعراء عريضة من شجر العرعر. وبمدينة برقة قبر رويفع صاحب رسول الله ﷺ، وحول مدينة برقة قبائل من لواتة ومن الأفارق. وفي الطريق من برقة إلى إفريقية وادي مسوس فيه قباب خربة وجباب يقال إنّ عددها ثلاثمائة وستّون، وبها بساتين، وفي هذا الوادي التربة الّتي (يغلى منها العسل).
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع