من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة قرطبة
ذكر أنّ تفسير قرطبة بلسان القوط قرظبة بالظاء المعجمة، ومعناه بلسانهم القلوب المختلفة، وقيل: معنى قرطبة آخر «فاسكنها». ودور مدينة قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع، [ولها من الأبواب باب القنطرة وهو بقبليّها ومنه يعبر النهر على القنطرة، والباب الجديد وهو بشرقيّها، وباب عامر وهو بين الغرب والجوف منها، وغيرها. وقصر مدينة قرطبة بغربيّها متّصل بسورها القبلي والغربي. وجامعها بإزاء القصر من جهة الشرق، وقد وصل بينهما بساباط يسلك الناس تحته من المحجة العظمى الّتي بين الجامع والقصر إلى باب القنطرة]. وكان طول مسقف البلاطات من المسجد الجامع وذلك من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة مائتين وخمسا وعشرين ذراعا، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وثلاثين ذراعا. (ثمّ زاد الحكم في طوله في القبلة مائة ذراع وخمس أذرع).
فكمل الطول [ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعا]. وزاد محمّد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في (عرضه من) جهة الشرق ثمانين ذراعا. فتمّ العرض مائتين (وثلاثين ذراعا)
وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطا عرض أوسطها ستّ عشرة ذراعا، [وعرض كلّ واحد من اللّذين يليانه شرقا واللّذين يليانه غربا أربع عشرة ذراعا] وعرض كلّ واحد من الستّة الباقية إحدى عشرة ذراعا. وزاد ابن أبي عامر فيه ثمانية بلاطات عرض كلّ واحد عشرة أذرع. وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة وثمان وعشرون ذراعا، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس أذرع، وعرض السقائف المستديرة بصحنه عشر أذرع فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعا.
وعدد أبوابه تسعة منها ثلاثة في صحنه غربا وشرقا وجوفا وأربعة في بلاطاته اثنان غربيان واثنان شرقيان، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان. وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا عمود وثلاثة وتسعون عمودا أساطين رخام كلّها. وقباب مقصورة الجامع مذهّبة وكذلك جدار المحراب وما يليه قد أجرى فيه الذهب على الفسيفساء، وثريات المقصورة فضّة محضة. وارتفاع الصومعة اليوم- وهي من بناء عبد الرحمان بن محمّد- ثلاث وسبعون ذراعا إلى أعلى القبّة المفتّحة الّتي يستدير فيها المؤذّنون. وفي رأس هذه القبّة تفّاح ذهب وفضّة وارتفاعها إلى مكان الآذان أربع وخمسون ذراعا، وطول كلّ حائط من حيطانها على الأرض ثماني عشرة ذراعا.
وعدد المساجد بقرطبة على ما أحصي وضبط أربعمائة وواحد وتسعون مسجدا.
وبقرطبة أقاليم كثيرة وكور جليلة، وكانت جباية هذه الأقاليم في أيّام الحكم بن هشام من ناضّ الحشر وناضّ الطبل وناضّ البيزرة للعام مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، ومن وضيفة القمح مديا أربعة آلاف مدي وستّمائة مدّي وسبعة وأربعين مدّيا، ومن الشعير سبعة وأربعين ألف مدّي.
قال المؤلّف: عقب الفتنة الّتي كانت على رأس أربعمائة من الهجرة واستمرّت إلى وقتنا هذا- وهو سنة ستّين وأربعمائة- عفت آثار هذه القرى وغيّرت رسوم ذلك العمران، فصار أكثرها خلاء بندب ساكنيه. وكذلك حكم الله في كلّ جديد أن يبليه وفي كلّ أهل أن يخليه حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع