من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر بلاد السودان ومدنها المشهورة واتّصال بعضها ببعض والمسافات بينها وما فيها من الغرائب وسير أهلها
المصاقبون لبلاد السودان بنو جدالة، هم آخر الإسلام خطّة. وأقرب بلاد السودان منهم صنغانة، بين آخر بلادهم وبينها مسيرة ستّة أيّام، ومدينة صنغانة مدينتان على ضفّتي النيل وعمارتها متّصلة إلى البحر المحيط.
ويلي مدينة صنغانة ما بين الغرب والقبلة على النيل مدينة تكرور أهلها سودان، وكانوا على ما كان سائر السودان عليه من المجوسية وعبادة الدكاكير، والدكور عندهم الصنم، حتّى وليهم وارجابي بن رابيس فأسلم وأقام عندهم شرائع الإسلام وحملهم عليها وحقّق بصائرهم فيها.
وتوفّي وارجابي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فأهل تكرور اليوم مسلمون.
(وتسير من مدينة تكرور إلى مدينة سلى، وهي مدينتان على شاطىء النيل أيضا وأهلها مسلمون) أسلموا على يدي وارجابي ﵀. وبين سلى ومدينة غانة مسيرة عشرين يوما في عمارة السودان القبيلة بعد القبيلة. وملك سلى بحارب كفّارهم وليس بينه وبين أوّلهم إلّا مسيرة يوم واحد، وهم أهل مدينة قلنبو، وهو واسع المملكة كثير العدد يكاد يقاوم ملك غانة. وتبايع أهل سلى بالدرّة والملح وحلق النحاس وأزر لطاف من قطن يسمّونها الشكيات. والبقر عندهم كثير وليس عندهم ضأن ولا معز، وأكثر نبات
أرضهم الأبنوس ومنه يحتطبون. وفيما يتّصل ببلادهم من النيل في موضع يقال له صحابي حيوان في الماء يشبه الفيل في عظم خلقته وفنطيسته وأنيابه يسمّونه قفوا، وهو يرعى في البراري ويأوي إلى النيل، وهم يميّزون موضعه من النيل بتحرّك الماء على ظهره فيقصدونه بمزاريق حديد، فصار في أسافلها حلق قد شدّت فيها الحبال المديدة، فيرمونه بالعدد الكثير منها فيغوص ويضطرب في أسفل النيل، فإذا مات طفا على الماء، فجذبوه وأكلوا لحمه وصنعوا من جلده هذه الأسواط الّتي تسمّى السريافات، (ومن هناك تحمل إلى الآفاق.
ويلي هذا البلد مدينة قلنبو بينهما مسيرة يوم على ما تقدّم، وهي على النيل وأهلها مشركون. وتتّصل بمدينة قلنبو مدينة ترنقة، وهو بلد عريض، وعندهم تصنع الأزر المسمّاة بالشكيات) الّتي تقدّم ذكرها، وهي أربعة أشبار في مثلها. وليس في بلدهم كثير قطن غير أنّهم لا تكاد تخلو دار أحدهم من شجرة قطن.
وحكم أهل هذه البلاد والمذكور قبلها من بلاد السودان أن يخيّر صاحب السرقة في بيع السارق أو قتله، وحكمهم في الزاني أن يسلخ من جلده.
ومن ترنقة تصل العمارة بالسودان إلى بلد زافقو، وهم صنف من السودان يعبدون حيّة كالثعبان العظيم ذا عرف وذنب رأسه كرأس البختي، وهو في مغارة بالمفازة وعلى فم المغارة عريش وأحجار ومسكن قوم منهم متعبّدين معظّمين لتلك الحيّة، ويعلّقون نفيس الثياب وجرّ المتاع على ذلك العريش ويضعون له جفان الطعام وعساس اللبن والشراب. وهم إذا أرادوا إخراجه إلى العريش تكلّموا كلاما وصفروا صفيرا معلوما فيبرز إليهم. وإذا هلك والي من ولاتهم جمعوا كلّ من يصلح للمملكة وقرّبوهم إليها وتكلّموا بكلام يعلمونه، فتدنو الحيّة منهم فلا تزال تشمّهم رجلا رجلا حتّى تنكز أحدهم بأنفها، فإذا نكزته ولت إلى المغارة فيتبعها ذلك المنكوز بأجدّ ما يقدر عليه من السير، فيجذب من ذنبها أو من عرفها بأشدّ ما يقدر عليه من شعرات، فتكون مدّة ملكه لهم بعدد تلك الشعرات لكلّ شعرة سنة، لا يخطيهم ذلك بزعمهم.
وتليهم بلاد الفرويين، وهي مملكة الفرويّين على حدتها، ومن غريب ما فيها بركة يجتمع فيها الماء ينبت فيها نبات أصوله أبلغ شيء في تقوية الباه والعون عليها، والملك يمنع منها ولا يصل منها شيء إلى غيره، وله من النساء عدد عظيم، فإذا أراد أن يطوف عليهنّ أنذرهنّ قبل ذلك بيوم، ثمّ استعمل ذلك الدواء فيطوف عليهنّ كلّهنّ ولا يكاد ينكسر. وقد أهدى إليه بعض (ملوك المسلمين) المجاورين له هدية نفيسة واستهداه شيئا من هذا النبات. فعارضه على هديته وكتب إليه يقول: إنّ المسلمين لا يحلّ لهم
من النساء إلّا قليل، وقد خفت عليك إن بعثت إليك الدواء أن لا تقدر على إمساك نفسك فتأتي بما لا يحلّ لك في دينك، ولكنّي قد بعثت إليك نباتا يأكله الرجل العقيم فيولد له. وبلاد الفرويّين يبدّل الملح فيها بالذهب.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع