من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الطريق من قلعة أبي طويل إلى مدينة تنس
يخرج من العقلة إلى مدينة المسيلة، وهي مدينة جليلة على نهر يسمّى بنهر سهر، أسّسها أبو القاسم إسماعيل بن عبيد الله سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وكان المتولّي لبنائها علي بن حمدون بن سماك بن مسعود بن منصور الجذامي المعروف بابن الأندلسي، واستعمله علهيا فلم يزل عليها إلى أن هلك في فتنة أبي يزيد، وبقي ابنه جعفر فيها وصار أميرا على الزاب كلّه إلى
أن خرج عنها في سنة ستّين وثلاثمائة على ما نحن ذاكروه في موضعه إن شاء الله تعالى. وهي مدينة في بساط من الأرض عليها سوران بينهما جدول ماء جار يستدير بالمدينة (وله منافذ يسقى منها عند الحاجة).
وللمدينة أسواق وحمّامات وحولها بساتين كثيرة. ويجود عندهم القطن، وهي كثيرة اللحم رخيصة السعر، وبها عقارب مهلكة لا يتخلّص من لسعها.
وبقرب منها جبل عجيسة وهوارة وبني برزال، ولهم كانت أرض المسيلة. (وبقبلي مدينة المسيلة) موضع يعرف بالقباب فيه قباب من بنيان الأوّل، وعلى مقربة منها مدينة للأوّل خربة ياق لها بشيلقة فيها جدولان من ماء عذب جلبته الأوّل إليها يقال لها تارقا أنوودي، تفسيره ساقية السمن. وقال أحمد بن محمّد المروذي يذكر نزول إسماعيل بالمسيلة والشيعة تسمّيها المحمّدية:
ثمّ إلى مدينة مرضيةأسّت على التقوى محمّدية
أقبل حتّى حلّها ضحيّةبالنور»
من طلعته المضية
فحلّ في عسكره المسيلةفي هيئة كاملة جميلة
للنصر في أرجائه مخيلةبنعمة من ذي العلى جليلة
ونهر سهر الّذي عليه مدينة المسيلة منبعثه من عيون داخلة مدينة غدير وارّوا، وهي مدينة كبيرة أوّلية بين جبال فيها عين ثرّة عذبة عليها الأرحاء وعين أخرى وتحتهما عين خرّارة يقال لها عين مخلد تجتمع فيها، ومن هناك منبعث نهر سهر.
وبمدينة الغدير جامع وأسواق عامرة وفواكه كثيرة، وهي رخيصة الطعام واللحم وجميع الثمار، قنطار عنب فيها بدرهم. وسكّانها هوارة يعتدون في ستّين ألفا. وبشرقيّ مدينة الغدير قرية أوّلية يقال لها طرفلة لا تعدل بها قرية، وهم يقولون طرفلة طرف من الجنّة. ومدينة الغدير ما بين سوق حمزة وطبنة وهى على مرحلتين من طبنة.
وتسير من مدينة المسيلة إلى نهر يسمّى جوزة، ومن جوزة إلى مدينة أشير. وقال محمّد بن يوسف إنّ الّذي بنى أشير زيري، والدليل على ذلك ما أنشده عبد الملك بن عيشون:
يا أيّها السائل عن غربناوعن محلّ الكفر أشير
عن دار فسق ظالم أهلهاقد شيّدت للكفر والزور
أسّسها الملعون زيريهافلعنة الله على زير
وهي جليلة حصينة يذكر أنّه ليس في تلك الأقطار أحصن منها (ولا أبعد) متنا (ولا مراما، ولا) يوصل إلى شيء منها بقتال إلّا من موضع يحميه عشرة رجال، وهو في شرقيها الّذي ينفذ إلى عين مسعود وسائر نواحيها تزلّ عنها العيون فكيف الأقدام. وهي مع ذلك بين جبال شامخة محيطة بها دائرة عليها. وداخل مدينتها عينان ثرّتان لا يبلغ لهما غور ولا يدرك قعر، إحداهما تعرف بعين سليمان والأخرى بعين تالانتيرغ. والّذي بنى سورها بلجّين يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي سنة سبع وستّين وثلاثمائة، وخربها يوسف بن حماد بن زيري واستباح أموالها وفضح حرمها وذلك بعد أربعين وأربعمائة، ثمّ تراجع الناس إليها بعد خمس وخمسين وأربعمائة.
وتسير من مدينة أشير إلى قرية تسمّى (سوق هوارة، ومنها إلى قرية تسمّى) سوق كرام وهي على نهر شلف، ومنها إلى مدينة مليانة وهي مدينة رومية فيها آثار وهي ذات أشجار وأنهار تطحن عليها الأرحاء، جدّدها زيري بن مناد وأسكنها ابنه بلجّين، وهي عامرة، ومنها إلى مدينة الخضراء وهي مدينة جليلة كثيرة البساتين وهي على نهر إذا حمل دخل بعضها، ومنها إلى مدينة قديمة مدينة بني واريفن وهي واسعة المسارح كثيرة الكلأ، ومنها إلى مدينة قارية وهي مدينة لطيفة ذات أعين كثيرة وهي في سفح جبل، ومنها إلى مدينة تنس.
ومدينة تنس بينها وبين البحر ميلان، وهي مسوّرة حصينة داخلها قلعة صغيرة صعبة المرتقى ينفرد بسكناها العمّال لحصانتها. وبها مسجد جامع وأسواق كثيرة، وهي على نهر (يسمّى تناتين) يأتيها من جبل على مسيرة يوم فيأتيها من القبلة ويستدير بها من جهة الجوف والشرق ويريق في البحر، وبها حمّامات. وتنس هذه هي الّتي تسمّى تنس الحديثة، (وعلى البحر حصن يذكر أهل تنس أنّه كان القديم المعمور قبل هذه الحديثه، وتنس الحديثة) أسّسها وبناها البحريّون من أهل الأندلس منهم الكركرني وأبو عائشة والصقر وصهيب وغيرهم، وذلك سنة اثنتين وستّين ومائتين، ويسكنها فريقان من أهل الأندلس من أهل ألبيرة وأهل تدمير، وأصحاب تنس من ولد إبراهيم بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي (بن أبي طالب)، وكان هؤلاء البحريّون من أهل الأندلس يشتون هناك إذا سافروا من الأندلس في مرسى على ساحل البحر، فتجمّع إليهم بربر هذا القطر ورغبوا في الانتقال إلى قلعة تنس وسألوهم أن يتّخذوها سوقا ويجعلوها سكنى، ووعدوهم بالعون والرفق وحسن المجاورة والعشرة، فأجابوهم إلى ذلك وانتقلوا إلى القلعة وخيّموا بها، وانتقل إليهم من جاورهم من أهل الأندلس وغيرهم. فلمّا دخل عليهم الربيع اعتلّوا واستوبوا الموضع، فركب البحريّون من أهل الأندلس مراكبهم وأظهروا لمن بقي منهم أنّهم يمتارون، فحينئذ نزلوا قرية بجّانة وتغلّبوا عليها (على ما يأتي ذكره إن شاء الله). ثمّ إنّ الباقين بتنس لم يزالوا في تزيّد ثروة وعددا، ورحل إليهم أهل سوق إبراهيم وكانوا في أربعمائة بيت، فتوسّع لهم أهل تنس في منازلهم وشاركوهم في أموالهم
وتعاونوا على البنيان واتّخذوا الحصن الّذي فيها اليوم. (ولها بابان إلى القبلة) وباب البحر وباب ابن ناصح وباب الخوخة شرقي يخرج منه إلى عين تعرف بعين عبد السّلام ثرّة عذبة.
وكيلهم يسمّى الصحفة وهي ثمانية وأربعون قادوسا والقادوس ثلاثة أمداد بمدّ النّبي ﷺ، ورطل اللحم بها سبع وستّون أوقية ورطل سائر الأشياء اثنتان وعشرون أوقية، ووزن قيراطهم ثلث درهم عدل بوزن قرطبة، والجاري عندهم قيراط وربع درهم وصقل وحبّتان مضروبة كلّها، ودرهمهم اثنتا عشرة صقلية عددا. وقال سعيد بن واشكل التيهرتي في علّته الّتي مات منها بتنس:
نأى النوم عنّي واضمحلّت عرى الصّبروأصبحت عن دار الأحبّة في أسر
وأصبحت عن تيهرت في دار معزلوأسلمني مرّ القضاء من القدر
إلى تنس دار النحوس فإنّهايساق إليها كلّ منتقض العمر
هو الدهر والسّياق والماء حاكموطالعها المنحوس صمصامة الدهر
بلاد بها البرغوث يحمل راجلاويأوي إليها الذئب في زمر الحشر
ويزحف فيها العامّ في كلّ ساعةبجيش من السودان تغلّب بالوتر
ترى أهلها صرعى دوى أمّ ملدميروحون في سكر ويغدون في سكر
وقال غيره:
أيّها السائل عن أرض تنسمقعد اللوم المصفّى والدنس
بلدة لا ينزل القطر بهاللندى في أهلها حرق درس
فصحاء النطق في لا أبداوهم في نعم بكم خرس
فمتى تلمّم بها جاهلهايرتحل عن أرضها قبل الغلس
ماؤها من قبح ما خصّت بهنجس يجري على ترب نجس
فمتى تلعن بلادا مرّةفاجعل اللعنة ذابا لتنس
فأمّا الطريق من تنس إلى تيهرت (فإلى باجنة إلى مدينة الغزاة إلى تيهرت) خمس مراحل.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع