تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر مدينة قرطاجنة

ومن مدينة تونس إلى قرطاجنة اثنا عشر ميلا. ويقال إنّ الّذي بنى قرطاجنة ديدون الملك زمن داود ﵇. ويقال إنّ بين بناء قرطاجنة وبناء مدينة رومية اثنتان وسبعون سنة. ولو دخلها الداخل أيّام عمره وتدبّر فيها لرأى كلّ يوم مستأنف أعجوبة لم يرها في السالف. وهي على شاطىء البحر يصيب سورها أمواجه، وكان تكسير سورها أربعة عشر ألف ذراع.

وقال أبو جعفر أحمد بن إبراهيم المتطبّب القيرواني في مغازي إفريقية: إنّ موسى بن نصير لمّا دخل الأندلس فأتى على ما أراد منها قال لهم: دلّوني على أسنّ شيخ فيكم. فأتي بشيخ قد وقعت حاجباه عن عينيه من الكبر، فقال له موسى: من أين أنت يا شيخ؟ قال: من قرطاجنة إفريقية. فقال له موسى: فما الّذي أصارك هنا وكيف كان خبر قرطاجنة؟ (قال له: أتعرف من بنى قرطاجنة؟). قال له الشيخ: بناها قوم من بقية العادين الّذين هلك قومهم بالريح فبقيت بعدهم خرابا ألف سنة حتّى بناها (أردمين بن لاودين) بن نمرود الجبّار، وجلب إليها الماء العذب من دلالا فحفر له في الجبال وبنى القناطر في بطون الأودية حتّى استوى جري الماء فيها بعد عمل أربعين سنة. قال: فلمّا حفر أساس تلك القناطر (في طول الأودية) أصيب فيه حجر عليه كتابة، فإذا فيه: إنّ هذه المدينة ليست تخرب إلّا إذا ظهر فيها الملح. قال الشيخ: فبينا نحن ذات يوم في مجرى قرطاجنة جلوس إذا بملح على حجر، فعند ذلك رحلت إلى هاهنا.

وكان سبب خراب قرطاجنة أنّ أنيبل ملك إفريقية- وكانت قرطاجنة دار ملكه- مضى إلى بلد إيطالية الّذي فيه مدينة رومة ولاقى قوّاد رومة، وكان أهل رومة يومئذ لا ملك لهم، إنّما كان تدبير مملكتهم إلى سبعين رجلا من كبائرهم يخرجون من أنفسهم كلّ عام اثني عشر قائدا يقرعون بينهم على نواحيها، فيخرج كلّ واحد إلى الناحية الّتي وقعت عليها قرعته.

فهزمهم أنيبل وقتلهم في عدّة مواطن حتّى بعث إلى إفريقية بثلاثة أمداء من خواتم الذهب الّتي كانت في أيدي أشراف من قتل منهم وملوكهم، فكتب إليهم: هذا عدد من قتلته من الأشراف والقوّاد فضلا عن غيرهم. فأقام في بلاد إيطالية محاربا لمدينة رومة ومضيقا على نواحيها نحوا من ستّ عشرة سنة. فركب قائد من قوّادهم يقال له شبيون المراكب خفية حتّى أتى صقلّية، فحشر من اجتمع له بها، ثمّ مضى إلى بلد إفريقية وترك أنيبل محاصرا لبلد رومة، فنصر على الإفريقيّين وعمّ بلد إفريقية قتلا وسبيا واحتراقا، وبقي محاصرا لقرطاجنة فبعث أهلها إلى أميرهم أنيبل يعلمونه بما دهمهم من أهل رومة ويسألونه الإسراع لغياثهم. فعجب عند ذلك أنيبل وقال: إنّي كنت أرى أنّ التزامي محاصرة هذه المدينة يقطع اسم الرومانيّين من الدنيا، فأظنّ أنّ إله السماء لا يأذن بذلك. ثمّ ركب المراكب وأسرع الرجوع إلى إفريقية، فزحف إليه شبيون قائد الرومانيّين فهزمه في كلّ مشهد.

فجعل أنيبل يخاطبه ويقول: أين كنتم معشر الرومانيّين من هذه النجدة إذ كنّا نقاتلكم ونهزمكم في أفنيتكم؟ فقال له شبيون: إذ كنتم في بلدنا قد بعد عنكم بلدكم وحصونكم ونحن في حصوننا وبلدنا كنّا أشدّ منكم خورا وكنتم أشدّ منّا استثباتا، فلمّا صرنا في بلدكم انتقل الأمر وتبدّل الحكم. فغلب عند ذلك أهل رومة على أهل إفريقية وهدموا مدينة قرطاجنة.

وأعجب ما بقرطاجنة دار الملعب وهم يسمّونها الطياطر، قد بنيت أقواسا على سواري وعليها مثلها ما أحاط بالدار، وقد صوّر في حيطانها جميع الحيوان وصور أصحاب جميع الصناعات وجعلت فيه صور الرياح، وجعل صورة الصبا وجه مستبشر وصورة الدبور وجه عابس. ورخام قرطاجنة لو اجتمع أهل إفريقية على نقله واستخراج جميعه ما أمكنهم ذلك لكثرته.

وفيها قصر يعرف بالمعلّقة مفرط العظم والعلو، أقباء معقودة وطبقات كثيرة مطلّ على البحر، في غربيّه قصر يعرف بالطياطر وهو الّذي فيه دار الملعب المذكورة، (وهو كثير الأبواب والتراويج وهو أيضا طبقات على كلّ باب صورة حيوان رخام وصور جميع الصنّاع، وقصر يقال له قومش طبقات كثيرة أيضا في سواري رخام مفرطة الكبر والعظم) يتربع على رأس السارية منها اثنا عشر رجلا وبينهم سفرة طعام أو شراب، (وهي مشطّبة كالثلج بياضا والمهاة صفاء، بعض تلك السواري قائمة وبعضها ساقطة، وبها قبو عظيم لا يدرك الطرف آخره) فيه سبعة مواجل للماء كبار تعرف بمواجل الشياطين فيها ماء قديم لا يدرى متى دخلها. وبقرب قصر قومش سجن أقباء بعضها فوق بعض مظلم مهيب الدخول فيه جثث الموتى على حالهم إلى اليوم، فإذا مسّوا تلاشوا.

وداخل المدينة مينى كانت المراكب تدخلها بشرعها، وهي اليوم ملاحة عليها قصر ورباط يعرف ببرج أبي سليمان. وفي وسط المدينة صهريج كبير

(حوله في وقتنا هذا ألف وسبعمائة حنية قائمة سوى ما انهدم منها، وكان يجري إلى هذا المصنع الماء المجلوب من عين جقار إلى قرطاجنة) على مسيرة أيّام في قناة عظيمة تغيب مرّة تحت الأرض وتكون في موضع آخر في قناطر فوق قناطر حتّى تساوي السحاب. ومن عين جقّار كان عبيد الله الشيعي يشرب الماء يرد عليه كلّ يوم منه أحمال معروفة.

وبقرطاجنة قصران من رخام يعرفان بالأختين ليس فيهما حجر سواه محكم البناء رخامه كلّه مدخل بعضه في بعض، وبهذين القصرين ماء مجلوب يأتي من قبل الجوف لا يعرف من أين منبعثه يصبّ في البحر وعليه نواعير لقرى قرطاجنة. وبها سواري قائمة طول الظاهر فوق الأرض منها أربعون ذراعا، قد عقد عليه قبو من حجر النشفة، وهو الحجر الخفيف الّذي يطفو فوق الماء. وبها قبّة لا يلحقها الرامي بأشدّ نزع السهام علوّا وسمّوا، حولها سطح مفروش بالفسيفساء خمسون ذراعا في مثلها. وخرائب قرطاجنة اليوم قرى رفيعة مفيدة عامرة، وأصناف ثمارها متناهية في الطيب لا يكاد يرى ما يفضلها.

وروى الثقات عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم قال: كنت وأنا غلام مع عمّي (بقرطاجنة نمشي في آثارها ونعبر بعجائبها، فإذا بقبر مكتوب عليه بالحميرية: أنا عبد الله) بن الأواس رسول رسول الله صالح. وفي

رواية أخرى: أنا معتب بعثت إلى (أهل هذه) القرية أدعوهم إلى الله، أتيتهم ضحى فقتلوني ظلما فحسيبهم الله. وقال إسحاق بن عبد الملك الملشوني: لم يدخل إفريقية نبيّ قطّ، وأوّل من دخلها بالإيمان حواري عيسى بن مريم ﵇.

وفيما بين مدينة سوسة ومدينة تونس جزيرة شريك، (تنسب إلى شريك العبسي كان عاملا عليها، وأمّ إقليم جزيرة شريك) منزل باشو، وهي مدينة كبيرة آهلة بها جامع وحمّامات وثلاث رحاب وأسواق عامرة وبها قصر أحمد بن عيسى القائم على ابن الأغلب. وبجزيرة شريك اجتمعت الروم بعد دخول عبد الله بن سعد بن أبي سرح المغرب وتبادروا منها إلى مدينة إقليبية وما حولها، ثمّ ركبوا منها إلى جزيرة قوصرة وهي بين صقلّية وإفريقية وكانت إذ ذاك عامرة. فيقال إنّهم أقاموا بها إلى خلافة عبد الملك بن مروان، فأغزى عبد الملك بن مروان (عبد الملك) بن قطن في البحر، ففتح ما كان هنالك من الجزائر والقصور وخربها وقفل ظافرا.

ومن تونس إلى منزل باشو هذا مرحلة بينهما قرى (كبيرة آهلة) كثيرة وحامة جليلة مجرّبة النفع. ثمّ من باشو إلى قرية الدواميس مرحلة، وهي قرية كبيرة آهلة كثيرة الزيتون والشجر بينهما قصر الزيت ووادي الدمنة وفندق

ريحان ووادي الرمّان. ومن قرية الدواميس إلى القيروان مرحلة بينهما قصور ومنازل وقرى.

وبحذاء جزيرة شريك في البرّ نحو الجنوب جبل زغوان، وهو جبل منيف مشرف يسمّى كلب الزقاق، لظهوره وعلوّه واستدلال المسافرين به أينما توجّهوا، فإنّه يرى على مسيرة الأيّام الكثيرة، ولعلوّه ترى السحاب دونه وكثيرا ما يمطر (سفحه ولا يمطر) أعلاه. وأهل إفريقية يقولون لمن يستثقلونه من الناس: هو أثقل من جبل زغوان وأثقل من جبل الرصاص، وهو على تونس. وقال الشاعر يخاطب حمامة أرسلها بكتاب من القيروان إلى تونس:

وفي زغوان فاستعلي علوّاوداني في تعاليك السحابا

وبزغوان قرى كثيرة آهلة كثيرة المياه والثمار والبساتين، منها فندق شكل المحلّة المعروفة وهي على مرحلة من تونس قرية كبيرة آهلة، ومنها قرية قلمجنة كان أبو القاسم بن عبيد الله شرع في بنيانها واتّخذها مدينة يسكنها الغريب السّابل من هوارة ونفوسة. وهذا الجبل مأوى للصالحين وخيار المسلمين.

وبغربي جبل زغوان مدينة لربس بينها وبين القيروان مسيرة ثلاثة أيّام، وهي مدينة مسوّرة لها ربض كبير، وبأرضها يكون أطيب الزعفران ويعرف ببلد العنبر، وبها صار إبراهيم بن أبي الأغلب حين خرج من القيروان.

وفي سنة ستّ وتسعين ومائتين زحف إليها أبو عبد الله الشيعي ونازلها وبها جمهور أجناد إفريقية مع إبراهيم، ففرّ عنها ابن أبي الأغلب في جماعة من القوّاد والجند إلى أطرابلس ودخلها الشيعي عنوة، ولجأ أهلها ومن بقي فيها من فل الجند إلى جامعها وركب بعض الناس بعضا، فقتلهم الشيعي أجمعين حتّى كانت تسيل الدماء من أبواب المسجد كسيلان الماء بوابل الغيث. وقيل إنّه قتل داخل المسجد ثلاثين ألفا، وذلك من وقت صلاة العصر إلى آخر الليل. وكانت ولاية بني الأغلب إفريقية مائة سنة وإحدى عشرة سنة.

ومن مدينة لربس إلى مدينة الأنصاريّين مسيرة يوم. نسبت إلى قوم نزلوها من الأنصار من ولد جابر بن عبد الله، وهي طيّبة الأرض كثيرة الريع وحنطتها أجلّ حنطة بإفريقية.

ومن مدينة القيروان إلى مدينة قفصة ثلاثة أيّام، وهي مدينة مبنيّة كلّها على

أساطين وطيقان رخام قد بني خلالها بالصخر الجليل بأحكم عمل.

ويذكر أنّ باني هذا السور شنتيان غلام نمرود، وقد زبر عليه اسمه وهو مقروء فيه إلى اليوم، وسورها كأنّما قد فرغ من عمله بالأمس.

وداخل مدينة قفصة عينان نضّاختان تنبعان بنهرين خرّارين يسقيان بساتينها ومزروعاتها، وفي داخل جامعها عين كبيرة مبنية بالصخر من بنيان الأوّل أربعون باعا في مثلها. وقفصة أكثر بلاد القيروان فستقا ومنها ينتشر بإفريقية ويحمل إلى مصر والأندلس وسجلماسة. وبها تمر مثل بيض الحمام وهي تمير القيروان بأنواع الفواكه والتمر. وحولها أكثر من مائتي قصر عامرة آهلة تطّرد فيها وحواليها المياه تعرف بقصور قفصة. وجباية قفصة خمسون ألف دينار. ومن قصور قفصة مدينة طراق وهي في منصف الطريق من قفصة إلى فجّ الحمار وأنت تريد القيروان. ومدينة طراق كبيرة آهلة بها جامع وسوق حافلة وإليها ينسب الكساء الطّراقي وهو من جهاز مصر، وهي كثيرة الفستق.

وتسير من القيروان إلى مدينة نفزاوة في ستّة أيّام نحو الغرب، ولمدينة نفزاوة عين تسمّى بالبربرية تاورغى وهي عين كبيرة لا يدرك لها قعر. ولمدينة نفزاوة سور صخر وطوب ولها ستّة أبواب وبها جامع وأسواق حافلة، (وهي على نهر كثير النخل والثمار، وحواليها عيون كثيرة وبقبليّها مدينة أوّلية تعرف بالمدينة عليها سور وبها جامع وحمّام وسوق) وحولها عيون وبساتين. وبين مدينة نفزاوة وقابس ثلاث مراحل، (وبينها وبين قفصة مرحلتان، وهي على ثلاث مراحل) من قيطون بياضة، ومن قيطون

بياضة إلى مدينة نفطة مرحلة، إلى مدينة توزر مرحلة، إلى مدينة نفزاوة مرحلة. ومن نفزاوة تسير إلى بلاد قسطيلية وبينهما أرض سوّاخة لا يهتدى الطريق فيها إلّا بخشب منصوبة، وأدلّاء تلك الطريق بنو موليت لأنّ هناك ظواعينهم، فإن ضلّ أحد يمينا أو شمالا غرق في أرض دبياس تشبه في الرطوبة بالصابون، وقد هلكت فيها العساكر والجماعات ممّن دخلها ولم يدر أمرها. (وتسمّى هذه الأرض بالسوّاخة)، وتصل هذه الأرض السواخة إلى مدينة (غواسين، وقيل إلى مدينة) غدامس.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.