من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة إشبيلية
وهي قديمة أوّلية، زعم أهل العلم باللسان اللطيني أنّ أصل تسميتها إشبال معناه المدينة المنبسطة، ويقال إنّ الّذي بناها يوليش قيصر وإنّه أوّل من تسمّى قيصر. وكان سبب بنائه إيّاها أنّه لمّا دخل الأندلس ووصل إلى مكانها أعجب بكرم ساحته وطيب أرضه وجبله المعروف بجبل
الشرف، فردم على النهر الأكبر مكانا وأقام فيه المدينة وأحدق عليها بأسوار من صخر صلب، وبنى في وسط المدينة قصبتين متقنتين عجيبتين تعرفان بالأخوين، وجعلها أمّ قواعد الأندلس واشتقّ لها اسما من اسمه ومن اسم رومية فسمّاها مدينة رومية يوليش، ولم تزل معظّمة عند العجم من ذلك الوقت. وقد كان منها رجال ولوا قيادة العجم العظمى والمملكة بمدينة رومية. وروى ابن وضّاح أنّ المرأة الّتي قتلت يحيى بن زكريا ﵇ من إشبيلية من قرية طالقة. وقد قيل إنّ رأس إشبيلية لقيصر أكتبيان.
ومدينة إشبيلية موفية على النهر وهو في غربيّها. ويذكر في بعض الأخبار أنّ إشبان بن طيطش من ذرّية طوبيل بن يافث بن نوح ﵇، كان أحد أملاك الاشبانيّين خصّ بملك أكثر الدنيا وأنّ بدء ظهوره كان من إشبيلية، فغلظ أمره وبعد صيته وتمكّن في كلّ ناحية سلطانه. فلمّا ملك نواحي الأندلس وطاعت له أقاصى البلاد خرج في السفن من إشبيلية إلى إيليا فغنمها وهدمها وقتل بها من اليهود مائة ألف وسبى مائة ألف وفرّق في البلاد مائة ألف، وأنقل رخامها إلى إشبيلية وماردة وباجة، وأنّه صاحب المائدة الّتي ألفيت بطليطلة وصاحب الحجر الّذي وجد بماردة وصاحب قليلة الجوهر الّتي كانت بماردة أيضا على حسب ما ذكر (في فتح الأندلس)، وأنّه حضر خراب بيت المقدس الأوّل مع بخت نصر وحضر الخراب الّذي كان مع قيصر بشبشيان وأدريان، ويذكر أنّه من طالقة إشبيلية. وفي سنة عشرين من دولته أتقن بنيان إيلياء. وكان
من مضى من ملوك الأعاجم يتداولون بمسكنهم أربعة من مدن الأندلس: إشبيلية وماردة وطليطلة وقرطبة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها.
وكان سور إشبيلية من بناء الإمام عبد الرحمان بن الحكم بناه بعد غلبة المجوس عليها بالحجر أحكم بناء. وكذلك جامعها اليوم من بنائه وهو من عجيب المباني وجليلها، وصومعته بديعة الصنعة غريبة العمل أركانها الأربعة عمد (فوق عمد) إلى أعلاها، في كلّ ركن ثلاثة أعمدة. فلمّا مات عبد الرحمان بن إبراهيم بن حجّاج- وذلك في محرّم سنة إحدى وثلاثمائة- (قدّم أهلها) أحمد بن مسلمة، وكان من أهل البأس والنجدة، فأظهر العناد وجاهر بالخلاف، فأخرج إليه (عبد الرحمان بن محمّد) قائدا (من قوّاده) بعد قائد حتّى افتتحها على يدي الحاجب يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة، (واستعمل عليها سعيد) بن المنذر المعروف بابن السليم، فهدم سورها وألحق أعاليه بأسفله وبنى القصر (القديم المعروف بدار الإمارة) وحصنه بسور صخر رفيع وأبراج منيعة، وهو على ذلك إلى اليوم. وبنى سور المدينة (في الفتنة بالتراب. وله من) الأبواب باب أبي العاص غربي ومنه الخروج إلى الشرق، وباب حميدة غربي أيضا (بإزاء المقبرة، وباب قرمونة) شرقي.
ويطلّ على إشبيلية جبل الشرف، وهو شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة فراسخ في فراسخ طولا وعرضا، لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه. ولها كور جليلة ومدن كثيرة وحصون شريفة.
وبإشبيلية آثار للأوّل كثيرة، وبها أساطين [عظام تدلّ على هياكل كانت بها]. وإشبيلية من الكور (المجنّدة نزلها جند حمص)، ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق.
ولإشبيلية من الأقاليم: إقليم المدينة، (إقليم ألية)، إقليم السهل، إقليم الشعراء، إقليم البصل، إقليم طالقة، إقليم الشرف، إقليم الوادي، إقليم طشانة، إقليم الفحص، إقليم قرطشانة، إقليم المنستير. وانتهت جبايتها في أيّام الأمير الحكم بن هشام خمسة وثلاثين ألف دينار ومائة دينار.
وفي إقليم طالقة وجدت صورة جارية من مرمر (معها صبي وكأنّ حيّة تريده)، لم يسمع في الأخبار ولا رئي في الآثار صورة أبدع منها جعلت في بعض الحمّامات وتعشّقها جماعة من العوامّ.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع