من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر نبذ من سير البربر وسياساتهم سوى ما وقع منها مفترقا في موضعه من هذا الكتاب
ذكروا أنّ رجلا شيخا خرج مع امرأته وكانت شابّة يريد قلعة حماد، فصحبه في بعض الطريق (فتى شابّ) كلف بتلك المرأة وكلفت به، فتواطيا على أن يدّعي كلّ واحد منهما زوجيّة الآخر ويسقطا الشيخ. فلمّا وصلا إلى القلعة شكا ذلك الشيخ إلى حماد ما دهمه من أمرهما ووصف له حاله معهما.
فوقف حماد الشاب والمرأة فتقارا على نكاحهما وأنكرا ما يدّعيه الشيخ. فجعل حماد يباحث الشيخ هل صحبهم في طريقهم أحد أو هل له شبهة، فقال: ما صحبنا في طريقنا أحد غير هذا الكلب، فأندلى لكلب كان معه.
فأمر الشيخ بربط الكلب إلى تمرة أو وتد (كان هناك، ثمّ أمر المرأة بحلّه، فذهبت إليه فأرسلته). ثمّ أمرها بربطه والكلب لا ينكر شيئا من ذلك.
ثمّ قال للشابّ: قم فارسل الكلب ثمّ اربطه. فلمّا همّ بذلك نبحه الكلب وأنكره، فقال للمرأة: هذا زوجك الشيخ وهذا الفاسق يخلّفك عليه.
وأمر بضرب عنق الفتى.
وذكر أنّ رجلا كان له امرأتان وكان كلفا بآخرتهما نكاحا. فقالت له الأولى: إنّ هذه الّتي تكلف بها تخونك وإنّها تفجر مع غلام لها. فاستعمل الركوب والسقوط عن الدابّة وسيق إلى منزل امرأته الأخيرة محمولا لا يقلّب
عضوا بزعمه، فاجتمع أهله ونساؤه إليه يمرّضونه ويلطّفونه إلى أن مضى هزيع من اللّيل، فعزم عليهم وصرفهم إلى منازلهم، وبقي مع امرأته واستعمل النوم والتثاقل حتّى كأنّه مغمى عليه. فرأى امرأته قد خرجت عنه إلى البيت الّذي كان فيه المتّهم بها، فجمع حسّه وصار عند باب البيت يستمع، فسمعه يقول لها: أبطأت عليّ وتركتني بلا عشاء.
فقالت: حبسني عنك شغلي بهذا الرجل، فلا تلمني فأنت للنفس وهو للولد. فصمت على ما سمع وتغافل عنه ورجع إلى مضجعه. فما كان إلّا ضحى الغد حتّى تنادى حي ذلك الموضع وأصباحاه. فثاروا إلى العدوّ ورأى هذا الساقط التحامل على نفسه والأنفة من تخلّفه، فلبس سلاحه وركب فرسه وحمل ذلك المتّهم فيمن حمل من أتباعه معهم السلاح. فلمّا برزوا إلى عدوّهم أمر ذلك المتّهم بالتقدّم بين يديه، فلم يجد الى الحيدة سبيلا.
فلما خالط به العدو وكلل عنه مدبرا، فكان اول صريع ولم يعلم احد شيئا من أمرهما. ثمّ انصرف إلى منزله فحمدت امرأته الله على سلامته، فقال لها: لكنّ الّذي للنفس لم يسلم، فإنّي إنّما للولد. فعلمت أنّه قد سمع مقالتها فقالت: أرسلني إلى أهلي. فقال: اذهبي. فلمّا أبطأت عليه أتى أهلها فقال: ما بال امرأتي لا تعود إلى منزلها؟ فقالوا له: إنّا لا نقدر على صرفها. فقال: وأنا لا أقدر على فراقها. فلجّ بهم الأمر حتّى افتدت منه بجميع ما حمل إليها في صداقها وما تكلّف لها عند إملاكها، فلمّا قبض ذلك ووصل إليه قال لهم: أمّا إذ وصلت إلى حقّي فإنّ الشأن كيت وكيت، وأخبرهم بالقصّة. فقرّرها أهلها واستبانوا الريبة فيها فقتلوها. فبلغ بسياسته إلى التشفّي منها بغير يده وتخلّص من عشيرته وعشيرة امرأته واسترجع جميع حقّه.
وشبيه بهذا عن بعض كبرائهم أيضا أنّه اتّهم امرأته وأخبر أنّه إذا غاب خالفه رجل من أهل ناحيته إلى امرأته. فاستعمل سفرا بعيدا وذكر ذلك لقبيله، فتجهّز معه نفرا لذلك. فلمّا صاروا وانتهوا إلى أدنى مرحلة اعتذر لهم بعذر يضطرّه إلى الانصراف (وعزم عليهم في النفوذ لطيّتهم) فكرّ راجعا حتّى أتى بعض الشعاب مساء، فأخفى فيه فرسه وسلاحه وأتى أهله متستّرا متجسّسا، فتسلّق جدارا أو مكانا يطلع منه على منزله آمنا أن يعلم به منه. فرأى امرأته على ما يكره مع ذلك الرجل المتّهم. فولّى راجعا إلى الشعب ولبس سلاحه وركب فرسه وأتى المنزل. فلمّا علم به أهله ارتاعوا وأخفوا ذلك الفاجر في بيت من الدار. ودخل ربّ المنزل غير مكترث واعتذر في رجوعه بعذر قبلته امرأته وجعلت تحاول له طعاما. فلمّا كمل قربته إليه، فقال: احضري ضيفك. قالت: وهل لي من ضيف؟ قال: نعم هو ذاك في البيت الكذا. فناكرته فقام إليه واستخرجه وقال: هلمّ إلى طعامنا.
فقال له: ما لي إلى الأكل من حاجة وإنّي إلى الموت أحوج لما نالني من هذه الفضيحة. قال: لا بأس عليك فقد افتتن من هو خير منك، ولم يزل به حتّى طعم.
ثمّ أرسله عن منزله مستترا مسلّما لم يربه بريب. ثمّ أقبل على امرأته فقال:
لا تعيي ممّا جرى لك فإنّ النساء قد يزللن ويملن بهواهنّ، والمعصوم من الناس قليل، وعندي من الستر لأمرك والطي لخبرك ما يسرّك، وقد علمت أنّه لم يحملك على ما صنعت إلّا هوى غلب عليك غيّه، وأنا تارك بينك وبين هذا الّذي أحببته تنكحينه وتتشفّين منه جهارا من غير ريبة، على أن تشترطي
لي شرطا وتعقد لي على نفسك عقدا تلتزمينه. فأجابته إلى ذلك وقالت: ما شرطك؟ قال: إنّك إذا أكملت عنده عاما أن ترسلي إليّ فأمرّ بك وهو حاضر، فتخرجين إليّ متزيّنة في ثياب تشفّ وتتكلّمين معي في أمره وتتشكّين سوء عشرته فستحمله الغيرة على طلاقك، فأعود إلى حالي معك بعد أن تقضي حاجة نفسك وترتفع عنّي الريب في أمرك باختيارك لي على هذا الّذي قد مال بك. وقد علم سوء خلق صاحبه وتهافته إلى الشرّ وقلّة ملكه لنفسه. فعاقدته على ذلك.
ثمّ أرسل إلى أبيها وأهل بيتها فصنع لهم طعاما فأطعمهم، ثمّ قال لهم: سلوا ولّيتكم كيف كانت صحبتي لها ومعاشرتي إيّاها. فسألوها فأثنت خيرا ووصفت مجاملة وبرّا. فقال: اسألوها ما بالها أتريد المقام عندي. فسألوها فقالت: إنّي أكرهه وأبغض قربه وأحبّ بعده ولا أجد من نفسي معينا على غير ذلك، وقد جاهدتها على الاستمرار في صحبته، فعزفت بي عن ذلك عزوفا لا رجعة معه، فلا تتركوني معه فإنّ ذلك يقتادني إلى الحمام ويفضي بي إلى أنواع السقام، وقد تبرّأت إليه من جميع حقّه. والزوج في ذلك كلّه يظهر الرغبة فيها والاشفاق من مفارقتها. فما انفض جمعهم حتّى ملكت أمرها ورجعوا على زوجها ما صيّر إليها من حقّها وشكروه على برّه بها وولوها الملامة في جميع أمرها. فلمّا حلّت للأزواج كان الغادر بها أوّل خاطب لها، فتزوّجته ومكثت معه حولا وهي تستبطي مرور الحول لما خبرته من فضل الأوّل على هذا. فلمّا انقضى بعثت إلى الأوّل على ما عاقدته معه، فخرج مارّا على منزلها فتلقّته في قميص يصفها وينمّ بجسمها تشكو زوجها وهو قاعد مع جماعتها. فلمّا رأى ذلك لم يتمالك
غيرة أن قام إليها وطعنها طعنة كانت فيها نفسها. فعمد إليه أهلها وإخوتها فقتلوه. واختلف الفريقان وزحف بعضهم إلى بعض، فكادت الحرب تفنيهم. وتمّ للزوج الأوّل المراد فيهما ولم يرزأ في نفسه ولا في ماله بمقدار قلامة.
وحدّثوا أنّ حمادا قال: ما تداهى أحد قطّ عليّ ولا خدعني إلّا امرأة وكعاء من البربر. قيل له: وكيف كان ذلك؟ قال: نعم إنّ صاحبا كان لي بالقيروان نشأ معي نشأة واحدة لم يفرق بيننا مكتب ولا مشهد، وكنت قد خلطته بنفسي وجعلته محلّ أنسي. فلم يزل على ذلك حتّى صرت إلى ما أنا فيه ففقدته فجعلت أفتقده فلا أقدر عليه ولا أجد سببا للوصول إليه. فلمّا أن عتبت على أهل باغاية وشننت عليها الغارات لم أنشب صبيحة ذلك اليوم أن سمعت مناديا ينادي: يا لله يا للأمير. فقلت: ما بالك ومن أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان. فإذا به صاحبي المطلوب قد حبسه عنّي نسكه وغلب على هواه ورع يملكه. فأظهرت البشر بمكانه والجذل بشأنه، ولو شفع في جميع أهل باغاية لشفعته. فجعلت ألطّفه وأؤنّسه وهو كالولهان، فسألته عن أمره فقال إنّه فقد بنته فيمن فقد من النساء. فقلت له: والله لو خرجت إليّ بالأمس لحقنت دماء أهل بلدك لحرمتك عندي. فقال: القدر غالب والمحروم خائب.
قال حماد: ثمّ أمرت القواد فأحضروا جميع ما كان في جيوشهم من النساء فعرف فيهنّ بنته. قال: فأمرت بسترها وحملها مع أبيها، فرفعت صوتها قائلة: لا والله يا حماد، لا رجعت مع أبي ولا رجعت مع الّذي غصبني.
قلت: وما تريدين ويلك؟ قالت: إنّي لا أصلح إلّا للملوك فلا حاجة لي في السّوقة. فلمّا سمع ذلك أبوها سكن ما كان في نفسه وظنّ أنّها قد فتنت وفسدت عليه. قال حمّاد: فقلت لها: ومن أين لا تصلح إلّا للملوك؟
قالت: لأنّ عندي علما لا أشارك فيه ولا يدّعيه غيري. قلت: ألا أريتنا شيئا من ذلك؟ فقالت: نعم، تأمر بقتل إنسان تحضر أمضى سيف أتكلّم عليه بكلمات تمنع من تأثيره ويعود بيد حامله أكلّ من قائمه. قال حمّاد: فقلت: الّذي يجرّب هذا فيه لمغرور. قالت: أو يتّهم أحد أن يريد قتل نفسه؟ قلت لا. قالت: فإنّي أريد أن يجرّب ذلك فيّ. فتكلّمت على سيف اختاروه ومدّت عنقها، فضربها السيّاف ضربة أبان رأسها.
فاستيقظت من غفلتي وعلمت أنّها تداهت عليّ وكرهت العيش بعد الّذي جرى لها وعليها. واستبان لأبيها من ذلك مثل الّذي بان لي، فجعل يلقي بنفسه عليها ويتمرّغ في دمها أسفا لما حلّ به منها واغتباطا بها لما رأى من عظم أنفتها واختيارها الموت على ما نزل بها.
وبنو وارسيفان قبيل من البربر إذا أرادوا مباشرة الحرب تقرّبوا بذبح بقرة سوداء للشماريخ- وهم عندهم الشياطين- ويقولون: هذا ذبح للشماريخ، ويفتحون أوعيتهم في تلك الليلة من الطعام والعلف فلا يكون له وكاء ولا سداد، ويقولون: هذا طعام وعلف للشماريخ. فإذا غدوا
للقتال توقّفوا حتّى يروا زوابع الريح فيقولون: قد جاءت الشماريخ أولياؤكم لتفديكم، فيحملون عند ذلك فينتصرون بزعمهم. ويقولون إنّ ذلك لا يخطيهم وجماعتهم يعتقد ذلك غير مستترين به. وهم إذا أضافوا الضيف جعلوا من طعامه للشماريخ ويزعمون أنّه يأكلونه الّذي يوضع لهم. وينهون عن ذكر اسم الله عند شيء من ذلك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع