تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر مسجد القيروان

قد تقدّم أنّ أوّل من وضع محرابه وبناه عقبة بن نافع، ثمّ هدمه حسّان حاشى المحراب وبناه وحمل إليه الساريتين الحمراوين الموشّاتين بصفرة اللّتين لم ير الرّاءون مثلهما من كنيسة كانت للأوّل في الموضع المعروف اليوم بالقيسارية بسوق الضرب، ويقولون إنّ صاحب القسطنطينية بذل لهم فيهما قبل نقلهما إلى الجامع زنتهما ذهبا، فابتدروا الجامع بهما. ويذكر كلّ من رآهما أنّه لم ير في البلاد ما يقترن بهما.

فلمّا كانت خلافة هشام بن عبد الملك كتب إليه عامله على القيروان يعلمه أنّ الجامع يضيق بأهله وأنّ بجوفيه جنّة كبيرة لقوم من فهر، فكتب إليه هشام يأمره بشرائها وأن يدخلها في المسجد الجامع، ففعل وبنى في صحنه ماجلا وهو المعروف بالماجل القديم بالغرب من البلاطات، وبنى الصومعة في بئر الجنان ونصب أساسها على الماء، واتّفق أن وقعت في نصف الحائط الجوفي. وأهل الورع يكرهون الصلاة في هذه الزيادة ويقولون إنّه

أكره أهل الجنّة على بيعها. والصومعة اليوم على بنائه طولها ستّون ذراعا وعرضها خمس وعشرون، ولها بابان شرقي وغربي وعضائد بابيها رخام منقّش وكذلك عتبتهما.

فلمّا ولي إفريقية يزيد بن حاتم سنة خمس وخمسين ومائة هدم الجامع كلّه حاشى المحراب وبناه واشترى العمود الأخضر بمال عريض جزل ووضعه فيه، وهو الّذي كان يصلّي عليه القاضي أبو العبّاس عبدون. فلمّا ولي زيادة الله بن إبراهيم (بن الأغلب) هدم الجامع كلّه وأراد هدم المحراب فقيل له:

إنّ من تقدّمك من الولاة توقّفوا عن ذلك لما كان واضعه عقبة بن نافع ومن كان معه. فلجّ في هدمه لئلّا يكون في الجامع أثر لغيره حتّى قال له بعض البناة: أنا أدخله بين حائطين ولا يظهر في الجامع أثر لغيرك. فاستصوب ذلك وفعله فهو على بنائه إلى اليوم. والمحراب كلّه وما يليه مبنيّ بالرخام الأبيض من أعلاه إلى أسفله، وهو مخرّم منقوش كلّه منه كتابة تقرأ، ومنه تدبيج مختلف الصناعة يستدير به أعمدة رخام في غاية الحسن، والعمودان الأحمران المذكوران يقابلان المحراب عليهما القبّة المتّصلة بالمحراب. وعدد ما في الجامع من الأعمدة أربعمائة وأربعة عشر عمودا، وبلاطاته سبعة عشر بلاطا، وطوله مائتان وعشرون ذراعا وعرضه مائة وخمسون ذراعا.

وكانت فيه مقصورة فلم يزل بناء زيادة الله فيه، والمقصورة اليوم إنّما هي دار بقبلي الجامع بابها في رحبة الثمر، لها باب عند المنبر، يدخل منه الإمام بعد أن ينزل في هذه الدار حتّى تقرب الصلاة. وبلغت النفقة في بنيانه ستّة وثمانين ألف مثقال.

ولمّا ولي إبراهيم بن أحمد بن الأغلب زاد في طول بلاطات الجامع وبنى القبّة المعروفة بباب البهو على آخر بلاط المحراب، وفي دورها اثنتان وثلاثون سارية من بديع الرخام، وفيها نقوش غريبة وصناعات محكمة عجيبة يشهد كلّ من رآها أنّه لم ير مبنى أحسن منه. وقد فرش من الصحن بين أيدي البلاطات نحو خمس عشرة ذراعا. وللجامع عشرة أبواب، ومقصورة للنساء في شرقيّها بينها وبين الجامع حائط آخر مخرّم محكم العمل.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.