من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر ما بظاهر حلب من الجوامع
الجامع الّذي بالحاضر السليمانيّ أنشأه أسد الدين شِيرْكُوه بن شادي بن مروان بن يعقوب صاحب حمصٍ ووسّع بناءه الأمير سيف الدين عليّ بن عَلَم الدين سليمان لن جَنْدر وبنى إلى جانبه مدرسةً وتربةً ودُفن بها تُقام به الخطبة.
وفي الرمادة جامع تُقام به الخطبة يُعرف بالبَخْتيّ.
وفي بانَقُوساً جامع تُقام فيه الخطبة يُعرَف بعيسى الكردي الهكَّاريّ كان شحنة الشرطة بحلب.
ذكر جامع القلعة كنيستان إحداهما كانت قبل أن تُبنى مذبحاً لإبراهيم الخليل صلع وكان به صخرة يجلس عليها لحلب المواشي. ثمّ بُنِي مسجداً جامعاً في أيّام بني مرداس وكان يُعرَف بمقام إبراهيم الأعلى وبه تُقام الخطبة وهو موضع مبارك يُزار. وذكر ابن بُطلان في بعض رسائله أنّه كان بقلعة حلب المذبح الّذي قرّب عليه إبراهيم الخليل صلع فغُيّر يعد ذلك مسجداً في أيّام بني مرداس.
وذكر ابن العظيميّ في تأريخه قال: في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ظهر ببعلبكّ في حجر منقور رأس يحيى بن زكريّاء عم فنُقِل إلى حمص ثمّ نُقل إلى مدينة حلب في هذه السنة ودُفن بهذا المقام المذكور في جرن من الرخام الأبيض ووُضع في خزانة إلى جانب المحراب وأُغلقت ووُضع عليها ستر يصونها.
وذكر كمال الدين بن العديم في تأريخه أنّ الملك العادل نور الدين بن عماد الدين زنكي جدّد عمارته. ووفي سنة تسع وستّمائة في أيّام الملك الظاهر غياث الدين غازي احترق بنار وقعت فيه وكان به من الخيم والسلاح وآلات الحرب ولم يحترق الجرن ودفع الله سبحانه عنه النار وهذا يدلّ على أنّ الرأس التي أُضيفت إلى يحيى به لأنّ النار لم تصل إليه وحُمي منها. وذكر كمال الدين أيضاً أنّ أبا الحسن عليّ بن أبي بكر الهرويّ أخبره قال: بقلعة حلب في مقام إبراهيم صلع صندوق فيه قطعة من رأس يحيى بن زكريّاء عم ظهر في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
وأمّا الكنيسة الأخرى فهي المقام الأسفل الّذي كان لإبراهيم الخليل عم وبه صخرة لطيفة تُزار. ويقال إنّ إبراهيم الخليل عم كان يجلس عليها أيضاً. ولم يُحقَّق من أَنشأ هذا المقام من ملوك الملّة الإسلاميّة والّذي تحقّق أنّ الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي جدّده أيضاً وزخرفه وكان كثير الصلاة والتعبّد فيه وبُني به صهريج مرصَّص يملأ في كل سنة ووقف عليه وقفاً بظاهر حلب حصّةً في أرحاء بالغربيّة.
ولمّا تسلّم التتر قلعة حلب صلحاً على ما سيأتي ذكره في موضعه من هذا الكتاب فأخربوها أحرقوا الجامع المذكور مع أماكن أخر وذلك في تاسع ربيه الأوّل سنة ثمان وخمسين. ولمّا عادت التتر إلى حلب في المرّة الثانية وجدوا أهل حلب قد بنوا بالقلعة برجاً للحمام فأنكروا عليهم بناءه وأخربوا القلعة حتّى لم يُبقوا بها أثراً وأحرقوا المقامَيْن حريقاً لا يمكن جبره وذلك في أحد الربيعَيْن من سنة تسع وخمسين وستّمائة.
ولمّا أُحرق المقام الّذي هو الجامع عمد سيف الدين أبو بكر بن إيلبا الشحنة بالقلعة المذكورة على الذخائر وشرف الدين أبو حامد بن النجيب الدمشقيّ الأصل الحلبيّ المولد إلى رأس يحيى بن زكريّاء عم فنقلاه من القلعة إلى المسجد الجامع بحلب فدفناه غربيّ المنبر وعُمل له مقصورة وهو يُزار.
وكان بهذه القلعة جرس كالتنّور العظيم معلّق على برج من أبراجها الّتي من غربيّها كانت الحرّاس تحرّكه ثلاث دفعات في الليل دفعة في أوّله الانقطاع الرجل عن السعي وأخرى في وسطه للبديل وأخرى في آخره للإعلام بالفجر وعُلّق هذا الجرس على القلعة في سنة ستّ وتسعين وأربعمائة والسبب في تعلقه ما حكاه منتجب الدين يحيى بن أبي طيء النجّار الحلبيّ في تأريخه أنّ الفرنج لمّا ملكوا أنطاكية في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة طمعوا في بلاد حلب فخرجوا إليها وعاثوا في بلادها وملكوا معرّة النعمان وقتلوا من فيها فخافهم الملك رضوان بن تاج الدولة تُتُش لعجزه عن دفعهم عن البلاد ومنعهم فاضطُرّ إلى مصالحتهم فاقترحوا عليه أشياء كثيرةً من جملتها أن يحمل إليهم في كلّ سنه قطيعةً من مال وخيل وأن يتعلّق بقلعة حلب هذا الجرس ويضع صليباً على منارة الجامع وقبّح عليه ذلك. فراجع الفرنج في أمر الصليب إلى أن أذنوا له في وضعه على الكنيسة العظمى التي بنتها هيلاني أمّ قسطنطين فلم يزل عليها إلى أن حاصرت الفرنج حلب ابن الخشّاب المذكور أربع كنائس وصيّرها مساجد من جملتها الكنيسة العظمى ورمى بالصليب.
وأمّا الجرس فإنّه لم يزل معلّقاً إلى أن ورد حلب الشيخ الصالح أبو عبد الله ابن حسّان المغربيّ فسمع حركة الجرس وهو مجتاز تحت القلعة فالتفت إلى من كان معه وقال: ما هذا الّذي قد سمعتُ من المنكر في بلدكم؟ هذا شعار الفرنج. فقيل له: هذه عادة البلدة من قديم الزمان. فازداد إنكاره وجعل أصبعَيْه في أذنَيْه وقعد إلى الأرض وقال: الله أكبر الله أكبر. وإذا بوجبة عظيمة قد وقعت في البلد فانجلت عن وقوع الجرس إلى الخندق وكسره وذلك في سنة سبع وثمانين وخمسمائة. فجُدّد بعد ذلك وعُلّق مرةً ثانيةً فانقطع لوقته وانكسر وبطل من ذلك اليوم.
قال كمال الدين أبو القاسم عمر المعروف بابن العديم في ترجمة هذا الرجل محمّد بن حسّان بن محمّد أبو عبد الله وأبو بكر المغربيّ الزاهد رجل فاضل مقرئ محدّث وليّ من أولياء الله تع: قدم حلب ونزل بدار الضيافة بالقرب من تحت القلعة وكان من الموسرين المتسوّلين ببلاد المغرب فترك ذلك جميعه وخرج على قدم التجريد وحجّ إلى بيت الله الحرام ثمّ قدم حلب ورحل منها إلى جبل لُبنان وساح فيه وقيل إنّه مات فيه ولم يُذكَر وقت وفاته ﵀.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع