تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر غانة وسير أهلها

وعانة سمة لملوكهم، واسم البلد أوكار واسم ملكهم اليوم- وهي سنة ستّين وأربعمائة- تنكامنين، وولي سنة خمس وخمسين. وكان اسم ملكهم قبله بسي، ووليهم وهو ابن خمس وثمانين سنة، وكان محمود السيرة محبّا للعدل مؤثّرا للمسلمين، وعمي في آخر عمره، فكان يكتم ذلك عن أهل مملكته ويريهم أنّه يبصر وتوضع بين يديه أشياء فيقول: هذا حسن وهذا قبيح وكان وزراؤه يلبسون ذلك على الناس ويلغزون للملك بما يقول، فلا تفهمه العامّة. وبسي هذا خال تنكامنين، وتلك سيرتهم ومذهبهم أنّ الملك لا يكون إلّا في ابن أخت الملك لأنّه لا يشكّ فيه أنّه ابن أخته وهو يشكّ في ابنه ولا يقطع على صحّة اتّصاله به.

وتنكامنين هذا شديد الشوكة (عظيم المملكة مهيب السلطان). ومدينة غانة مدينتان سهليّتان إحداهما المدينة الّتي يسكنها المسلمون، وهي مدينة

كبيرة فيها اثنا عشر مسجدا أحدها يجمعون فيه، ولها الأئمّة والمؤذّنون والراتبون، وفيها فقهاء وحملة علم. وحواليها آبار عذبة منها يشربون وعليها يعتملون الخضراوات. ومدينة الملك على ستّة أميال من هذه وتسمّى بالغابة والمساكن بينهما متّصلة، ومبانيهم بالحجارة وخشب السنط.

وللملك قصر وقباب، وقد أحاط بذلك كلّه حائط كالسور. وفي مدينة الملك مسجد يصلّي فيه من يفد عليه من المسلمين على مقربة من مجلس حكم الملك. وحول مدينة الملك قباب وغابات وشعراء يسكن فيها سحرتهم، وهم الّذين يقيمون دينهم. وفيها دكاكيرهم (وقبور ملوكهم)، ولتلك الغابات حرس ولا يمكن أحدا دخولها ولا معرفة ما فيها، وهناك سجون الملك، فإذا سجن أحد فيها انقطع عن الناس خبره.

وتراجمة الملك من المسلمين، وكذالك صاحب بيت ماله وأكثر وزرائه، ولا يلبس المخيط من أهل دين الملك غيره وغير ولي عهده، وهو ابن أخته، ويلبس سائر الناس ملاحف القطن والحرير والديباج على قدر أحوالهم. وهم أجمع يحلقون لحاهم ونساؤهم يحلقن رؤوسهنّ، وملكهم يتحلّى بحلى النساء في العنق والذراعين ويجعل (على رأسه) الطراطير المذهّبة عليها عمائم القطن الرفيعة.

وهو يجلس للنّاس والمظالم في قبّة ويكون حوالي القبّة عشرة أفراس بثياب مذهّبة ووراء الملك عشرة من الغلمان يحملون الحجف والسيوف المحلاة بالذهب، وعن يمينه أولاد ملوك بلده قد ضفروا رؤوسهم بأنواع الذهب وعليهم الثياب الرفيعة، ووالي المدينة بين يدي الملك جالس في الأرض وحواليه الوزراء جلوسا على الأرض. (وعلى باب القبّة كلاب منسوبة) لا تكاد تفارق موضع الملك تحرسه، في أعناقها سواجير الذهب والفضّة يكون في الساجور عدد رمّانات ذهب وفضّة. وهم ينذرون بجلوسه بطبل يسمّونه دبا، (وهو خشبة طويلة منقورة، فيجتمع الناس، فإذا دنا أهل دينه منه جثوا على ركبهم ونثروا التراب على رؤوسهم، فتلك) تحيتهم له. وأمّا المسلمون فإنّما سلامهم عليه تصفيقا باليدين.

وديانتهم المجوسية وعبادة الدكاكير. وإذا مات ملكهم عقدوا له قبّة عظيمة من خشب الساج ووضعوها في موضع قبره، ثمّ أتوا به على سرير قليل الفرش والوطاء فأدخلوه في تلك القبّة ووضعوا معه حليته وسلاحه وآنيته الّتي كان يأكل فيها ويشرب، وأدخلوا فيها الأطعمة والأشربة وأدخلوا معه رجالا ممّن كان يخدم طعامه وشرابه وأغلقوا عليهم باب القبّة وجعلوا فوق القبّة الحصر والأمتعة، ثمّ اجتمع الناس فردموا فوقها بالتراب حتّى تأتي كالجبل الضخم، ثمّ يخندقون حولها حتّى لا يوصل إلى ذلك الكوم إلّا من موضع واحد. وهم يذبحون لموتاهم الذبائح ويقرّبون لهم الخمور.

ولملكهم على حمار الملح دينار ذهب في إدخاله البلد وديناران في إخراجه، وله على حمل النحاس خمسة مثاقيل وعلى حمل المتاع عشرة مثاقيل. وأفضل الذهب في بلاده ما كان بمدينة غياروا، وبينها وبين مدينة الملك مسيرة ثمانية عشر يوما في بلاد معمورة بقبائل السودان مساكن متّصلة. وإذا وجد في جميع معادن بلاده الندرة من الذهب استصفاها الملك، وإنّما يترك منها للناس هذا التبر الرقيق، ولولا ذلك لكثر الذهب بأيدي الناس حتّى يهون. والندرة تكون من أوقية إلى رطل، ويذكر أنّ عنده منه ندرة كالحجر الضخم. وبين مدينة غيارو والنيل اثنا عشر ميلا وفيها من المسلمين كثير. وغانة بلدة مستوبية غير آهلة لا يكاد يسلم الداخل فيها من المرض عند امتلاء زرعهم، ويقع الموتان في غربانها عند استحصاد الزرع.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.