تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الطريق من تادمكّة إلى غدامس

ومن تادمكّة إلى غدامس أربعون مرحلة في الصحراء، والماء فيها على مسيرة اليومين والثلاثة أحساء. وغدامس مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه وأهلها بربر مسلمون. وبغدامس دواميس كانت سجنا للكاهنة الّتي كانت بإفريقية.

وأكثر طعام أهل غدامس التمر، والكمأة تعظم عندهم حتّى تتّخذ فيها الأرانب جحرة. وبين غدامس وجبل نفوسة سبعة أيّام في الصحراء، وبين نفوسة ومدينة أطرابلس ثلاثة أيّام على ما تقدّم.

وطريق آخر من تادمكّة إلى غدامس: تسير من تادمكّة ستّة أيّام في عمارة سغمارة، ثمّ في مجابة أربعة أيّام إلى الماء، ثمّ في مجابة ثانية أربعة أيّام، وفي هذه المجابة الثانية معدن لحجارة تسمّى تاسي النسمت، وهي حجارة تشبه العقيق وربّما كان في الحجر الواحد ألوان من الحمرة والصفرة والبياض وربّما وجد فيها في النادر الحجر الجليل الكبير، فإذا وصل به إلى أهل غانة غالوا فيه وبذلوا فيه الرغائب، وهو أجلّ عندهم من كلّ علق يقتنى، وهو يجلى ويثقّب بحجر آخر يسمّى تنتواس كما يجلى الياقوت ويثّقب بالسنباذج، لا يعمل فيه الحديد شيئا إلّا بالتنتواس ولا يوصل إليه ولا يعلم موضعه حتّى ينحر الإبل على معدنه وينضج دمه، فحينئذ يظهر ويلقّط. وفي بونو معدن للتاسي أنسمت أيضا، ومعدن هذه المجابة أفضل.

وتسير من هذه المجابة الثانية إلى مجابة ثالثة، وفي هذه المجابة معدن الشبّ ومنه يحمل إلى البلاد. وتسير من هذه المجابة إلى مجابة رابعة أحد عشر يوما في رمال جرد لا ماء فيها ولا نبت، يتزوّد الرفاق الماء والحطب فيها كما يتزوّد الطعام والعلف، وعلى يسار السائر في هذه المجابة جبل الرمل الأحمر الّذي يتّصل بسجلماسة، وهو الّذي يكون فيه الفنك والثعلب الدهي، وهو آخر حدّ إفريقية.

وإذا سار السّائر من بلاد كوكو على شاطىء البحر غربا انتهى إلى مملكة يقال لها الدمدم يأكلون من وقع إليهم، ولهم ملك كبير وملوك تحت يده، وفي بلدهم قلعة عظيمة عليها صنم في صورة امرأة يتألهون له ويحجّونه.

وبين تادمكّة ومدينة كوكو تسع مراحل، والعرب تسمّي أهلها البزركانيّين. وهي مدينتان مدينة للملك ومدينة للمسلمين، وملكهم يسمّى قندا. وزيّهم كزي السودان (من الملاحف وثياب الجلود وغير ذلك بقدر جدّة الإنسان منهم، وهم يعبدون الدكاكير كما يفعل السودان).

ويضرب لجلوس الملك الطبل وترقص النساء السودانيات بالشعور الجثلة.

المسترسلة، ولا يتصرّف أحد منهم في مدينته حتّى يفرغ من طعامه ويقذف باقيه في النيل، فيجلبون عند ذلك ويصيحون فيعلم الناس أنّه قد فرغ من طعامه. وإذا ولي منهم ملك دفع إليه خاتم وسيف ومصحف يزعمون أنّ أمير المؤمنين بعث بذلك إليهم. وملكهم مسلم لا يملّكون غير المسلمين، ويزعمون أنّهم إنّما سمّوا كوكو لأنّ الّذي يفهم من نغمة طبلهم ذاك، وكذلك أزور وهيروزويلة يفهم من نغمة طبلهم زويلة زويلة. وتجارة أهل بلد كوكو بالملح وهو نقدهم، والملح يحمل من بلاد البربر يقال لها توتك من معادن تحت الأرض إلى تادمكّة، ومن تادمكّة إلى كوكو. (وبين توتك) وتادمكّة ستّ مراحل.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.