من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر بلاد قسطيلية
فأمّا بلاد قسطيلية فإنّ من مدنها توزر والحمّة ونفطة، وتوزر هي أمّها وهي مدينة كبيرة عليها سور مبني بالحجر والطوب ولها جامع محكم البناء وأسواق كثيرة، وحولها أرباض واسعة آهلة، وهي مدينة حصينة لها أربعة أبواب (كثيرة النخل والبساتين والثمار إلّا أنّ قصب السكر واللوز) لا يصلحان بها. وحولها سواد عظيم من النخل، وهي أكثر بلاد إفريقية تمرا ويخرج منها في أكثر الأيّام ألف بعير موقورة تمرا وأزيد. شربها من ثلاثة أنهار تخرج من رمال كالدرمك رقّة وبياضا، يسمّى ذلك الموضع بلسانهم شرش. وإنّما تنقسم هذه الثلاثة الأنهار بعد اجتماع مياه تلك الرمال بموضع يسمّى وادي الجمال يكون قعر النهر هناك نحو مائتي ذراع، ثمّ ينقسم كلّ نهر من هذه الأنهار الثلاثة على ستّة جداول وتتشعّب من تلك الجداول سواق لا تحصى كثرة تجري في قنوات مبنيّة بالحجر على قسمة عدل لا
يزيد بعضها على بعض شيئا. كلّ ساقية سعة شبرين في ارتفاع فتر يلزم كلّ من يسقي منها أربعة أقداس مثقال في العام. (وقيل: يلزم كلّ من يسقي نهارا أربعة أسداس المثقال في العام) وبحساب ذلك في الأكثر والأقلّ، وهو أن يعمد الّذي يكون له دولة السقي إلى قدس في أسفله ثقبة بمقدار ما يسدّها وتر قوس الندّاف، فيملؤها بالماء ويعلقه ويسقي حائطه أو بستانه من تلك الجداول حتّى ينفد ماء القدس، ثمّ يملأوه ثانية. وهم قد علموا أنّ سقي اليوم الكامل هو مائة واثنان وتسعون قدسا.
ولا يعلم في بلد مثل أترجها جلالة وحلاوة، وبها الترنجبين والمخيطا والأملج.
وجباية قسطيلية مائتا ألف دينار. وأهلها يستطيبون لحم الكلاب ويسمّنونها في بساتينهم ويطعمونها التمر ويأكلونها. وأخبرني من ضاف منهم رجلا فأطعمه لحما استطابه واستحسنه، فسأله عنه فقال له: لحم جرو مسمّن.
ولا يعرف وراء قسطيلية عمران ولا حيوان إلّا الفنك، إنّما هي رمال وأرضون سواخة، وهم يخبرون أنّ قوما منهم أرادوا معرفة ما وراء بلادهم، فاستعدّوا الأزواد وذهبوا في تلك الرمال أيّاما فلم يروا أثر العمران وهلك أكثرهم في تلك الرمال.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع