تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الطريق من غانة إلى غيارو

فأمّا الطريق من غانة إلى غيارو فإلى مدينة سامقندى أربعة أيّام، وأهل سامقندى أرمى السودان بالنشاب. ومنها إلى بلد يسمّى طاقة يومان، وأكثر شجر طاقة شجر يسمّى تادموت، وهو شجر الآراك إلّا أنّ له ثمرا كالبطيخ داخله شيء يشبه القند تشوب حلاوته بحموضة نافع للمحمومين. ومن هناك إلى خليج من النيل يقال له زوغو مسيرة يوم تخوضه الجمال، ولا يعبره الناس إلّا في القوارب. ومنه إلى بلد يقال له غرنتل، وهو بلد كبير ومملكة جليلة لا يسكنه مسلمون ولكنّهم يكرمونهم ويخرجون لهم عن الطريق إذا دخلوا بلادهم، وتلد عندهم الفيلة والزرافات. ومن غرنتل إلى غيارو.

وملك غانة إذا احتفل (ينتهي جيشه مائتي ألف، منهم رماة أزيد من أربعين ألفا، وخيل غانة قصار جدّا. وعندهم الأبنوس الجيّد) المجزّع. وهم يزدرعون مرّتين في العام مرّة على ثرى النيل إذا خرج عندهم وأخرى على ثرى أيضا.

وبغربيّ غيارو على النيل مدينة يرسنى (يسكنها المسلمون وما حولها مشركون). وفي يرسنى معز قصار، فإذا وضعت الماعزة ذبحوا الذكور وأبقوا الإناث، وعندهم شجر تحتكّ بها هذه المعزة فتحمل من ذلك العود تلد من غير ذكر، وهذا معلوم عندهم غير منكر، وحدّث به جماعة من المسلمين الثقات. ومن يرسنى يجلب السودان العجم المعروفون ببني نغمرانة وهم تجّار التبر إلى البلاد. وما وازاها من ضفّة النيل الثانية مملكة كبيرة أزيد من مسيرة ثمانية أيّام سمة ملكهم دو، وهم يقاتلون بالنشاب.

ووراءه بلد اسمه ملل وملكهم يعرف بالمسلماني، وإنّما سمّي بذلك لأنّ بلاده أجدبت عاما بعد عام، فاستسقوا بقرابينهم من البقر حتّى كادوا يفنونها ولا يزدادون إلّا قحطا وشفاء. وكان عنده ضيف من المسلمين يقرأ القرآن ويعلم السنّة، فشكا إليه الملك ما دهمهم من ذلك فقال له: أيّها الملك لو

آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته وبمحمّد ﵊ وأقررت برسالته واعتقدت شرائع الإسلام كلّها لرجوت لك الفرج (ممّا أنت فيه) وحلّ بك، وأن تعمّ الرحمة أهل بلدك، وأن يحسدك على ذلك من عاداك وناوأك. فلم يزل به حتّى أسلم وأخلص نيّته وأقرأه من كتاب الله ما تيسّر (عليه وعلّمه من الفرائض والسّنن ما لا يسع جهله. ثمّ استأنى به إلى ليلة جمعة فأمره فتطهّر فيها طهرا سابغا) وألبسه المسلم ثوب قطن كان عنده، وبرزوا إلى ربوة من الأرض فقام المسلم يصلّي والملك عن يمينه يأتمّ به. فصلّيا من الليل ما شاء الله والمسلم يدعو والملك يؤمّن، فما انفجر الصباح إلّا والله قد عمّهم بالسقي. فأمر الملك بكسر الدكاكير وإخراج السحرة من بلاده، وصحّ إسلامه وإسلام عقبه وخاصّته وأهل مملكته مشركون، فوسموا ملوكهم مذ ذاك بالمسلماني.

ومن أعمال غانة المنضافة إليها بلد يسمّى سامة ويعرف أهله بالبكم، بينه وبين غانة مسيرة أربعة أيّام، وهم يمشون عراة إلّا أنّ المرأة تستر فرجها بسيور تضفرها، وهنّ يوفرن شعر العانة ويحلقن شعر الرأس. وحدّث أبو عبد الله المكّي أنّه رأى منهنّ امرأة وقفت على رجل من العرب طويل اللحية، فتكلّمت بكلام لم يفهمه، فسأل الترجمان عن مقالتها فذكر أنّها تمنّت أن يكون شعر لحيته في عانتها. فامتلأ العربي غضبا وأوسعها سبّا. والبكم لهم حذق بالرماية وهم يرمون بالسهام المسمومة. ويورثون الابن الأكبر مال الأب كلّه.

وبغربيّ مدينة غانة مدينة أنبارة، وملكها اسمه تارم وهو معاند لملك غانة.

وعلى تسع مراحل من مدينة أنبارة مدينة كوغة وبينها وبين غانة مسيرة خمس عشرة مرحلة، وأهلها مسلمون وحواليها المشركون. وأكثر ما يتجهّز إليها بالملح والودع والنحاس والفربيون، والودع والفربيون أنفق شيء عندهم. وحواليها من معادن التبر كثير، وهي أكثر بلاد السودان ذهبا.

وهناك مدينة ألكن وملكها يسمّى قنمر بن بسي ويقال إنّه مسلم يخفي إسلامه.

وببلاد غانة قوم يسمّون بالهنيهين من ذرّية الجيش الّذي كان بنو أمية أنفذوه إلى غانة في صدر الإسلام، وهم على دين أهل غانة إلّا أنّهم لا ينكحون في السودان ولا ينكحونهم، فهم بيض الألوان حسان الوجوه. وبسلى أيضا قوم منهم يعرفون بالفامان.

وببلاد غانة حكم الماء، وذلك أنّه من ادّعي عليه بمال أو دم أو غير ذلك عمد أمينهم إلى عود فيه حرافة ومرارة ورقّة وصبّ عليه من الماء قدرا معلوما، وسقاه المدّعى عليه، فإن رماه من جوفه علم أنّه بريء وهنّي بذلك، وإن لم يرمه وبقي في جوفه صحّت الدعوة عليه.

ومن الغرائب ببلاد السودان شجرة طويلة الساق دقيقة تسمّى تورزى تنبت في الرمال ولها ثمر كبير منتفخ داخله صوف أبيض تصنع منه الثياب والأكسية ولا تؤثّر النار فيما صنع من ذلك الصوف من الثياب لو أوقدت عليه الدهر (كلّه لم يحترق). وأخبر الفقيه عبد الملك أنّ أهل اللامس بلد هناك ليس لهم لبس إلّا من هذا الصنف. ومن هذا الجنس حجارة بوادي درعة تسمّى بالبربرية تامطغست تحكّ باليد فتلين إلى أن تأتي في قوام الكتّان فتصنع منها الأمرّة والقيود للدوابّ، فلا تؤثّر النار في شيء من ذلك. وقد صنع منها كساء لبعض ملوك زناتة بسجلماسة، وأخبرني الثقة أنّه شهد تاجرا قد جلب منه منديلا إلى فردلند صاحب الجلالقة وذكر أنّه منديل لبعض الحواريّين وأنّ النار لا تؤثّر فيه، وأراه ذلك عيانا فعظم موقعه من فردلند وبذل له فيه غناه، وبعث به فردلند إلى صاحب قسطنطينية ليوضع في كنيستهم العظمى، فعند ذلك بعث إليه صاحب قسطنطينية التاج وأمره بالتتويج. وقد حدّث جماعة أنّهم رأوا منه هداب منديل عند أبي فضل البغدادي تحمى عليه النار فيزداد بياضا ويكون له النار غسلا، وهو كثوب الكتان.

وإذا سرت من غانة تريد مطلع الشمس فإنّك تسير في طريق معمورة بالسودان إلى موضع يقال له أوغام يحرثون الذرّة وهو عيشهم، ثمّ تسير من هناك أربعة أيّام إلى موضع يقال له رأس الماء، وهناك تلقى النيل خارجا من

بلاد السودان، وعليه قبائل من البربر مسلمون يسمّون مداسة، وبإزائهم من الشط الثاني مشركو السودان. ثمّ تسير من هناك ستّ مراحل على النيل إلى مدينة تيرقى، ويجتمع في سوق هذه المدينة أهل غانة وأهل تادمكّة. وتعظم السلاحف بتيرقى وتتّخذ في الأرض أسرابا يمشي فيها الإنسان ولا يطيقون استخراج واحدة منها إلّا بعد شدّ الحبال فيها واجتماع العدد الكثير عليها. وأخبرني الفقيه أبو محمّد عبد الملك بن نخاس الغرفة أن قوما عرسوا في طريق تيرقى، والأرضة هناك تأتي على ما تجده وتفسد ما وصلت إليه وتخرج من التراب أكواما كالروابي، ومن الغرائب أنّ ذلك التراب ثّر ند والماء هناك غير موجود على أبعد حفر. فلا توضع الأمتعة إلّا على الحجارة المجموعة أو الخشب الموضوعة. فارتاد كلّ واحد من القوم لمتاعه حرزا من الأرضة، وبدر أحدهم فيما ظنّ إلى صخرة كبيرة فأنزل عليها وقر بعيرين كانا معه. فلمّا هبّ من نومه سحرا لم يجد الصخرة ولا ما كان عليها، فارتاع ونادى بالويل والحرب. فاجتمعوا إليه يسألونه عن خطبه فأخبرهم فقالوا: لو طرقك لصوص لأخذوا المتاع وبقيت الصخرة. فنظروا فإذا أثر سلحفاة ذاهبة من الموضع، فاقتفوه أميالا حتّى أدركوها وحملا المتاع على ظهرها، وهي الّتي حسبها صخرة.

ومن تيرقى يرجع النيل نحو الجنوب في بلاد السودان، فتسير عليه نحو ثلاث مراحل فتدخل بلاد سغمارة، وهم قبيل من البربر في عمل تادمكّة، ويحاذيهم من الشطّ الثاني مدينة كوكو للسودان. وسيأتي ذكرها وما والاها إن شاء الله.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.