تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر ما خصّت به الأندلس من الأشجار والمعادن والأحجار

يوجد في ناحية دلاية من إقليم البشرة عود النضوح لا يقارنه العود الهندي ذكاء وعطرا، وقد سيق منه إلى خيران الصقلبي صاحب ألمرية أصل كان منبته بين أحجار هناك. وبأكشنبة جبل يعرف بجبل الجنّة كثيرا ما يتضوّع منه ريح العود الذكي إذا أرسلت فيه النار. وببحر شحذونة يوجد أطيب العنبر العربي الوردي، وفي جبل المنتلون المحلب الّذي لا يعدل به. قال أحمد بن محمّد بن موسى الرازي: وهو المقدم في الأفاوه المفضّل في أنواع الاشنان لا ينبت بشيء من الأرض إلّا بالهند وبالأندلس.

وفي جبل بإلبيرة السنبل الفائق الطيب، وبنواحي المنتلون يكون البرباريس العجيب. وبجبل أندة يوجد القسط الطيّب المرّ المذاق، ويوجد أيضا بالجبل المنسوب إليه جبل القسط، وهو بين حصن قاشتروا ومارتش. والجنطيانا يجلب من الأندلس إلى جميع الآفاق، وهو عقير رفيع يوجد بلبلة.

وبجزيرة سطين الزبد النفيس المصمّغ الطرفين، ويوجد بجبال قلعة أيوب المرّ الطيّب، وأطيب كهرباء الأرض بشذونة درهم منها يعدل دراهم من

المجلوبة. وأطيب القرمز قرمز الأندلس وأكثر ما يكون بنواحي إشبيلية ولبلة وشذونة وبلنسية، ومن الأندلس يحمل إلى الآفاق. وبناحية لورقة من ناحية تدمير يكون حجر الأزورد الجيّد، وقد يوجد في غيرها. وعلى مقربة من حصن منتون من عمل قرطبة معدن البلّور بجبل شجيران، وهو بشرقي قبرة. وحجر البجادي موجود بناحية مدينة الأشبونة، في جبل هناك يتلألأ فيه ليلا كالسرج. والياقوت الأحمر يوجد في ناحية حصن منت ميور من عمالة مالقة، إلّا أنّه دقيق جدّا لا يصلح للاستعمال لصغره. وحجر يشبه الياقوت الأحمر في ناحية مدينة بجّانة في خندق بقرب قرية ناشر يوجد أشكالا مختلفة كأنّه مصنوع حسن اللون صبورا على النار.

وحجر المغنطيس الجاذب للحديد يوجد بموضع يعرف بالصنهاجيّين من كورة تدمير. وحجر الشادنة بجبل قرطبة كثير، وهو يرقي الدم ويستعمل في ذلك التذاهيب. والحجر اليهودي في ناحية حصن البونت، وهو أنفع شيء للحصى. وحجر المرقشيتا الذهبية في جبال أنطاندة الّتي لا نظير لها في الدنيا ومن الأندلس يحمل إلى جميع الآفاق لفضلها. والمغنيسيا بالأندلس كثير، وكذلك حجر الطلق، ويوجد اللؤلؤ بناحية مدينة برشلونة، إلّا أنّه جامد اللون. والمرجان يخرج من بحر الأندلس، وقد خرج منه في ساحل بحر إلبيرة من عمل المرية ما لقط منه في أقلّ من شهر نحو ثمانين قنطارا.

ومعدن الذهب بنهر لادرة يجمع بها منه كثير، ويجمع أيضا في ساحل الأشبونة.

ومعادن الفضّة بالأندلس كثيرة في كورة تدمير وجبال حمّة بجّانة، وبإقليم كرتيش من عمل قرطبة معدن فضّة جليل. وبأكشونبة معدن القصدير لا نظير له يشبه الفضّة، وله معادن بناحية إفرنجة وليون. ومعدن الزئبق في جبل البرانس ومن هناك يتجهّز به إلى الآفاق. ومعدن الكبريت الأحمر بالأندلس ومعادن الأصفر كثيرة. ومعادن التوتيا الطيّبة بساحل إلبيرة بقرية تسمّى بطرنة، وهي أزكى توتيا وأقوى في صنع النحاس، وبجبال قرطبة توتيا وليست كالبطرنية. ومعدن الكحل المشبه بالاصبهاني بناحية مدينة طرطوشة يحمل منها إلى جميع البلاد. ومعادن الشبوب والحديد والنحاس والرصاص بالأندلس أكثر من أن تحصى.

والأندلس دار جهاد وموطن رباط قد أحاط بشرقها وشمالها وبعض غربها أصناف أهل الكفر. وروي عن عثمان بن عفان رضه أنّه كتب إلى من انتدب إلى غزو الأندلس: أمّا بعد فإنّ القسطنطينية إنّما تفتح من قبل الأندلس وإنّكم إن استفتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسلام.

وروي عن كعب الأحبار أنّه قال: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة.

ودخل الأندلس رجل واحد من أصحاب النبي ﷺ، وقال عبد الملك بن حبيب: اسمه المنيذر الإفريقي. ويروى عن النبي ﷺ أنّه قال: من قال

رضيت بالله ربّا إلى آخرها فأنا الزعيم له لآخذنّ بيده فأدخله الجنّة. ودخلها من التابعين حنش بن عبد الله بن عمرو بن حنظلة بن نهر بن قنان بن ثعلبة بن ثامر النسائي يكنّى أبا راشد، وهو صنعاني من صنعاء الشام ويعدّ في المقرّبين، ويقال حنشن بن علي، والصواب بن عبد الله، وهو الّذي أسّس المسجد الجامع بسرقسطة، وكان مع علي بالرّقة. فلمّا قتل انتقل إلى مصر، وموضع محرابه وقبره بسرقسطة معلوم. ومنهم علي بن ربّاح اللخمي البصري ويكنّى أبا موسى، لقي أبا هريرة وعمرو بن العاص وعلقمة بن عامر وروى عنهم، وقبره أيضا بمدينة سرقسطة معلوم. ومنهم حيوة بن رجاء التميمي وأبو عبد الرحمان بن عبد الله بن يزيد الجبلي الأنصاري وعياض بن عقبة الفهري وموسى بن نصير بن عبد الرحمان بن يزيد يقال بكري ويقال لخمي. ويقال إنّ نصيرا وحمدان مولى عثمان من سبي عين التمر وإنّ نصيرا أعتقه صبيح مولى أبي العاص بن أميّة. ومن كتب الخزانة غير المترجم أنّ نصيرا أصابه خالد بن الوليد في علوج عين التمر وادّعوا أنّهم رهن وأنّهم من بكر بن وائل، فصار نصير وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه، فمن أجل هذا يختلف فيه.

وعقد الوليد لموسى على إفريقيّة سنة ثلاث وثمانين، وكان مولد موسى سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطّاب رضه. وكان معاوية قد جعل نصيرا أبا موسى على حرسه، فلم يقاتل معه عليّا رضه. فقال له معاوية: ما منعك في الخروج معي على علي ولم تكاف يدا لي عليك؟ فقال له: لم يمكنّي أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري منك. قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى.

ومسافة ما يملك المسلمون من الأندلس- وذلك من أكشونبة إلى مدينة أشقة- فذلك ثلاثمائة فرسخ طولا، ومن قرطاجنة الحلفاء إلى الفهمين ثلاثون فرسخا عرضا.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.