من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الطريق من وادي درعة في الصحراء إلى بلاد السودان
من وادي درعة خمس مراحل إلى وادي تارجا، وهو أوّل الصحراء.
ثمّ تمشي في الصحراء (فتجد الماء على اليومين والثلاثة حتّى تصل إلى رأس المجابة إلى البئر المسمّاة تزامت بئر معينة غير عذبة، وهي إلى الملوحة أقرب قد أنبطت) في حجر صلد من عمل الأوّل، ويزعم قوم أنّ بني أميّة صنعتها. وفي الشرق منها بئر تسمّى بئر الجمّالين، وعلى مقربة منها أيضا بئر تسمّى ناللي كلّها غير عذبة، وبين هذه الآبار الثلاث وبلاد الإسلام مسيرة أربعة أيّام. ومنها إلى جبل يسمّى بالبربرية (أدراران وزّال تفسيره) جبل الحديد مثل ذلك. ومن هذا الجبل مجابة ماؤها على ثمانية أيّام، وهي المجابة الكبرى، وذلك الماء في بني ينتسر من صنهاجة، ومن بني ينتسر إلى قرية تسمّى مدّوكن لصنهاجة أيضا. ومنها إلى مدينة غانة أربعة أيّام. ومن الآبار الثلاثة المذكورة مجابة ماؤها على أربعة أيّام إلى ايزل، وهو جبل في الصحراء، إلى قبيل من صنهاجة يعرفون ببني لمتونة ظواعن رحّالة في الصحراء، مراحلهم فيه مسيرة شهرين في شهرين ما بين بلاد السودان وبلاد الإسلام ويصيفون في موضع يسمّى أمطلوس وآخر يسمّى تاليوين، وهم إلى بلاد السودان أقرب. وبينهم وبين بلاد السودان نحو عشر مراحل، وليس يعرفون حرثا ولا يزرعون زرعا ولا يعرفون خبزا، إنّما أموالهم الأنعام وعيشهم من اللحم واللبن ينفد عمر أحدهم ولا رأى خبزا ولا أكله إلّا أن يمرّ بهم التجّار من بلاد الإسلام أو بلاد السودان فيطعمونهم الخبز ويتحفونهم بالدقيق، وهم على السنّة مجاهدون للسودان.
وكان رئيسهم محمّد المعروف بتارشنى من أهل الفضل والخير والدين والحجّ والجهاد، وهلك بموضع يقال له قنقارة- وقيل كنكارة»
- من بلاد السودان، وهم قبيل من السودان بغربيّ مدينة بنكلابين، وهي مدينة يسكنها جماعة من المسلمين يعرفون ببني وارث من صنهاجة. (وخلف بني لمتونة قبيلة من صنهاجة) تسمّى بني جدالة وهم يجاورون البحر وليس بينهم وبينه أحد.
وهذه القبائل هي الّتي قامت بعد الأربعين وأربعمائة بدعوة الحق وردّ المظالم وقطع جميع المغارم، وهم على السنّة ومتمسّكون بمذهب مالك بن أنس رضه، وكان الّذي نهج ذلك فيهم ودعا الناس إلى الرباط ودعوة الحقّ عبد الله بن ياسين. وذلك أنّ رئيسهم كان يحيى بن إبراهيم من بني جدالة وحجّ في بعض السنين ولقي في صدره عن حجّه الفقيه أبا عمران الفاسي، فسأله أبو عمران عن بلده وسيرته وما ينتحلونه من المذاهب، فلم يجد عنده علما بشيء إلّا أنّه رآه حريصا على التعلّم صحيح النيّة واليقين، فقال له: ما يمنعكم من تعلّم الشرع على وجهه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال له: لا يصل إلينا إلّا معلّمون لا ورع لهم ولا علم بالسنّة عندهم. ورغب إلى أبي عمران أن يرسل معه من تلاميذه من يثق بعلمه ودينه ليعلّمهم ويقيم أحكام الشريعة عندهم، فلم يجد أبو عمران فيمن رضيه من يجيبه إلى السير معه. فقال له أبو عمران: إنّي قد عدمت بالقيروان بغيتكم وإنّ
بملكوس فقيها حاذقا ورعا قد لقيني وعرفت ذلك منه يقال له وجّاج بن زلوي، فمرّ به فربّما ظفرت عنده ببغيتك.
فجعل ذلك يحيى بن إبراهيم أوكد همّه فنزل به وعلّمه ما جرى له مع أبي عمران. فاختار له وجاج من أصحابه رجلا يقال له عبد الله بن ياسين (واسم أمّه) تين يزامارن من أهل جزولة (من قرية تسمّى) تماماناوت في طرف صحراء مدينة غانة، فوصل به إلى موضعه واجتمعوا للتعلّم منه والانقياد له في سبعين رجلا. فغزوا بني لمتونة وحاصروهم في جبل لهم فهزموهم وجعلوا ما اتّخذوا من أموالهم مغنما، فلم يزل أمرهم يقوى واستعملوا على أنفسهم يحيى بن عمر بن تلاجاجين وعبد الله بن ياسين مقيم فيهم متورّعا عن أكل لحمانهم وشرب ألبانهم لما كانت أموالهم غير طيّبة، وإنّما كان عيشه من صيد البرية. ثمّ أمرهم ببناء مدينة سمّوها أرتنّني وأمرهم أن لا يشف بناء بعضهم على بناء بعض، فامتثلوا ذلك وهم يسمعون له ويطيعون إلى أن نقموا عليه أشياء يطول ذكرها، وكأنّهم وجدوا في أحكامه بعض التناقض.
فقام عليه فقيه منهم كان اسمه (الجوهر بن سكّم) مع رجلين من كبرائهم يقال لأحدهما أيار وللآخر اينتكّوا، فعزلوه عن الرأي والمشورة وقبضوا
منه بيت مالهم وطردوه وهدموا داره وانتهبوا ما كان فيها من أثاث وخرثى. فخرج مستخفيا من قبائل صنهاجة إلى أن أتى وجّاج بن زلوي فقيه ملكوس. فعاتبهم وجّاج على ما كان منهم إلى عبد الله وأعلمهم أنّ من خالف أمر عبد الله فقد فارق الجماعة وأنّ دمه هدر، وأمر عبد الله بالرجوع إليهم فرجع وقتل الّذين قاموا عليه وقتل خلقا كثيرا ممّن استوجب القتل عنده لجراية أو فسق واستولى على الصحراء كلّها: وأجابه جميع تلك القبائل ودخلوا في دعوته والتزموا السنّة به. ثمّ نهضوا إلى لمطة وسألوهم ثلث أموالهم ليطيب لهم بذلك الثلثان، وهكذا سنّ لهم عبد الله في الأموال المختلطة، فأجابوهم إلى ذلك ودخلوا معهم في دعوتهم.
وأوّل ما أخذوا من البلاد المخالفة لهم درعة، ولهم في قتالهم شدّة وجلد ليس لغيرهم، وهم يختارون الموت على الانهزام ولا يحفظ لهم فرار من زحف، وهم يقاتلون على الخيل والنجب وأكثر قتالهم رجالة صفوفا بأيدي الصفّ الأوّل القنى الطوال للمداعسة والطعان، وما يليه من الصفوف بأيديهم المزاريق يحمل الرجل الواحد منها عدّة يزرقها فلا يكاد يخطئ ولا يشوى.
ولهم رجل قد قدموه أمام الصفّ بيده الراية، فهم يقفون ما وقفت منتصبة، وإن أمالها إلى الأرض جلسوا جميعا فكانوا أثبت من الهضاب، ومن فرّ أمامهم لم يتبعوه. وهم يقتلون الكلاب لا يستصحبون منها شيئا.
)
وكان يحيى بن عمر أشدّ الناس انقيادا لعبد الله بن ياسين وامتثالا لما يأمره به، ولقد حدّث جماعة أنّ عبد الله قال له في بعض تلك الحروب: أيّها الأمير إنّ عليك حقّا أدبا. فقال له يحيى: فما الّذي أوجبه عليّ؟ قال له عبد الله:
إنّي لا أخبرك به حتّى أؤدّبك وآخذ حقّ الله منك. فطاع له الأمير بذلك وحكمه في بشرته فضربه الفقيه ضربات بالسوط، ثمّ قال له: الأمير لا يدخل القتال بنفسه لأنّ حياته حياة عسكره وهلاكه هلاكهم.
وغزا المرابطون مدينة سجلماسة بعد أن خاطبوا أهلها ورئيسهم مسعود بن وانودين المغراوي، فلم يجيبوهم إلى ما أرادوا، فغزوهم في جيش عدّته ثلاثون ألف جمل سرج، فقتلوا مسعودا واستولوا على مدينة سجلماسة وتخلّفوا فيها جماعة منهم، ثمّ عادوا إلى بلادهم. فغدر أهل سجلماسة بالمرابطين بالمسجد فقتلوا منهم عددا كثيرا، وذلك سنة ستّ وأربعين وأربعمائة. وندم أهل سجلماسة على ما فعلوا وتواترت رسلهم على عبد الله بن ياسين أن يرجع إليهم العساكر ويذكرون أنّ زناتة زحفت إليهم، فندب عبد الله المرابطين إلى غزو زناتة ثانية، فأبوا عليه وخالف عليه بنو جدالة وذهبوا إلى ساحل البحر. فأمر عبد الله الأمير يحيى أن يتحصّن بجبل لمتونة، وهو جبل منيع كثير الماء والكلأ في طوله مسافة ستّة أيّام وفي عرضه مسافة يوم، وهناك حصن يسمّى أركى حوله نحو عشرين ألف نخلة كان بناه يانّو بن عمر الحاج أخو يحيى بن عمر.
)
فصار يحيى في جبل لمتونة، (وذهب عبد الله بن ياسين إلى مدينة سجلماسة في مائتي رجل من قبائل صنهاجة ونزل موضعا يقال له تامدّولت حصن) فيه مياه ونخل كثير، ويشرف عليه جبل فيه معدن فضّة معلوم هناك. فاجتمع لعبد الله جيش كثيف من سرطة وترجة ولهم هناك حصون. وكان أبو بكر بن عمر بدرعة مع أحمد بن أمدجنو، فأمّره عبد الله مكان أخيه يحيى المتخلّف بجبل لمتونة. ثمّ رجعت جيوش بني جدالة إلى يحيى بن عمر فحاصروه في الجبل، وذلك سنة ثمان وأربعين، وهم في نحو ثلاثين ألفا.
وكان مع يحيى أيضا (عدد كثير)، وكان معه ليّي بن ورجاي رئيس تكرور، وكان التقاؤهم هناك بموضع يسمّى تيفريلّى بين تاليوين وجبل لمتونة. فقتل يحيى بن عمر ﵀ وقتل معه بشر كثير، وهم يذكرون أنّهم يسمعون في هذا الموضع أصوات المؤذّنين عند أوقات الصلوات، وهم يتحامونه ولا يدخله أحد ولا أخذ منه سيف ولا درقة ولا شيء من أسلحتهم ولا ثيابهم. ولم يكن للمرابطين بعد كرّة إلى بني جدالة.
وفي سنة ستّ وأربعين غزا عبد الله بن ياسين أودغست، وهو بلد (قائم العمارة مدينة كبيرة فيها أسواق) ونخل كثير وأشجار الحناء، وهي في العظم كشجر الزيتون، وهي كانت منزل ملك السودان المسمّى بغانة قبل أن يدخل العرب غانة، وهي متقنة المباني حسنة المنازل، ومسافة ما بينها وبين سجلماسة مسيرة شهرين وبينها وبين مدينة غانة خمسة عشر يوما. وكان يسكن هذه المدينة زنانة مع العرب وكانوا متباغضين متدابرين، وكانت لهم
أموال عظيمة ورقيق كثير كان للرجل منهم ألف خادم وأكثر. فاستباح المرابطون حريمها وجعلوا جميع ما أصابوا فيها فيئا، وقتل فيها عبد الله بن ياسين رجلا من العرب المولّدين من أهل القيروان معلوما بالورع والصلاح وتلاوة القرآن وحجّ البيت يسمّى زباقرة، وإنّما نقموا عليهم أنّهم كانوا تحت طاعة صاحب غانة وحكمه.
وغزا عبد الله بن ياسين أغمات سنة تسع وأربعين، واستولى على بلاد المصامدة (سنة خمسين، وقتل ببرغواطة) سنة إحدى وخمسين بموضع يسمّى كريفلت، وعلى قبره اليوم مشهد مقصود ورابطة معمورة. ولم يقتل عبد الله بن ياسين حتّى استولى على سجلماسة وأعمالها والسوس كلّه وأغمات ونول والصحراء.
وممّا يذكرونه ولا يشكّون فيه من براهين صلاح عبد الله أنّه ذهب في بعض أسفاره فعطشوا فشكوا ذلك إليه، فقال: عسى الله أن يجعل لنا من أمرنا فرجا. ثمّ سار بهم ساعة وقال لهم: احفروا بين يديّ»
. فحفروا فوجدوا الماء بأدنى حفر، فشربوا وسقوا واستقوا أعذب ماء وأطيبه.
ويذكرون أنّه نزل منزلا تقرب منه بركة ماء وكانت كثيرة الضفادع لا يسكن نقيقها، فإذا وقف عبد الله على البركة لا يسمع لها ركز. وهم الآن لا تقدّم طائفة منهم أحدا للصلاة بها إلّا من صلّى وراء عبد الله وإن كان في تلك
الطائفة أقرأ منه وأورع ممّن لم يصلّ وراءه. وكان عبد الله نكّاحا للنساء يتزوّج في الشهر عددا منهنّ ويطلقهنّ، لا يسمع بامرأة حسناء إلّا خطبها، ولا يتجاوز بصدقاتهنّ أربعة مثاقيل.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع