من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الطريق من القيروان إلى طبرقة
من مدينة القيروان إلى منستير عثمان ستّ مراحل، وهي قرية كبيرة آهلة بها جامع وفنادق كثيرة وأسواق وحمّامات وبئر لا تنزف وقصر للأوّل مبنيّ بالصخر كبير. وأرباب المنستير قوم من قريش من ولد الربيع بن سليمان وهو اختطّها عند دخوله إفريقية، وبها عرب وبربر وأفارق. ومنها إلى مدينة باجة ثلاث مراحل في قرى غير متّصلة.
ومدينة باجة كبيرة كثيرة الأنهار، وهي على جبل يسمّى عين الشمس في هيئة الطيلسان تطرد حواليها المياه وفيها عيون الماء العذب، ومن تلك العيون عين تعرف بعين الشمس هي تحت سور المدينة، والباب هناك منسوب
إليها، ولها أبواب (غير هذا). وفي داخل الحصن عين أخرى عذبة غزيرة الماء، وحصنها أوّلي مبني بالصخر الجليل أتقن بناء، ويقال إنّه من عهد عيسى ﵇. ولها ربض كبير في شرقي الحصن، وسور الحصن ممّا يلي الربض مهدوم، وبها جامع متقن البناء قبلته سور المدينة، وفيها خمسة حمّامات ماؤها من العيون وفنادق كثيرة، وبها ثلاث رحاب لبيع الأطعمة وعيون خارجها (لا تحصى كثرة، وهي دائمة الدجن والغيم، كثيرة الأمطار والانداء قلّما يصحى هواؤها، وبها يضرب المثل في كثرة المطر). ولها نهر (من جهة الشرق) جار من الجوف إلى القبلة على ثلاثة أميال منها، وحولها بساتين عظيمة تطرد فيها المياه، وأرضها سوداء متشقّقة يجود بها جميع البزور، وبها حمص وفول قلّما يرى مثله، وتسمّى هري إفريقية لريع زرعها وكثرة رفائعها، وإنّها خصيبة ليّنة الأسعار أمحلت البلاد أو خصبت، وإذا كانت أسعار القيروان نازرة لم يكن للحنطة بها قيمة، ربّما اشتري وقر البعير من الحنطة بدرهمين ويردها كلّ يوم من الدوابّ والإبل العدد العظيم الآلاف والأكثر لانتقال الميرة، فلا يؤثّر ذلك في سعرها لكثرة طعامهم. ثمّ تسير منها مرحلة إلى باسلي، وهي قرارات للبربر ببلد ورداجة على عيون عذبة.
(ومن قرى باجة المغيرة شريفة) فيها آثار عظيمة عجيبة للأوّل من كنائس قائمة البنيان محكمة العمل كأنّما رفعت عنها الأيدي بالأمس، وكلّها مفروشة بالرخام النفيس يقف عليها من الغربان عدد لا يحصى كثرة حتّى يظنّ المرء أنّ غربان الأرض قد تجمّعت هناك، ويزعمون أنّ بها طلسما.
وامتحن أهل مدينة باجة أيّام أبي يزيد بالقتل والسبي والحرق. قال الراجز في هجوه لأبي يزيد:
وبعدها باجة أيضا أفسدا وأهلها أجلى ومنها شرّدا وهدم الأسواق والقصورا والدور قد فتش والقبورا ولم يزل الناس يتنافسون في ولاية باجة وكان المتداولون فيها لذلك بنو علي بن حميد الوزير، فإذا عزل منهم أحد لم يزل يسعى ويتلطّف ويهادي ويتاحف حتّى يرجع إليها. فقيل لبعضهم: لم ترغبون في ولاية مدينة باجة؟ فقال:
لأربعة أشياء، قمح عندة وسفرجل زانة وعنب بلطة وحوت درنة. وبها حوت بوري ليس له في الآفاق نظير يخرج من حوت واحد عشرة أرطال شحم وأكثر إذا كان من جلّتها، وكان يحمل إلى عبيد الله حوتها في العسل فيحفظه ويصل طريّا. ودرنة بين طبرقة وباجة.
ومنها إلى مدينة طبرقة، وهي على شاطىء البحر، وفيها آثار للأوّل وبنيان عجيب، وهي عامرة لورود التجّار فيها. وبها نهر كبير تدخله السفن الكبار وتخرج في بحر طبرقة. وروي أنّ الكاهنة قتلت بطبرقة.
وبشرقي مدينة طبرقة على مسيرة يوم وبعض آخر قلاع تسمّى بقلاع بنزرت، وهي قلاع يأوي إليها أهل تلك الناحية إذا خرج الروم غزاة إلى بلادهم، فهي مفزع لهم وغوث وهي رباطات للصالحين. وقال محمّد بن يوسف (في ذكر) الساحل من طبرقة إلى مرسى تونس فقال: مرسى القبّة عليه بنزرت وهي مدينة على البحر يشقّها نهر كبير كثير الحوت ويقع، البحر وعليها سور حصين وبها جامع وأسواق وحمامات وبساتين، وهي أرخص البلاد حوتا. وافتتحها معاوية بن حديج سنة إحدى وأربعين، وكان معه عبد الملك بن مروان، فشدّ عن الجيش فمرّ بامرأة من العجم من عمل بنزرت فقرته وأكرمت مثواه، فشكر ذلك لها، فلمّا ولي الخلافة كتب إلى عامله بإفريقية في المرأة وأهل بيتها فأحسن إليهم وظاهر النعم لديهم.
وتوالي هذه المراسي مذكور بعد هذا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
وعلى ساحل هذه القلاع بحيرة تنسب أيضا إلى بنزرت يدخل إليها ماء البحر الكبير، فيوجد فيها في شهر ما من السنة صنف من الحوت لا يشبه غيره ولا يوجد هناك في غير ذلك الشهر. وفي هذه البحيرة أعجوبة وهو أنّ الصيّاد فيه إذا أتاه التجّار لشراء الحوت يقول لهم: على أيّ شيء أرسل شبكتي؟
فيتّفق معهم على عدّة معلومة فيأتي الصيّاد بحوت يقال إنّه أنثى الصنف
المعروف بالبوري، فيرسلها في البحيرة ثمّ يتبعها بشبكته فيخرج العدّة الّتي اتّفقوا عليها لا يكاد يخطئ. وعلى مقربة من هذه البحيرة بحيرتان إحداهما حلوة والأخرى ملحة، فيصبّ كلّ واحدة منهما في الأخرى نصف العام على السواء ولا يتغيّر لواحدة منهما طعم.
وبغربي مدينة بونة بركة وبين بونة مسيرة يوم طولها ثلاثة أميال في مثلها، وفيها سمك جليل وفيها الطائر المعروف بالكيكل يعشّش على ماء تلك البحيرة ويفرخ (فيها، فإذا أحسّ بحيوان في البرّ دفع عشّ فراخه قدّامه) إلى وسط البركة، وهو الطير الّذي يسمّى بمصر بالخواص. ويصنع من جلوده الفراء ويباع بأثمان الغالية.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع