من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة تونس
ومن القيروان إلى مدينة تونس مائة ميل، وهي ثلاث مراحل: فإلى فندق شكل مرحلة وإلى منستير عثمان مرحلة وإلى القيروان مرحلة. وطريق آخر:
إلى منزل باشو إلى الدواميس إلى القيروان.
ودور مدينة تونس أربع وعشرون ألف ذراع. وفي سنة أربع عشرة ومائة بنى عبيد الله بن الحبحاب الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس. وأهلها موصوفون بدناءة النفوس. واسم مدينة تونس في الأوّل ترشيش، ويقال لبحرها بحر رادس وكذلك يسمّى مرساها مرسى رادس. وافتتحها حسّان بن النعمان (بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو مزيقياء بن عامر الأزدي. وروى جماعة عن أبي المهاجر قال: سار حسّان بن النعمان) إلى أرطة فقاتل الروم بفحص تونس، فسأله الروم ألّا يدخل عليهم وأن يضع الخراج عليهم ويقوموا له بما يحمله وأصحابه، فأجابهم إلى ذلك. وكانت لهم سفن معدّة من ناحية الباب الّذي يقال له باب النساء، فاحتملوا فيها أهلهم وأموالهم وهربوا ليلا وأسلموا المدينة. فدخلها حسّان فحرق وخرب فبنى فيها مسجدا وبقي هناك طائفة من المسلمين. وكذلك كان من مكر صاحب قرطاجنّة أيضا بحسّان بن النعمان، إنّ الروم لمّا فرّوا عنها وبقي فيها مرناق صاحبها ليس معه إلّا أهله بعث إلى حسّان: هل لك أن تعاهدني وولدي وتقطع لي قطائع أشترطها عليك وأفتح لك بابا فتدخل المدينة على من
فيها؟ فأجابه إلى مسألته فاشترط عليه المنازل الّتي بين الجبلين الّتي يقال لها فحص مرناق، وهي إذ ذاك ثلاثمائة وستّون قرية، ثمّ فتح لهم الباب، فلم يجد فيها أحدا غيره وغير ولده وأهله، فتمّم له حسّان ما اشترطه وانصرف إلى القيروان.
قال: وأغارت الروم من البحر على من كان بقي من المسلمين في مدينة تونس وخرجت إليهم في المراكب فقتلوا من بها وسبوا وغنموا، ولم يكن للمسلمين شيء يحصنهم من عدوّهم، إنّما كانوا معسكرين هناك. وبلغ حسّان ذلك فرحل إلى تونس وأرسل أربعين رجلا من أشراف العرب إلى عبد الملك بن مروان وكتب إليه بما نال المسلمين من البلاء وأقام هناك مرابطا ينتظر رأي عبد الملك. فلمّا بلغ ذلك عبد الملك عظم عليه، وكان إذ ذاك التابعون متوافرين فيهم اثنان من أصحاب رسول الله ﷺ: أنس بن مالك وزيد بن ثابت، فقالا للمسلمين: من رابط برادس يوما فله الجنّة حتما.
وقالا لعبد الملك: امدد هذه البلاد وانصر أهلها ليأمنوا من العدوّ ويكون لك ثوابها وأجرها، فإنّها من البلدان المقدّسة المرحوم أهلها وهي حرس لمقدونية، يريدون القيروان.
وروي أنّ ببحر رادس خرق الخضر ﵇ السفينة وأنّ الملك الّذي كان يأخذ كلّ سفينة غصبا الجلندي ملك قرطاجنة، فخرق الخضر السفينة ببحر
رادس وقتل الغلام بطنبدة، وهي اليوم تسمّى المحمّدية، وهناك فارق موسى الخضر ﵉. وطنبدة على أميال يسيرة من تونس.
فكتب عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز وهو والي مصر أن يوجّه إلى معسكر تونس ألف قبطي بأهله وولده وأن يحملهم من مصر ويحسن عونهم حتّى يصلوا إلى ترشيش وهي تونس. وكتب إلى ابن النعمان أن يبني لهم دار صناعة تكون قوّة وعدّة للمسلمين إلى آخر الدهر، وأن يجعل على البربر جرّ الخشب لإنشاء المراكب ليكون ذلك جاريا عليهم إلى آخر الدهر، وأن يصنع بها المراكب (ويجاهد الروم في البرّ والبحر، وأن يغار منها على سواحل الروم فيشتغلوا عن القيروان نظرا للمسلمين وتحصينا لشأنهم. فوصل القبط إلى حسّان وهو مقيم بتونس، فأجرى البحر من مرسى رادس إلى دار الصناعة وجرّ البربر الخشب وجعل فيها المراكب) الكثيرة وأمر القبط بعمارتها.
وبشرقي مدينة تونس بحيرة كبيرة دورها أربعة وعشرون ميلا في وسطها جزيرة تسمّى شكلة مقدار ميلين تنبت الكلخ، وبها آثار قصر خرب، فصارت دار صناعة تونس متّصلة (بالمينى والمينى متّصل) بالبحيرة (والبحيرة متّصلة بالبحر). وعلى شاطى المينى مسجد يعرف بمسجد عبد الله، وبقبلي المينى قصر مبنيّ بالحجارة متقن البناء، وفي الجوف منه حائط صخر
كالسور، فصار المدخل بالسفن في هذا المينى بين حائط القصر (وهذا السور، وتعرض بينهما سلسلة حديد تمنع المراكب من الدخول والخروج ما دامت متعرّضة، وهذا القصر) يعرف بقصر السلسلة. وبقبلي القصر صهريجان كبيران كان ملوك بني الأغلب يرسلون فيهما ماء البحر ويملأونهما بالسمك.
وقد تقدّم أنّ عبيد الله بن الحبحاب بنى دار الصناعة، فلعلّ من روى ذلك يريد أنّ عبيد الله جدّدها وزادها تحصينا. فلم تزل تونس معمورة من يومئذ يغزو منها المسلمون بلاد الروم ويكثرون فيهم النكاية ولهم الإذاية.
ومدينة تونس في سفح جبل يعرف بجبل أمّ عمرو، ويدور بمدينتها خندق حصين، ولها خمسة أبواب: باب الجزيرة قبلي ينسب إلى جزيرة شريك ويخرج منه إلى القيروان، ويقابله الجبل المعروف بجبل التوبة وهو جبل عال لا ينبت شيئا في أعلاه قصر مبنيّ مشرف على البحر، وبشرقي هذا القصر (غار منحني الباب يسمّى المعشوق، وبالغربي منه عين ماء، وبغربي هذا) الجبل جبل يعرف بجبل الصيادة فيه قرى كثيرة الزيتون والثمار والمزارع، وفي هذا الجبل سبعة مواجل للماء أقباء على غرار واحد، وبغربي هذا الجبل أيضا أشراف ومزارع متّصلة بموضع يعرف بالملعب فيه قصر لبني الأغلب قد غرس بجميع الثمار وأصناف الرياحين. وبشرقي مدينة تونس المينى والبحيرة الّتي
ذكرناها وسبخة، وبشرقيها أيضا باب قرطاجنة دونه داخل الخندق بساتين كثيرة وآيار بسوان تعرف سواني المرج. وباب السقائين جوفي نسب إلى السقائين لأنّ بئرا تعرف ببئر أبي القفار تقابله، وهي بئر كبيرة عزيزة عذبة المائة نميرة، وهناك قصور لبني الأغلب وبساتين فيها أصناف الثمار والرياحين، ويتّصل بها جبل أجرد يقال له جبل خفاجة في أعلاه آثار بنيان. وباب أرطة غربي وتجاوره مقبرة تعرف بمقبرة سوق الأحد، ودون الباب من داخل الخندق غدير كبير يعرف الفحّامين، وربض المرضى خارج عن المدينة،.
وبقبلي ربض المرضى ملاحة كبيرة منها ملحهم وملح من يجاورهم.
وجامع مدينة تونس رفيع البناء مطلّ على البحر ينظر الجالس فيه إلى جميع جواريه، ويرقى إلى الجامع من جهة الشرق على اثني عشرة درجة، وبها أسواق كثيرة ومتاجر عجيبة. وبمدينة تونس خمسة عشر حمّاما وفنادق كثيرة رفيعة. وعضادات أبواب دور مدينة تونس كلّها رخام بديع لوحان قائمان وثالث معترض عليهما مكان العتبة. ومن أمثالهم: دور تونس أبوابها رخام وداخلها سخام.
ومدينة تونس دار علم وفقه ولي منها قضاء إفريقية جماعة كثيرة، ومع هذا الفضل الّذي فيها هي مخصوصة بالقيام على الأمراء والخلاف للولاة، خالفت
نحو عشرين مرّة، وامتحن أهلها أيّام أبي يزيد بالقتل والسبي وذهاب الأموال. وقال الجربي صاحب الحدثان:
فويل لترشيش وويل لأهلهامن الحبشي الأسود المتغاصب
وقال بعض الشعراء:
لعمرك ما ألفيت تونس كاسمهاولكنّني ألفيتها وهي توحش
وتصنع بتونس آنية للماء من الخزف تعرف بالريحية شديدة البياض في نهاية الرقّة تكاد تشفّ ليس يعلم لها نظير في جميع الأقطار وعامّة الأمصار. ومدينة تونس من أشرف مدائن إفريقية وأطيبها ثمرا وأنفسها فاكهة، فمن ذلك اللوز الفريك يفرك بعضه بعضا من رقّة قشره ويحتّ باليد وأكثره حبّتان في كلّ لوزة مع طيب المضغة وعظم الحبّة. والرمّان الضعيف لا عجم لحبّه البتّة مع صدق الحلاوة وكثرة المائية، والأترج الجليل الطيّب الطعم الذكي الرائحة البديع المنظر، والتين الخارمي أسود كبير رقيق القشر كثير العسل لا يكاد يوجد له بزر، والسفرجل المتناهي كبرا وطيبا وعطرا، والعناب الرفيع في قدر الجوز، والبصل القلوري في خلق الأترج مستطيل سابري القشر صادق الحلاوة كثير الماء.
وبها من أجناس الحوت الّذي لا يكون مثله في غيرها ما لا يحصى كثرة، أجناس تجري في البحر مع شهور العجم في كلّ شهر من تلك الشهور يجري فيه جنس منه لا يوجد في البحر إلى دخول ذلك الشهر من العام
المقبل، فهم من تجدّدها في لذّة موصولة ونعمة غير مملولة وكلّ جنس منها يصيّر ويبقى السنين صحيح الجرم طيّب الطعم، منها جنس يعرف بالعبانق وجنس يعرف بالأكتوبري وجنس يعرف بالأشبارش وجنس يعرف بالملكوس وجنس يعرف بالبقونس، ومن أمثالهم: لولا البقونس لم يخالف أهل تونس.
وفي الطريق بينها وبين القيروان منزل يقال له مجقّة، إذا كان أوان طيب الزيتون بالساحل قصدته الزرازر فباتت فيه، وقد حمل كلّ طائر منها زيتونتين في مخلبيه فيلقي الزيتون هناك وله غلّة عظيمة تبلغ سبعين ألف درهم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع