من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر ما شذّ فيه عبد الله بن ياسين من الأحكام
من ذلك أخذه الثلث من الأموال المختلطة، وزعم أنّ ذلك يطيب باقيها ويحلّه، وقد تقدّم ذكرها. هذا وأن الرجل إذا دخل في دعوتهم وتاب عن سالف ذنوبه قالوا له: قد أذنبت ذنوبا كثيرة في شبابك، فيجب أن تقام عليك حدودها وتطهر من إثمها، فيضرب حدّ الزاني مائة سوط وحدّ المفتري ثمانين سوطا وحدّ الشارب مثلها، وربّما زيد على ذلك. وهكذا يفعلون بمن تغلّبوا عليه وأدخلوه في رباطهم، وإن علموا أنّه قتل قتلوه سواء أتاهم تائبا طائعا أو غلبوا عليه مجاهرا عاصيا لا تنفعه توبته ولا تغني عنه رجعته. ومن تخلّف عن مشاهدة الصلاة مع الجماعة ضرب عشرين سوطا، ومن فاتته ركعة ضرب خمسة أسواط. ويأخذون الناس بصلاة ظهر أربعا قبل صلاة الظهر في الجماعة، وكذلك في سائر الصلوات، ويقولون: إنّك لا بدّ قد فرطت في سالف عمرك فاقض ذلك. وأكثر عوامّهم يصلّون بغير وضوء إذا أعجلهم الأمر جزعا من الضرب. ومن رفع صوته في المسجد ضرب على قدر ما يراه الضارب (له صلاحا). وزكاة الفطر يأخذونها وينفقونها على أنفسهم.
وممّا يحفظ من جهل عبد الله بن ياسين أنّ رجلا اختصم إليه مع تاجر غريب عندهم، فقال التاجر في بعض مراجعته لخصمه: حاشى لله أن يكون ذلك.
فأمر عبد الله بضربه وقال: لقد قال كلاما فظيعا وقولا شنيعا يوجب عليه أشدّ الأدب. وكان بالحضرة رجل قيرواني فقال لعبد الله: وما تنكر من مقالته؟
والله ﷿ (قد ذكر ذلك في كتابه فقال) حكاية عن النسوة اللّائي قطعن أيديهنّ في قصّة يوسف: حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلّا ملك كريم. فرفع الضرب عن ذلك الرجل.
وأمير المرابطين إلى اليوم- وذلك سنة ستّين وأربعمائة- أبو بكر بن عمر، وأمرهم منتشر غير ملتئم ومقامهم بالصحراء، وجميع قبائل الصحراء يلتزمون النقاب وهو فوق اللثام حتّى لا يبدو منه إلّا محاجر عينيه، ولا يفارقون ذلك في حال من الأحوال ولا يميّز رجل منهم وليه ولا حميمه إلّا إذا تنقّب، وكذلك في المعارك إذا قتل منهم القتيل وزال قناعه لم يعلم (من هو) حتّى يعاد عليه القناع، وصار ذلك لهم ألزم من جلودهم وهم يسمّون من خالف زيّهم هذا من جميع الناس أفواه الذبان بلغتهم. وطعامهم صفيف اللحم الجافّ مطحونا يصبّ عليه الشحم المذاب أو السمن، وشرابهم اللبن قد غنوا به عن الماء، يبقى الرجل منهم الأشهر لا يشرب ماء، وقوّتهم مع ذلك مكينة وأبدانهم صحيحة.
ومن سير أهل الصحراء في المتّهم بالسرقة أن يعمدوا إلى عود فيشقّ باثنين ويشدّ على صدغيه في مقدم رأسه ومؤخّره فلا يتمالك أن يقرّ ولا يصبر على ذلك الضغط لحظة لشدّته.
وممّا في هذه الصحراء من الحيوان اللمط، وهو دابّة دون البقر لها قرون دقاق حادّة لذكرانها وإناثها، وكلّما كبر منها الواحد طال قرناه حتّى يكون أكبر من أربعة أشبار. وأجود الدرق وأغلاها ثمنا ما صنع من جلود العواتق منها، وهي الّتي طال قرناها لكبر سنّها فمنع الفحل علوّها. ودوابّ الفنك أكثر شيء في هذه الصحراء ومنها يحمل إلى جميع البلاد. وعندهم الكباش الدمانية خلقها خلق الضأن إلّا أنّها أجمل وشعرها شعر الماعز لا أصواف لها، وهي أحسن الغنم خلقا وألوانا. ولا تنبت هذه الصحراء ولا بلاد أغمات ولا السوس شجر المرسين، وهو شجر الآس وهو عندهم عزيز يجلب إليهم من سائر البلاد.
ومن غرائب تلك الصحراء معدن ملح على يومين من المجابة الكبرى وبينه وبين سجلماسة مسيرة عشرين يوما، تحفر عنه الأرض كما تحفر عن سائر المعادن والجواهر، ويوجد تحت قامتين أو دونها من وجه الأرض وتقطع كما تقطع
الحجارة، ويسمّى هذا المعدن تاتنتال وعليه حصن مبني بحجارة الملح، وكذلك بيوته ومشارفه وغرفه كلّ ذلك ملح، ومن هذا المعدن يتجهّز بالملح إلى سجلماسة وغانة وسائر السودان، والعمل فيه متّصل والتجّار إليه متسايرون وله غلّة عظيمة. ومعدن للملح آخر عند بني جدالة بموضع يسمّى أوليل على شاطىء البحر، ومن هناك تتحمّله الرفاق أيضا إلى ما جاوره.
وبقرب أوليل في البحر جزيرة تسمّى ايونى، وهي عند المدّ جزيرة لا يوصل إليها من البرّ وعند الجزر يوصل إليها على القدم، ويوجد فيها العنبر، وأكثر معاش أهلها من لحوم السلاحف وهي أكثر شيء عندهم في ذلك البحر وهي مفرطة العظم، وربّما دخل الرجل منهم في محار ظهورها فيتصيّد فيها كالقارب. (وسنذكر من كبر السلاحف بطريق تيرقى ما هو أشنع من هذا). ولهم أغنام ومواش، وهذه الجزيرة مرسى من المراسي، والطريق منها إلى نول على ساحل البحر لا يفارقه مسيرة شهرين مشي العير في أرض أكثرها صفى ينبو عنه الحديد وتكلّ فيه المعاول. وإنّما يشربون في طريقهم من قلات يحتفرونها عند جزر البحر فتبضّ ماء عذبا. وإذا مات لهم ميّت في طريقهم هذا لم يمكنهم مواراته لصلابة الأرض وامتناعها على الحفر، فيسترونه بالحطام والحشيش أو يقذفونه بالبحر.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع