من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أصل العرب ولغتهم
القول في إنطاق الله ﷿ اسماعيل بن ابراهيم ﵉، بالعربية المبينة على غير التلقين والتمرين، وعلى غير التدريب والتدريج، وكيف صار عربيا أعجميّ الأبوين.
وأول من عليه أن يقرّ بهذا القحطاني، فإنه لا بد من أن يكون له أب كان أول عربي من جميع بني آدم ﷺ. ولو لم يكن ذلك كذلك وكان لا يكون عربيا حتى يكون أبوه عربيا وكذلك أبوه وكذلك جده كان ذلك موجبا لأن يكون نوح ﷺ عربيا، وكذلك آدم ﷺ.
قال أبو عبيدة: حدثنا مسمع بن عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين عن آبائه قال: أول من فتق لسانه بالعربية المبينة اسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة.
وقال النبي ﷺ: «شهدت الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة، وكنت أنبل على عمومتي». يريد: أجمع لهم النبل.
قال أبو عبيدة: فقال له يونس: صدقت يا أبا يسار هكذا حدثني نصر بن ظريف.
وروى قيس بن الربيع، عن بعض أشياخه عن ابن عباس: إن الله ألهم اسماعيل العربية الهاما.
قال الله ﵎: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
. قال: قد يرسل الله الرسول إلى قومه، ولو أرسل في ذلك الوقت إلى قوم اخرين لما كان الثاني ناقضا للأول. فإذا كان الأمر كذلك كان قومه أول من يفهم عنه، ثم يصيرون حجة على غيرهم.
وإذا كان الله ﷿ بعث محمدا ﷺ إلى العجم فضلا عن العرب، فقحطان وإن لم يكونوا من قومه أحق بلزوم الفرض من سائر العجم.
وهذا الجواب جواب عوام النزارية. فأما الخواصّ الخلّص فإنهم قالوا:
العرب كلهم شيء واحد، لأن الدار والجزيرة واحدة، والأخلاق والشيم واحدة، واللغة واحدة، وبينهم من التصاهر والتشابك، والإتفاق في الأخلاق وفي الأعراق، ومن جهة الخؤولة المردّدة والعمومة المشتبكة، ثم المناسبة التي بنيت على غريزة التربة وطباع الهواء والماء، فهم في ذلك بذلك شيء واحد في الطبيعة واللغة، والهمة والشمائل، والمرعى والراية، والصناعة والشهوة.
فإذا بعث الله ﷿ نبيا من العرب فقد بعثه إلى جميع العرب، وكلهم قومه، لأنهم جميعا يد على العجم، وعلى كل من حاربهم من الأمم، لأن تناكحهم لا يعدوهم، وتصاهرهم مقصور عليهم.
قالوا: والمشاكلة من جهة الإتفاق في الطبيعة والعادة، ربما كانت أبلغ وأوغل من المشاكلة من جهة الرّحم. نعم حتى تراه أغلب عليه من أخيه لأمه وأبيه. وربما كان أشبه به خلقا وخلقا، وأدبا ومذهبا. فيجوز أن يكون الله ﵎ حين حول اسماعيل عربيا أن يكون كما حوّل طبع لسانه إلى لسانهم، وباعده عن لسان العجم، أن يكون أيضا حول سائر غرائزه، وسلخ سائر طبائعه، فنقلها كيف أحب، وركبها كيف شاء. ثم فضله بعد ذلك بما عطاه من الأخلاق المحمودة، واللسان البين، بما لم يخصهم به. فكذلك يخصه من تلك الأخلاق ومن تلك الأشكال بما يفوقهم ويروقهم. فصار بإطلاق اللسان على غير التلقين والترتيب. وبما نقل من طباعه ونقل إليه من طبائعهم، وبالزيادة التي أكرمه الله بها، أشرف شرفا وأكرم كرما.
وقد علمنا أن الخرس والأطفال إذا دخلوا الجنة وحوّلوا في مقادير البالغين، وإلى الكمال والتمام، لا يدخلونها إلا مع الفصاحة بلسان أهل الجنة. ولا يكون ذلك إلا على خلاف الترتيب والتدريج والتعليم والتقويم.
وعلى ذلك المثال كان كلام عيسى بن مريم، ﷺ، في المهد، وإنطاق يحيى ﵇ بالحكمة صبيا.
وكذلك القول في آدم وحواء ﵉. وقد قلنا في ذئب أهبان بن أوس، وغراب نوح، وهدهد سليمان، وكلام النملة، وحمار عزير، وكذلك كل شيء أنطقه الله بقدرته، وسخره لمعرفته.
وإنما يمتنع البالغ من المعارف من قبل أمور تعرض من الحوادث، وأمور في أصل تركيب الغريزة. فإذا كفاهم الله تلك الآفات، وحصنهم من تلك
الموانع، ووفر عليهم الذكاء، وجلب اليهم جياد الخواطر، وصرف أوهامهم إلى التعرف، وحبب إليهم التبين، وقعت المعرفة وتمت النعمة.
والموانع قد تكون من قبل الأخلاط الأربعة على قدر القلة والكثرة، والكثافة والرقة. ومن ذلك ما يكون من جهة سوء العادة، وإهمال النفس، فعندما يستوحش من الفكرة، ويستثقل النظر. ومن ذلك ما يكون من الشواغل العارضة، والقوى المتقسمة. ومن ذلك ما يكون من خرق المعلم، وقلة رفق المؤدب، وسوء صبر المثقف. فإذا صفى الله ذهنه ونقحه، وهذبه وثقفه، وفرغ باله، وكفاه إنتظار الخواطر، وكان هو المفيد له والقائم عليه، والمريد لهدايته، لم يلبث أن يعلم.
وهذا صحيح في الأوهام، غير مدفوع في العقول.
وقد جعل الله الخال أبا. وقالوا: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم».
وقد رأينا إختلاف صور الحيوان، على قدر إختلاف طبائع الأماكن.
وعلى قدر ذلك شاهدنا اللغات والأخلاق والشهوات. ولذلك قالوا: «فلان ابن بجدتها»، و «فلان بيضة البلد»، يقع ذما ويقع حمدا.
وقال زياد: «والله للكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم» ».
ويقولون: «ما أشبه الليلة بالبارحة»، كأنهم قالوا: ما أشبه زمان يوسف ابن عمر بزمان الحجاج.
وقال سهل بن عمرو: «أشبه أمرأ بعض بزه ».
وقال الأضبط بن قريع: «بكل واد بنو سعد».
ولولا أن الله ﷿ أفرد إسماعيل من العجم، وأخرجه بجميع معانيه إلى العرب، لكان بنو اسحاق أولى به. وإنما ذلك كرجل قد أحاط علمه بأن
هذا الطفل من نجل هذا الرجل، ولكن لما كان من سفاح لم يجز أن يضيفه إليه ويدعوه أباه. وقد جعل الله نسب ابن الملاعنة نسب أمه، وإن كان ولد على فراش أبيه.
وقد أرسل الله موسى وهارون، إلى فرعون وقومه وإلى جميع القبط، وهما أمتان: كنعاني وقبطي.
وقد جعل الله قوم كل نبي هم المبلغين والحجة. ألا ترى أنا نزعم أن عجز العرب عن مثل نظم القرآن حجة على العجم من جهة إعلام العرب العجم أنهم كانوا عن ذلك عجزة.
وقد قال النبي ﷺ: «خصصت بأمور: منها أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا». فدل بذلك على أن غيره من الرسل إنما كان يرسل إلى الخاص. وليس يجوز لمن عرف صدق ذلك الرسول من الأمم أن يكذبه وينكر دعواه. والذي عليه ترك الإنكار والعمل بشريعة النبي الأول.
هذا فرق ما بين من بعث إلى البعض، ومن بعث إلى الجميع.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع