تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

إستحقاق الخلافة

قال: وقال حباب بن المنذر يوم السقيفة:

«أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، إن شئتم كررناها جذعة. منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصاري رد ذلك عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجري رد عليه المهاجري».

فأراد عمر الكلام فقال أبو بكر:

«على رسلك. نحن المهاجرون، أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله ﷺ. أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم ونصرتم ووآسيتم، فجزاكم الله خيرا. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم محقوقون ألا تنفسوا على أخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم».

قالوا: فإنا قد رضينا وسلمنا.

عيسى بن يزيد قال: قال أبو بكر ﵀:

«نحن أهل الله، وأقرب الناس بيتا من بيت الله، وأمسهم رحما برسول الله ﷺ. إن هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت له الأوس لم تقصر عنه الخزرج. وقد كان بين الحيين قتلى لا تنسى، وجرحى لا تداوى. فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد، يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري».

قال ابن دأب: فرماهم والله بالمسكتة.

من حديث ابن أبي سفيان بن حويطب، عن أبيه عن جده قال:

قدمت من عمرتي فقال لي أهلي: أعلمت أن أبا بكر بالموت؟ فأتيته فإذا عيناه تذرقان، فقلت: يا خليفة رسول الله أليس كنت أول من أسلم وثاني إثنين في الغار، فصدقت هجرتك وحسنت نصرتك، ووليت فأحسنت صحبتهم، واستعملت خيرهم عليهم؟ قال: وحسنا ما صنعت؟ قلت: نعم والله. قال:

الله؟! والله أشكر له واعلم به، ولا يمنعني ذلك من أن أستغفر الله.

فما خرجت حتى مات.

أبو الخطاب الزراري، عن حجناء بن جرير قال: قلت يا أبه، إنك لم تهج أحد إلا وضعته، إلا التّيم؟ قال: لأني لم أجد حسبا فأضعه، ولا بناء فأهدمه! قال: وقيل للفرزدق: أحسن الكميت في مدائحه، في تلك الهاشميات! قال: وجد آجرا وجصا فبنى.

عامر بن الأسود قال: دخل رجل من ولد عامر بن الظرب على عمر بن الخطاب ﵀، فقال له: خبرني عن حالك في جاهليتك، وعن حالك في إسلامك. قال: أما في جاهليتي فما نادمت فيها غير لمة، ولا هممت فيها بأمة، ولا خست فيها عن بهمة، ولا رآني راء إلا في ناد أو عشيرة، أو حمل جريرة، أو خيل مغيرة.

عوانة قال: قال عمر: الرجال ثلاثة: رجل ينظر في الأمور قبل أن تقع فبصدرها مصدرها، ورجل متوكل لا ينظر فإذا نزلت به نازلة شاور أهل الرأي وقبل قولهم، ورجل حائر بائر، لا يأتمر رشدا، ولا يطيع مرشدا.

قال: كلم علباء بن الهيثم السدوسي عمر بن الخطاب في حاجة، وكان أعور دميما، جيد اللسان حسن البيان، فلما تكلم في حاجته فأحسن، صعد عمر بصره فيه وحدره، فلما أن قام قال: «لكل أناس في جميلهم خبر».

أخبرنا عن عيسى بن يزيد عن أشياخه قال:

قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان:

وا أبتاه! وبكت، فقال معاوية: أبنت أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل

إنسان سيفه، وهو يرى مكان أنصاره، وإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.

وقالت عائشة إبنة عثمان في أبان بن سعيد بن العاصي حين خطبها، وكان نزل بأيلة وترك المدينة:

نزلت ببيت الضبّ لا أنت ضائرعدوا ولا مستنفعا أنت نافع

أبو الحسن قال: قال سلامة بن روح الجذامي، لعمرو بن العاص: أنه كان بينكم وبين العرب باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ قال: أردنا أن نخرج الحق من جفير الباطل.

قدم ببيعة علي إلى الكوفة يزيد بن عاصم المحاربي، فبايع أبو موسى، فقال عمار لعلي: والله لينقضن عهده، وليحلن عقده، وليقرن جهده، وليسلمن جنده.

وقال عليّ في رواية الشعبي: حملت إليكم درّة عمر لأضربكم بها لتنتهوا فأبيتم، حتى اتخذت الخيزرانة فلم تنتهوا. وقد أرى الذي تريدون: السيف.

وإني لا أصلحكم بفسادي.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.