من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة نول
ومن مدينة نول إلى درعة ثلاث مراحل. ومدينة إيجلى مدينة كبيرة سهلية بغربيها نهر كبير جار من القبلة إلى الجوف عليه بساتين كثيرة متّصلة، ولم يتّخذوا قطّ عليه رحى، فإذا سئلوا عن المانع لهم من ذلك قالوا: كيف يسخّر مثل هذا الماء العذب في إدارة الأرحاء؟ وهي كثيرة الفواكه والخير، وربّما بيع حمل التمر بها بدون كراء الدابّة من البستان إلى السوق.
وقصب السكر أكثر شيء بها يحمل الرجل بربع درهم منه ما يؤذيه ثقله، ويعمل بها السكّر كثيرا وقنطار سكرها يبتاع بمثقالين وأقلّ. ويعمل بها النحاس المسبوك يتجهّز به إلى بلاد الشرك. وبها مسجد جامع وأسواق وفنادق. والّذي افتتحها عقبة بن نافع وأخرج منها سبيا لم ير (مثله حسنا وتماما)، كانت تباع الجارية الواحدة منهنّ بألف دينار وأكثر. ودخلها عبد الرحمان بن حبيب بعد ذلك وبها معسكره إلى اليوم.
وبالسوس زيت الهرجان وشجره يشبه شجر الكمّثرى إلّا أنّه لا يفوت اليد وأغصانه نابتة من أصله لا ساق له. وهي شوكاء وثمرها يشبه الأجاص، فيجمع ويترك حتّى يذبل، ثمّ يوضع على النار في مقلى فخّار فيستخرج دهنه، وطعمه يشبه طعم القمح المقلوّ، وهو جيّد محمود الغذاء يسخّن الكلى ويدرّ البول. وبالسوس عسل يفوق عسل الأمصار يلقي
النبيذيّون على الكيل الواحد منه خمسة عشر كيلا من ماء فحينئذ يأتي شرابا، وإن كان أقلّ من ذلك بقي حلوا، ولا ينحلّ إلّا في الماء الشديد الحرارة، ولونه لون الرماد. وتبايع أهل سوقه بالحلى المكسورة ونقار الفضّة، والدرهم المسكوك عندهم قليل، ومثاقيلهم (تعرف بالقزديرية لأنّ رجلا تولّى) سكّتهم يعرف بأبي الحسن القزديري. وبالسوس توفّي عبد الله بن إدريس وبها قبره.
وبقبلي إيجلى. وعلى ستّ مراحل منها مدينة تامدلت، أسّسها عبد الله بن إدريس بن إدريس، وهي سهلية عليها سور طوب وحجر وبها حمّامان وسوق عامرة ولها أربعة أبواب، وهي على نهر عنصره من جبل على عشرة أميال منها، وما بينهما بساتين، وعلى هذا النهر (أرحاء كثيرة، وأرضها أكرم أرض وأكثرها ريعا تعطى للحبّة مائة، وبها معدن فضّة غزير كثير المادّة. وبشرقيّ تامدلت) مدينة درعة بينهما مسيرة ستّة أيّام. وتسير من تامدلت إلى وادي درعة ثلاث مراحل. ومنها (إلى أجرو ستّ) مراحل كلّها على مياه. ومنها إلى مرغاد مرحلة. ومنها إلى سجلماسة ستّة أميال.
وأهل السوس وأغمات أكثر الناس تكسّبا وأطلبهم لرزق يكلّفون نساءهم وصبيانهم التحرّف والتكسّب. وبأرض أغمات والسوس شجر الهلجان لا
يكون إلّا هناك، يستخرج من حبّه زيت طيّب كثير النفع، وذلك أنّهم يجنون ثمره فتعلّفه الماشية، ثمّ يعمدون إلى عجمه فيطحن ويطبخ ويستخرج منه دهنه فيكادون يستغنون به عن جميع الزيوت لكثرته عندهم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع