من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
[باب] أخلاط من شعر ونوادر وأحاديث
قال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن مقال المرء في غير كنههلكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقال الراجز:
والقول لا تملكه إذا نماكالسهم لا يرجعه رام رمى
وإلى هذا ذهب عامر الشعبي حيث يقول: «وإنك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على رد ما قد أوقعت».
وأنشد:
فداويته بالحلم والمرء قادرعلى سهمه ما دام في كفه السهم
وقال الأنصاري:
وبعض القول ليس له حصاةكمخض الماء ليس له إتاء
وبعض خلائق الأقوام داءكداء الشيخ ليس له دواء
وقال الآخر:
ومولى كداء البطن أما لقاؤهفحلم وأما غيبه فظنون
وقال الآخر:
تقسم أولاد الملمّة مغنميجهارا، ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال الثلب اليماني:
وهن شر غالب لمن غلب
وقال النبي ﷺ: «إذا كتب أحدكم فليترّب كتابه، فإن التراب مبارك، وهو أنجح للحاجة».
وذكر الله آدم الذي هو أصل البشر فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
. ولذلك كنّى النبيّ ﵇ عليا أبا تراب. قالوا:
وكانت أحب الكنى إليه.
وقال الآخر:
وإن جئت الأمير فقل سلامعليك ورحمة الله الرحيم
وأما بعد ذاك فلي غريممن الأعراب قبّح من غريم
له ألف عليّ ونصف ألفونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكنوصلت بها شيوخ بني تميم
وقال الكميت:
حلفت بربّ الناس: ما أمّ خالدبأمك إذ أصواتنا الهل والهب
ولا خالد يستطعم الماء قائمابعدلك والداعي إلى الموت ينعب
وقال ابن نوفل:
تقول لما أصابك أطعمونيشرابا ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخكبير السنّ ذي بصر ضرير
وقال ابن هرمة:
تراه إذا ما أبصر الضيف كلبهيكلمه من حبّه وهو أعجم
قال: وقال المهلب: «عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه».
وقال الشاعر:
رزقت لبّا ولم أرزق مروءتهوما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مساماة تقعّدنيعما ينوّه باسمي رقة الحال
وقال الأحنف:
فلو مدّ سروري بمال كثيرلجدت وكنت له باذلا
فإن المروة لا تستطاعإذا لم يكن مالها فاضلا
وقال جرير بن يزيد:
خير من البخل للفتى عدمهومن بنين أعقة عقمه
قال: ومشى رجال من تميم إلى عتاب بن ورقاء، ومحمد بن عمير، في عشر ديات فقال محمد بن عمير: علي دية: فقال عتاب: علي الباقية. فقال محمد:
نعم العون على المروءة المال.
وقال الآخر:
ولا خير في وصل إذا لم يكن لهعلى طول مرّ الحادثات بقاء
وقال الآخر:
شفاء الحبّ تقبيل وضمّوجرّ بالبطون على البطون
وأنشد:
والله لا أرضى بطول ضمّولا بتقبيل ولا بشمّ
إلا بهزهاز يسلي همييسقط منه فتخي في كمّي
لمثل هذا ولدتني أمي
وأنشد:
لا ينفع الجارية الخضابولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تصطفق الأركابوتلتقي الأسباب والأسباب
ويخرج الزب له لعاب
وقال الآخر:
وقد بدا لي أن قلبك ذاهلعني وقلبي لو بدا لك أذهل
كلّ يجامل وهو يخفي بغضهإن الكريم على القلى يتجمّل
وقال الآخر:
وحظك زورة في كلّ عامموافقة على ظهر الطريق
سلاما خاليا من كل شيءيعود به الصديق على الصديق
وقال الآخر:
وزعمت أني قد كذبتك مرةبعض الحديث فما صدقتك أكثر
وقال الآخر:
أهينوا مطاياكم فإني وجدتهيهون على البرذون موت الفتى الندب
وقال الآخر:
لا يحفل البرد من يبلي حواشيهولا تبالي على من راحت الإبل
وقال الآخر:
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضلهكما لا تبالي مهرة من يقودها
وقال الآخر:
وإني لأرثي للكريم إذا غداعلى حاجة عند اللئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابهكمرثيتي للطرف والعلج راكبه
وقال الفرزدق:
أترجو ربيع أن تجيء صغارهابخير وقد أعيا ربيعا كبارها
وقال الشاعر:
ألم تر أن سير الخير ريثوإن الشرّ راكبه يطير
وقال ابن يسير:
تأتي المكاره حين تأتي جملةوترى السرور يجي مع الفلتات
قيل لبلال بن أبي بردة: لم لا تولي أبا العجوز بن أبي شيخ العراف- وكان بلال مسترضعا فيهم، وهو من بلهجيم- قال: لأني رأيت منه ثلاثا: رأيته يحتجم في بيوت أخوانه، ورأيت عليه مظلة وهو في الظل، ورأيته يبادر بيض البقيلة.
وكان عندي شيخ عظيم البدن جهير الصوت، يستقصي الأعراب، وقد ولده رجل من أهل الشورى، وكان بقربي عبد أسود دقيق العظم يم الوجه، ورآني أكبره، فقال لي حين نهض ورأى عظما: يا أبا عثمان، لا والله أن يساوي ذلك العظم البالي، بصرت عيني به في الحمام وتناول قطعة من فخار فأعطاها رجلا وقال له: حكّ بها ظهري! افتظن هذا يا أبا عثمان يفلح أبدا.
قال أبو الحسن: سأل الحجاج غلاما فقال له: غلام من أنت؟ قال:
غلام سيّد قيس. قال: ومن ذاك؟ قال: زرارة بن أوفى. قال: وكيف يكون سيد قيس وفي داره التي ينزل فيها سكان؟
قال: وقال رجل لأبنه: إذا أردت أن تعرف عيبك فخاصم شيخا من قدماء جيرانك. قال: يا أبت لو كنت إذا خاصمت جاري لم يعرف عيبي غيري كان ذلك رأيا، ولكن جاري لا يعرفني عيبي حتى يعرفه عدوي.
وقد أخطأ الذي وضع هذا الحديث لأن أباه نهاه ولم يأمره.
وقال الآخر:
إصطنعني وأقلبني عثرتيإنها قد وقعت مني بقر
واعلمن أن ليس ألفا درهملمديحي وهجائي بخطر
يذهب المال ويبقى منطقشائع يأثره أهل الخبر
ثم أرميكم بوجه بارزلست أمشي لعدوي بخمر
وقال أشهب بن رميلة يوم صفين: إلى أين يا بني تميم؟ قالوا: قد ذهب الناس. قال: تقرون وتعتذرون؟! قال: ونهض الحارث بن حوط الليثي إلى علي بن أبي طالب، وهو على المنبر، فقال: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على ضلال؟ قال: «يا حار، انه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال. فاعرف الحق تعرف أهله!».
وقال عمر بن الخطاب ﵀: «لا أدركت أنا ولا أنت زمانا يتغاير الناس فيه على العلم كما يتغايرون على الأزواج».
قال: وبعث قسامة بن زهير العنبري إلى أهله بثلاثين شاة ونحي صغير فيه سمن، فسرق الرسول شاة، وأخذ من رأس النحي شيئا من السمن، فقال لهم الرسول: ألكم إليه حاجة أخبره بها؟ قالت له إمرأته: أخبره أن الشهر
محاق، وإن جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما. فاسترجع منه الشاة والسمن.
قال علي بن سليمان لرؤبة: ما بقي من باهك يا أبا الجحاف: قال:
يمتد ولا يشتد، واستعين بيدي ثم لا أورد، وأطيل الظمء ثم أقصر. قال:
ذاك الكبر. قال: لا، ولكنه طول الرغاث.
وقيل لأعرابي: أيّ الدواب آكل؟ قال: يرذونة رغوث.
وقيل لغيره: لم صارت اللبؤة انزق، وعلى اللحم أحرص؟ قال: هي الرغوث.
قال: وقال عبيد الله بن عمر: اتقوا من تبغضه قلوبكم.
وقال اسماعيل بن غزوان: لا تنفق درهما حتى تراه، ولا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه، فالصابر هو الذي يشكر، والجازع هو الذي يكفر.
عامر بن يحيى بن أبي كثير قال: لا تشهد لمن لا تعرف، ولا تشهد على من لا تعرف، ولا تشهد بما لا تعرف.
أبو عبد الرحمن الضرير، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب قال: قال النبي ﷺ: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس».
وقالت عائشة: لا سمر إلا لثلاثة: مسافر، ومصلّ وعروس.
قال: وقال معاوية يوما: من أنصح الناس؟ فقال قائل: قوم ارتفعوا عن لخلخانيّة الفرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر، ليست
لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير. قال: من هم؟ قال: قريش قال: ممن أنت؟ قال: من جرم. قال: إجلس.
وقال الراجز:
إن تميما أعطيت تماماوأعطيت مآثرا عظاما
وعددا وحسبا قمقاماوباذخا من عزها قدّاما
في الدهر أعيا الناس أن يراماإذا رأيت منهم الأجساما
والدلّ والشيمة والكلاماوأذرعا وقصرا وهاما
عرفت أن لم يخلقوا طغاماولم يكن أبوهم مسقاما
لم تر فيمن يأكل الطعاماأقلّ منهم سقطا وذاما
تقول العرب: «لو لم يكن في الإبل إلا أنها رقوء الدم».
قال جندل بن صخر، وكان عبدا مملوكا:
وما فك رقّي ذات دل خبرنجولا شاق مالي صدقة وعقول
ولكن نماني كلّ أبيض خضرمفأصبحت أدري اليوم كيف أقول
وقال الفقيمي، وهو قاتل غالب أبي الفرزدق:
وما كنت نواما ولكن ثائراأناخ قليلا فوق ظهر سبيل
وقد كنت مجرور اللسان ومفحمافأصبحت أدري اليوم كيف أقول
قال المغيرة بن شعبة: من دخل في حاجة رجل فقد ضمنها.
وقال عمر ﵀: لكل شيء شرف، وشرف المعروف تعجيله.
وقال رجل لأبراهيم النخعي: أعد الرجل الميعاد فإلى متى؟ قال: إلى وقت الصلاة.
قال: وقال لي بعض القرشيين: من خاف الكذب أقلّ من المواعيد.
وقالوا: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدة الإعتذار.
وقال ابراهيم النظام: قلت لخنجير كون ممرور الزياديين: أقعدها هنا حتى أرجع إليك. قال: أما حتى ترجع إلي فإني لا أضمن لك ولكن أقعد لك إلى الليل.
وهذه رسالة ابراهيم بن سيابه إلى يحيى بن خالد بن برمك:
وبلغني أن عامة أهل بغداد يحفظونها في تلك الأيام، وهي كما ترى.
وأولها:
للأصيد الجواد، الواري الزناد، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، الأشم الباذل، اللباب الحلاحل، من المستكين المستجير، البائس الضرير.
فإني أحمد الله ذا العزة القدير، إليك وإلى الصغير والكبير، بالرحمة العامة، والبركة التامة.
أما بعد فاغنم واسلم، واعلم إن كنت تعلم، إنه من يرحم يرحم، ومن يحرم يحرم، ومن يحسن يغنم، ومن يصنع المعروف لا يعدم. وقد سبق إلي تغضبك علي، واطراحك لي، وغفلتك عني بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أنتبه ولا أرقد، فلست بذي حياة صحيح، ولا بميت مستريح، فررت بعد الله منك إليك، وتحملت بك عليك. ولذلك قلت:
أسرعت بي حثّا إليك خطائيفأناخت بمذنب ذي رجاء
راغب راهب إليك يرجىمنك عفوا عنه وفضل عطاء
ولعمري ما من أصرّ ومن تاب مقرّا بذنبه بسواء
فإن رأيت- أراك الله ما تحب، وأبقاك في خير- ألا تزهد فيما ترى من تضرّعي وتخشّعي، وتذلّلي وتضعّفي، فإن ذلك ليس مني بنحيزة ولا طبيعة، ولا على وجه تصيّد وتصنّع وتخدّع، ولكنه تذلل وتخشع وتضرع، من غير ضارع ولا مهين ولا خاشع لمن لا يستحق ذلك، إلا لمن التضرع له عز ورفعة شرف. والسلام.
محمد بن حرب الهلالي قال: دخل زفر بن الحارث على عبد الملك، بعد الصلح فقال: ما بقي من حبك للضحاك؟ فقال: ما لا ينفعني ولا يضرك. قال: شدّ ما أحببتموه معاشر قيس! قال: أحببناه ولم نواسه، ولو كنا آسيناه لقد كنا أدركنا ما فاتنا منه. قال: فما منعك من مواساته يوم المرج.
قال: الذي منع أباك من مواساة عثمان يوم الدار.
قال الشاعر:
لكل كريم من ألائم قومهعلى كلّ حال حاسدون وكشّح
قال: وقال سليمان بن سعد لو صحبني رجل فقال اشترط علي خصلة واحدة لا تزيد عليها لقلت: لا تكذبني.
قال: كان يقال: أربع خصال يسود بها المرء: العلم، الأدب، والعفة والأمانة.
وقال الشاعر:
لئن طبت نفسا عن ثنائي فإننيلأطيب نفسا عن نداك على عسري
فلست إلى جدواك أعظم حاجةعلى شدّة الأعسار منك إلى شكري
وقال الآخر:
أأن سمتني ذلا فعفت حياضهسخطت، ومن يأب المذلة يعذر
فهأنا مسترضيك لا من جنايةجنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال أياس بن قتادة:
وإنّ من السادات من لو أطعتهدعاك إلى نار يفور سعيرها
وقال الآخر:
عزمت على إقامة ذي صباحلأمر ما يسودّ من يسود
وقال الهذلي:
وإنّ سيادة الأقوام فاعلملها صعداء مطلبها طويل
وقال حارثة بن بدر:
إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضهولست بمضيه وأنت تعادله
ولا تنزلن أمر الشديدة بامرىءإذا رام أمرا عوقته عواذله
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوةمن الروع أفرخ أكثر الروع باطله
وقال الآخر:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقةإلى سيد لو يظفرون بسيّد
وقال الآخر:
وما سدت فيهم إن فضلك عمّهمولكن هذا الحظّ في الناس يقسم
وقال حارثة بن بدر:
خلت الديار فسدت غير مسوّدومن الشقاء تفرّدي بالسّؤدد
الفضل بن تميم قال: قال المغيرة: «من لم يغضب لم يعرف حلمه».
وقال الشاعر:
ما بال ضبع ظلّ يطلب دائبافريسته بين الأسود الضراغم
وقال الآخر:
ذكرت بها عهدا على الهجر والقلىولا بدّ للمشتاق أن يتذكرا
وقال الآخر:
إذا ما شفيت النفس أبلغت عذرهاولا لوم في أمر إذا بلغ العذر
وقال الآخر:
لعمرك ما الشكوى بأمر حزامةولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
وقال الآخر:
لو ثلاث هنّ عيش الدهرالماء والنوم وأم عمرو
لما خشيت من مضيق القبر
وقال لقيط بن زرارة:
شتان هذا والعناق والنوموالمشرب البارد والظلّ الدوم
وقال والبة:
ما العيش إلا في المدام وفي اللزام وفي القبل
وإدارة الظبي الغرير تسومه ما لا يحل
وقال شيخ من أهل المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن، وينشد للفرزدق.
وقال أبو مجيب: لا ترى إمرأة مصبّرة العين، ولا امرأة عليها طاق يمنة، ولا شريفا يهنأ بعيرا.
وقال أبو براح: ذهب الفتيان فلا ترى فتى مفروق الشعر بالدّهن، معلقا نعله، ولا ديكين في خطار، ولا صديقا له صديق أن قمر ضعا، وإن عوقب جزع، وإن خلا بصديق فتى خببه، وإن ضرب أقر، وإن طال حبسه ضجر، ولا ترى فتى يحسن أن يمشي في قيده ولا يخاطب أميره.
وقال أبو الحسن: قال أبو عباية: ترى زقاق براقش، وبساتين هزار مرد ما كان يسلكه غلام إلا بخفير، وهم اليوم يخترقونه. قلت: هذا من صلاح الفتيان. قال: لا ولكن من فسادهم.
اليقطري، قال: قيل لطفيل العرائس: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.
وقال رجل لرجل: انتظرتك على الباب بقدر ما يأكل إنسان جردقتين عبد الله بن مصعب قال: أرسل علي بن أبي طالب ﵀ عبد الله بن عباس، لما قدم البصرة فقال:
«أيت الزبير ولا تأت طلحة، فإن الزبير ألين، وإنك تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام، وقل له:
«يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا لك؟».
قال: فأتيت الزبير فقال: مرحبا يا ابن لبابة أزائرا جئت أم سفيرا؟
قلت: كلّ ذلك. وأبلغته ما قال علي، فقال الزبير: أبلغه السلام وقل له:
«بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وإنفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، فنحل ما أحلت، ونحرم ما
حرمت». فلما كان من الغد حرّش بين الناس غوغاؤهم فقال الزبير: ما كنت أرى أن مثل ما جئنا له يكون فيه قتال! قال: ومن جيّد الشعر قول جرير:
لئن عمرت تيم زمانا بغرّةلقد حديت تيم حداء عصبصبا
فلا يضغمن الليث تيما بغرةوتيم يشمون الفريس المنيّبا
وقال أعرابي: «كحّلني بالميل الذي تكحّل به العيون الداءة » وقال أبن أحمر:
بهجل من قسا ذفر الخزامىتهادي الجربياء به الحنينا
به تتزخّر القلع السواريوجنّ الخازباز به جنونا
تكاد الشمس تخشع حين تبدولهن وما نزلن وما عسينا
وقال الحكم الخضري:
كوم تظاهر نيها وتربّعتبقلا بعيهم والحمى مجنونا
والمجنون: المصروع، ومجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة.
وإذا فخر النبات قيل قد جنّ. وقال الشنفري:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأنضرتفلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
قال: وسمع الحجاج امرأة من خلف حائط تناغي طفلا لها، فقال:
مجنونة أو أم صبي!
وقال أبو ثمامة بن عازب:
وكلهم قد ذاقنا فكأنمايرون علينا جلد أجرب هامل
وقال التغلبي:
يرى الناس منا جلد أسود سالخوفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وأنشدنا الأصمعي:
منهرت الشّدقين عود قد كملكأنما قمّص من ليط جعل
وقال نصيب لعمر بن عبد العزيز: إن لي بنيّة ذررت عليها من سوادي.
وقال عبد الملك للوليد:
لا تعزل أخاك عبد الله عن مصر، وانظر عمك محمد بن مروان فأقرّه على الجزيرة، وأما الحجاج فأنت أحوج إليه منه إليك، وأنظر علي بن عبد الله فاستوص به خيرا.
فضرب عليا بالسياط، وعزل أخاه وعمه.
وقال أبو نخيلة:
أنا ابن سعد وتوسّطت العجمفأنا فيما شيت من خال وعم
وأنشد:
هم وسط يرضى الأله بحكمهمإذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
يجعلون ذلك من قول الله ﵎: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
وأنشد:
ولولا خلّة سبقت إليهوأخو من كان من عرق المدام
دلفت له بأبيض مشرفيكما يدنو المصافح بالسلام
وقال يزيد بن ضبّة:
لا تبدينّ مقالة مأثورةلا تستطيع إذا مضت إدراكها
وقال ابن ميادة:
يا أيها الناس روّوا القول واستمعواوكلّ قول إذا ما قيل يستمع
وقال الآخر:
ما المدلج الغادي إليه بسحرةإلا كآخر قاعد لم يبرح
وقال العلاء بن منهال الغنوي في شريك بن عبد الله:
فليت أبا شريك كان حيّافيقصر عن مقالته شريك
ويترك من تدرئه عليناإذا قلنا له هذا أبوكا
وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمناعلى البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلةمن الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجيةومن أثاث وقول غير موزون
وقال منقذ بن دثار الهلالي:
لا تتركن- إن صنيعة سلفتمنك وإن كنت لست تنكرها
عند امرىء- أن تقول إن ذكرتيوما من الدهر: لست أذكرها
فإن إحياءها إماتتهاوإن منا بها يكدرها
وقال بعض الحكماء: «صاحب من ينسى معروفه عندك، ويتذكر حقوقك عليه»:
وقال منقر بن فروة المنقريّ:
وإن خفت من أمر فواتا فولهسواك وعن دار الأذى فتحوّل
وما المرء إلا حيث يجعل نفسهففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
ونظر أبو الحارث جمين إلى برذون يستقي عليه الماء، فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية.
وأنشد:
لا خير في كلّ فتى نؤوملا يعتريه طارق الهموم
وأنشد:
اجعل أبا حسن كمن لم تعرفواهجره معتزما وإن لم يخلف
آخ الكرام المنصفين وصلهمواقطع مودّة كلّ من لم ينصف
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
ما زال عصياننا لله يسلمناحتى دفعنا إلى يحيى ودينار
إلى عليجين لم تقطع ثمارهماقد طال ما سجدا للشمس والنار
وشاتم أعرابي أعرابيا فقال: «إنكم لتعتصرون العطاء، وتعيرون النساء، وتبيعون الماء».
وقال أبو الأسود الدؤلي:
لنا جيرة سدوا المجازة بيننافإن ذكّروك السدّ فالسد أكيس
ومن خير ما ألصقت بالدار حائطتزلّ به صقع الخطاطيف أملس
وأنشد:
إذا لم يكن للمرء بد من الردىفأكرم أسباب الردى سبب الحبّ
وقال الآخر:
وإذا شنئت فتى شنئت حديثهوإذا سمعت غناءه لم أطرب
وأنشد المسروحي، لكامل بن عكرمة:
لها كلّ عام موعد غير منجزووقت إذا ما رأس حول تجرما
فإن وعدت شرا أنى دون وقتهوإن وعدت خيرا أراث وعتّما
وقال الآخر:
ألم تر أن سير الخير ريثوأن الشرّ راكبه يطير
وقال محمد بن يسير:
تأتي المكاره حين تأتي جملةوترى السرور يجيء في الفلتات
وقال الآخر:
إذا ما بريد الشام أقبل نحوناببعض الدواهي المفظعات فأسرعا
فإن كان شرا سار يوما وليلةوإن كان خيرا قصّد السير أربعا
وقال آخر:
وتعجبنا الرؤيا فجلّ حديثناإذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأتوإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
وقال آخر:
وإذا نهضت فما النهوض بدائموإذا نكبت توالت النكبات
قال: قيل لأعرابي: ما أعددت للشتاء؟ قال: جلّة ربوضا، وصيصية سلوكا، وشملة مكودا، وقرموصا دفيئا، وناقة مجالحة.
وقيل لآخر: ما أعددت للشتاء؟ قال: شدة الرعدة.
وقيل لآخر: كيف ليلكم؟ قال: سحر كله.
وقيل لآخر: كيف البرد عندكم؟ قال: ذاك إلى الريح.
وقال معن بن أوس:
فلا وأبي حبيب ما نفاهمن أرض بني ربيعة من هوان
وكان هو الغنيّ إلى غناهوكان من العشيرة في مكان
تكنفه الوشاة فأزعجوهودس من فضالة غير وان
فلولا أن أم أبيه أميوإن من قد هجاه فقد هجاني
وأن أبي أبوه لذاق منيمرارة مبردي ولكان شاني
إذا لأصابه مني هجاءيمر به الروي على لساني
اعلمه الرماية كلّ يومفلما اشتدّ ساعده رماني
وقال بعض اليهود:
ولو كنت أرضى لا أبالك بالذيبه العائل الجثّام في الخفض قانع
إذا قصرت عندي الهموم وأصبحتعلي وعندي للرجال صنائع
ومما قالوا في المهالبة:
إن المهالبة الكرام تحملوادفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهم بحسن حديثهموكريم أخلاق بحسن وجوه
وقال أبو الجهم العدوي في معاوية بن أبي سفيان:
نقلّبه لنخبر حالتيهفنخبر منهما كرما ولينا
نميل على جوانبه كأنانميل إذا نميل على أبينا
وقال الآخر في هذا الشكل:
إن أجز علقمة بن سيف سعيهلا أجزه ببلاء يوم واحد
لأحبني حبّ الصبي ورمنيرمّ الهديّ إلى الغني الواجد
ولقد شفيت غليلتي فنقعتهامن آل مسعود بماء بارد
وقال بكير بن الأخنس:
نزلت على آل المهلب شاتيافقيرا بعيد الدار في سنة محل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهموإكرامهم حتى حسبتهم أهلي
وقال في كلمة له أخرى:
وقد كنت شيخا ذا تجارب جمةفأصبحت فيهم كالصبي المدلّل
ورأى المهلب وهو غلام فقال:
خذوني به إن لم يسد سرواتهمويبرع حتى لا يكون له مثل
وقال الحزين، في طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ وأمه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، من ولد أبي بكر الصديق ﵀:
فإن تك يا طلح أعطيتنيجمالية تستخفّ السفارا
فما كان نفعك لي مرةولا مرتين ولكن مرارا
وقال أبو الطمحان:
سأمدح مالكا في كل ركبلقيتهم، واترك كلّ رذل
فما أنا والبكارة من مخاضعظام جلة سدس وبزل
وقد عرفت كلابكم ثيابيكأني منكم ونسيت أهلي
نمتكم من بني شمخ زنادلها ما شئت من فرع وأصل
وقال أبو الشّغب:
ألا إن خير الناس قد تعلمونهأسير ثقيف موثقا في السلاسل
لعمري لئن أعمرتم السجن خالداوأوطأتموه وطأة المتثاقل
لقد كان نهّاضا بكل ملمةومعطي اللهى غمرا كثير النوافل
فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمهولا تسجنوا معروفه في القبائل
ومن هذا الباب قول أعشى همدان، في خالد بن عتّاب بن ورقاء:
رأيت ثناء الناس بالغيب طيباعليك وقالوا: ماجد وابن ماجد
بني الحارث السامين للمجد إنكمبنيتم بناء ذكره غير بائد
هنيئا لما أعطاكم الله واعلموابأني سأطري خالدا في القصائد
فإن يك عتّاب مضى لسبيلهفما مات من يبقى له مثل خالد
ومن شكل هذا الشعر قول الحسين بن مطير الأسدي:
ألماعلى معن وقولا لقبرهسقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن كنت أول حفرةمن الأرض خطّت للسماح وموضعا
ويا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميتولو كان حيا ضقت حتى تصدعا
فلما مضى معن مضى الجود والندىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه ولا يكنجزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذيله مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنى أناس شأوه من ضلالهمفأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وهذا مثل قول مسلم بن الوليد، في يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسر ضريحهخطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معد بعدهحزنا كعمر الدهر ليس يعار
نقضت به الآمال أحلاس الغنىواسترجعت نزّاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةأثنى عليها السهل والأوعار
قيل: إذا رسخ الرجل في العلم رفعت عنه الرؤيا الصالحة.
مسلمة، قال: كان عند عمر بن عبد العزيز رجلان، فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قوما فقد «أوذيتما» أمير المؤمنين! قال عمر: أنت آذى لي منهما.
المدائني قال: قعد قدّام زياد رجل ضائعي- من قرية باليمن يقال لها «ضياع» - وزياد يبني داره، فقال له: أيها الأمير، لو كنت عملت باب
مشرقها قبل مغربها، وباب مغربها من قبل مشرقها! فقال: أنى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنها ليست من كتاب ولا حساب، ولكنها من «ذكاوة» العقل. فقال: ويلك، الثاني شر! شعبة، عن الحكم، قال: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا أماري أخي، فأما أن أكذبه وأما أن أغضبه ابن أبي الزناد قال: إذا اجتمعت حرمتان تركت الصغرى للكبرى.
وعن أبي بكر الهذلي- واسمه سلميّ- قال: إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل: إذا كان حلالا، وكثرت عليه الأيدي، وسمّي الله على أوله، وحمد على آخره.
وقال ابن قميئة:
وأهون كفّ لا تضيرك ضيرةيد بين أيد في إناء طعام
يد من قريب أو غريب بقفرةأتتك بها غبراء ذات قتام
وقال حمّاد عجرد:
حبيش أبو الصلت ذو خبرةبما يصلح المعدة الفاسدة
تخوّف تخمة أصحابهفعودهم أكلة واحدة
وقال سويد المراثد:
إني إذا ما الأمر بيّن شكّهوبدت بصائره لمن يتأمل
وتبرأ الضعفاء من أخوانهموألحّ من حرّ الصميم الكلكل
ادع التي هي أرفق الخلات بيعند الحفيظة للتي هي أجمل
ومما يكتب في العصا قوله:
قالت إمامة يوم برقة واسطيا بن الغدير لقد جعلت تغيّر
أصبحت، بعد شبابك الماضي الذيذهبت بشاشته وغصنك أخضر
شيخا دعامتك العصا ومشيعالا تبتغي خيرا ولا تستخبر
ويضم البيت الأخير إلى قوله:
وهلك الفتى ألا يراح إلى الندىوألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
ومن يتتبع مني الظلع يلقنيإذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا
وقال بعض الحكماء: «أعجب من العجب ترك التعجب من العجب».
وقيل لشيخ هم: أي شيء تشتهي؟ قال: أسمع بالأعاجيب.
وأنشد:
عريض البطان جديب الخوانقريب المراث من المرتع
فنصف النهار لكرياسهونصف لمأكله أجمع
وفي العصا قوله:
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصبالقد كنت ورادا لمشربه العذب
ليالي أغدو بين بردين لاهياأميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص مع الركبووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرىء لم تبق منه بقيةسوى نظر العينين أو شهوة القلب
وقال حاجب بن ذبيان لأخيه زرارة:
عجلت مجيء الموت حتى هجرتنيوفي القبر هجر يا زرار طويل
وقال الآخر:
ألم تعلمي عمرتك الله أننيكريم على حين الكرام قليل
وأني لا أخزى إذا قيل مملقجواد، وأخزى أن يقال بخيل
وألا يكن عظمي طويلا فأننيله بالخصال الصالحات وصول
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهمبعارفة حتى يقال طويل
ولا خير في حسن الجسوم وطولهاإذا لم يزن حسن الجسوم عقول
وكائن رأينا من فروع طويلةتموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقهفحلو، وأما وجهه فجميل
وقال زيادة بن زيد:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عندهأطال فأملى أم تناهى فأقصرا
ويخبرني عن غائب المرء فعلهكفى الفعل عما غيّب المرء مخبرا
وقال آخر:
أبرّ فما يزداد إلا حماقةونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه
وقال ابن الرقّاع:
وقصيدة قد بتّ اجمع بينهاحتى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف في كعوب قناتهحتى يقيم ثقافه منآدها
وعلمت حتى لست أسأل واحداعن حرف واحدة لكي أزدادها
وقال بعض الأعراب:
لولا مسّرة أقوام تصعدنيأو الشماتة من قوم ذوي إحن
ما سرني أن إبلي في مباركهاوإنّ أمرا قضاه الله لم يكن
وقال الآخر:
وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوىوأكرم خلاني وفيّ صدود
وفي النفس عن بعض التعرض غلظةوفي العين عن بعض البكاء جمود
وقال كثير:
ترى القوم يخفون التبسم عندهوينذرهم عور الكلام نذيرها
فلا هاجرات القول يؤثرن عندهولا كلمات النصح مقصى مشيرها
وقال المقشعرّ:
يقرّ بعيني أن أرى قصد الفناوصرعى رجال في وغى أنا حاضره
وقال الكميت:
أحسن منها ذياد خامسةفي الورد، أو فيلق تجالدها
وقال صالح بن مخراق في كلام له: لولا أن الله قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
، لأنبأتكم أني لا أكرهه.
وقال الآخر:
تركت الركاب لأربابهاوأكرهت نفسي على ابن الصعق
جعلت يديّ وشاحا لهوبعض الفوارس لا يعتنق
قال: وقال عمر بن عبد العزيز يوما في مجلسه: من أم النعمان بن
المنذر؟ فقال روح بن الوليد بن عبد الملك: سلمى بنت عقاب. قال: إنه ليقال ذلك، يا حاجب أحسن إذنه.
وقالوا: عشر خصال في عشرة أصناف من الناس أقبح منها في غيرهم:
الضيق في الملوك، والغدر في الأشراف، والكذب في القضاة، والخديعة في العلماء، والغضب في الأبرار، والحرص في الأغنياء، والسفه عند الشيوخ، والمرض في الأطباء، والزهو في الفقراء، والفخر في القراء.
وأنشد:
ولا تقبلوا عقلا وأموا بغارةبني عبد شمس بين دومة والهضب
وهزوا صدور المشرفيّ كأنمايقعن بهام القوم في حنظل رطب
ويضم إلى بيت الكميت وبيت المقشعر قول الحكمي:
أحسن عندي من انكبابك بالفههر ملحا به على وتد
وقوف ريحانة على أذنوسير كأس إلى فم بيد
وفي باب غير هذا يقول حسان بن ثابت:
ما أبالي أنبّ بالحزن تيسأم لحاني بظهر غيب لئيم
وأنشد:
خبّرت أن طويلبا يغتابنابعضيهة يتنحّل الأقوالا
ما ضرّ سادة نهشل أهجاهمأم قام في عرض الخويّ فبالا
وقال الفرزدق في هذا المعنى:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتهاأم بلت حيث تناطح البحران
وقال الآخر في هذا المعنى:
ما يضير البحر أمسى زاخراأن رمى فيه غلام بحجر
ومما يزاد في ذكر باب العصا قول جرير بن الخطفي:
ويقضى الأمر حين تغيب تيمولا يستأمرون وهم شهود
وقد سلبت عصاك بنو تميمفما تدري بأيّ عصا تذود
وقال الحسن بن عرفطة بن نضلة:
ليهنيك بغض في الصديق وظنّةوتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه
وأنك مهداء الخنا نطف النثاشديد السّباب رافع الصوت غالبه
وإنك مشنوء إلى كلّ صاحببلاك، ومثل الشر يكره جانبه
ولم أر مثل الجهل أدنى إلى الردىولا مثل بغض الناس غمّض صاحبه
وقال قتادة بن خرجة الثعلبي، من بني عجب:
خليلي يوم السّلسلين لو أننيبهبر اللّوى أنكرت ما قلتما ليا
ولكنني لم أنس ما قال صاحبينصيبك من ذل إذا كنت نائيا
وقال خالد بن نضلة:
إذا كنت في قوم عدى لست منهمفكل ما علفت من خبيث وطيّب
وقال أحمد بن يوسف، وكان يتعشّق يحيى بن سعيد بن حمّاد:
إن يحيى بن سعيديشتهي أن أشتهيه
فهو يلقاني بتوريم وأحيانا بتيه
وقال أبو سعد دعيّ بني مخزوم، في مهاجاة دعبل:
ولولا نزار لضاق الفضاءولم يبق حرز ولا معقل
وأخرجت الأرض أثقالهاوأدخل في إست أمه دعبل
وقال:
حدق الآجال آجالوالهوى للمرء قتّال
والهوى صعب مراكبهوركوب الصعب أهوال
ليس من شكلي فأشتمهدعبل، والناس أشكال
همتي في التاج ألبسهوله في الشعر آمال
وقال:
هذا اللبابي يحويجوائز الخلفاء
ففي حر أم مديحيوفي حر أم هجائي
وفي حر أمي وإن كنت سيد الشعراء
وقال محمد بن يسير:
في حر أم الناس كلهموأنا في ذا من أولهم
لست تدري حين تخبرهمأين أدناهم من أفضلهم
وقال:
إذا ما جاوز الندماء خمسابرب البيت والساقي اللبيب
فأير في حر أمّ فتى دعاناوأير في حر أمّ فتى مجيب
وقال سلم الخاسر:
بهارون قرّ الملك في مستقرّهوأبهجت الدنيا وأشرق نورها
وليس لأيام المكارم غايةتتمّ بها إلا وأنت أميرها
وقال بشار بن برد:
من فتاة صبّ الجمال عليهافي حديث كلذة النشوان
ثم فارقت ذاك غير ذميمكلّ عيش الدنيا وإن طال فان
وقال مزاحم العقيليّ:
يزين سنا الماويّ كلّ عشيةعلى غفلات الزين والمتجمّل
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بهاصدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
وقال المسعودي:
إن الكرام مناهبوك المجد كلهم فناهب
أخلف وأتلف كلّ شيء زعزعته الريح ذاهب
وقال شيخ من الأطباء: الحمد لله، فلان يزاحمنا في الطب ولم يختلف إلى البيمار ستانات تمام خمسين سنة.
وحدثني محمد بن عبد الملك- صديق لي- قال: سمعت رجلا من فرسان طبرستان يقول: فلان يدعي الفروسية، ولو كلف أن يخلي فروج فرسه منحدرا لما قدر عليه.
وقال بعض العبيد:
أيبعثني في الشاء وابن مويلكعلى هجمة قد لوحتها الطبائخ
متى كان حمران الشّبابيّ راعياوقد راعه بالدوّ أسود سالخ
وقال كثيّر في عمر بن عبد العزيز ﵀:
تكلمت بالحق المبين وإنماتبيّن آيات الهدى بالتكلم
ألا إنما يكفي القنا بعد زيغهمن الأود الباقي ثقاف المقوّم
الأصمعي قال: قال يونس بن عبد الأعلى: لا يزال الناس بخير ما داموا إذا تخلّج في صدر الرجل شيء وجد من يفرج عنه.
وقال البعيث، في ابراهيم بن عربي:
ترى منبر العبد اللئيم كأنماثلاثة غربان عليه وقوع
وقال الأعشى:
ربّ رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقيال
وقالوا: «لا وكس ولا شطط».
وقال الشاعر:
ومد جج كره الكماة نزالهلا ممعن هربا ولا مستسلم
وقال زهير:
دون السماء وفوق الأرض قدرهماعند الذنابي فلا فوت ولا درك
وقالوا: «خير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة».
قال: والمثل السائر، والصواب المستعمل: «لا تكن حلوا فتزدرد، ولا مرا فتلفظ».
وقال عمر بن الخطاب ﵀: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف».
وكان الحجّاج يجاوز العنف إلى الخرق، وكان كما وصف نفسه، فإنه قال: «أنا حديد حقود، وذو قسوة حسود».
وذكره آخر فقال: كان شرا من صبي.
وقال أكثم بن صيفي: تناءوا في الديار، وتواصلوا في المزار.
وكان ناشيء المشهور يقول: اللهم باعد بين نسائنا، وقارب بين رعائنا واجعل الأموال في سمحائنا.
وقال آخر:
شتى مراجلهم فوضى نساؤهموكلهم لأبيه ضيزن سلف
وقال الآخر: ترك الوطن أحد السباءين.
وقالوا: من أجدب انتجع.
وقال آخر: من أمل أمرا هابه، ومن قصر عن شيء عابه.
وقال الآخر:
رجعنا سالمين كما بدأناوما خابت غنيمة سالمينا
وقال أمرؤ القيس بن حجر:
لقد نقّبت في الآفاق حتىرضيت من الغنيمة بالإياب
وقيل لأبن عباس: أيما أحب إليك، رجل يكثر من الحسنات ويكثر من السيئات، أو رجل يقل من الحسنات والسيئات؟ قال: ما أعدل بالسلامة شيئا! وقالت أعرابية:
فلا تحمدوني في الزيارة إننيأزوركم إلا أجد متعلّلا
يعقوب بن داود قال: ذم رجل الأشتر فقال له رجل من النّخع: اسكت فإن حياته هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق.
أبو الحسن قال: أرسلت الخيل أيام بشر بن مروان، فسبق فرس عبد الملك بن بشر، فقال له اسماعيل بن الأشعث: والله لأرسلن غدا مع فرسك فرسا لا يعرف أن أباك أمير العراق! فجاء فرس اسماعيل سابقا، فقال: ألم أعلمك؟! وقال أبو العتاهية:
أيا من لي بأنسك يا أخيّاومن لي أن أبثّك ما لديّا
كفى حزنا بدفنك ثم أنينفضت تراب قبرك عن يديا
طوتك خطوب دهرك بعد نشركذاك خطوبه نشر وطيا
فلو نشرت قواك لي المناياشكوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا أخيّ بدرّ عينيفلم يغن البكاء عليك شيا
وكانت في حياتك لي عظاتوأنت اليوم أوعظ منك حيا
وقال الآخر:
أبعد الذي بالعنف نعف كويكبرهينة رمس بين ترب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابنيوبقياي أني جاهد غير مؤتل
يقول: هذه بقياي.
قال: قيل لشريك بن عبد الله: كان معاوية حليما. قال: لو كان حليما ما سفه الحق، ولا قاتل عليا. ولو كان حليما ما حمل أبناء العبيد على حرمه، ولما أنكح إلا الأكفاء.
وأصوب من هذا قول الآخر، قال: كان معاوية يتعرض ويحلم إذا أسمع. ومن تعرض للسفيه فهو سفيه.
وقال الآخر: كان يحب أن يظهر حلمه وقد كان طار اسمه بذلك، فكان يحب أن يزداد في ذلك.
وقال الفرزدق:
وكان يجير الناس من سيف مالكفأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكان كعنز السوء قامت بظلفهاإلى مدية تحت التراب تثيرها
وقال التّوت اليمانيّ:
على أي باب أطلب الأذن بعدماحجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
وهذا مثل قوله:
والسبب المانع حظّ العاقلهو الذي سبّب رزق الجاهل
ومثله:
وربّت حزم كان للسقم علّةوعلة برء الداء حظ المغفّل
وقال آخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيرهويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال عثمان بن الحويرث، لعمرو بن العاصي:
له أبوان فهو يدعى إليهماوشر العباد من له أبوان
وقد حكّما فيه لتصدق امهوكان لها علم به ببيان
فقالت: صراح، وهي تعلم غيرهولكنها تهذي بغير لسان
وقال الآخر:
يطلبن بالقوم حاجات تضمّنهابدر بكل لسان يلبس المدحا
كأن فيض يديه قبل مسألةباب السماء إذا ما بالحيا انفتحا
وكّلت بالدهر عينا غير غافلةمن جود كفك تأسو كلّ ما جرحا
ومثله:
إذا افتقر المنهال لم ير فقرهوإن أيسر المنهال أيسر صاحبه
وقال علي بن أبي طالب ﵁: من أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج.
وقال يزيد بن المهلّب، وكان في سجن الحجاج: لهفي على طليّة بمائة ألف، وفرج في جبهة اسد. وأنشد:
ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال
وأنشد:
كرهت وكان الخير فيما كرهتهوأحببت أمرا كان فيه شبا القتل
مثل قول الله ﵎: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ.
وكان يقال: خذ مقتصد العراق، ومجتهد الحجاز.
وقال الآخر:
لكل كريم من الائم قومهعلى كل حال حاسدون وكشّح
وقال جرير:
إني لآمل منك خيرا عاجلاوالنفس مولعة بحب العاجل
وقال الله ﵎: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
وقال ابن هرمة:
أشمّ من الذين بهم قريشتداوي بينها غبن القبيل
كأنّ تلألؤ المعروف فيهشعاع الشمس في السيف الصقيل
وقال امرؤ القيس:
أجارتنا إن المزار قريبوإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ها هناوكل غريب للغريب نسيب
وقال بشار:
وإذا اغتربت فلا تكن جشعاتسمو لغثّ الكسب تكسبه
وقال حسان بن ثابت:
أهدى لهم مدحي قلب يؤازرهفيما أحبّ لسان حائك صنع
وقال الأصمعي: أنشدنا أبو مهدية:
ضحوا بأشمط عنوان السجود بهيقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وقال الخزرجي، يرد على أبي قيس بن الأسلت، واسمه صيفيّ:
أتفخر صيفيّ فيما تقول أن نلتم غيلة أربعة
عرانين كلهم ماجدكثير الدسائع والمنفعة
فهلا حضرت غداة البقيع لما استمات أبو صعصعه
ولكن كرهت شهود الوغىوكنتم كذلك في المعمعه
سراعا إلى القتل في خفيةبطاء عن القتل في المجمعه
وأنشد الأصمعي:
آتي النّديّ فلا يقرّب مجلسيوأقود للشرف الرفيع حماريا
وقال حبيب بن أوس:
كالخوط في القد والغزالة في البهجة وابن الغزال في غيده
وما حكاه، ولا نعيم لهفي جيده بل حكاه في جيده
إلى المفدّى أبي يزيد الذييضلّ غمر الملوك في ثمده
ظل عفاة يحب زائرهحب الكبير الصغير من ولده
إذا أناخوا ببابه أخذواحكمهم من لسانه ويده
وقال أيضا:
لعمرك ما كانوا ثلاثة أخوةولكنهم كانوا ثلاث قبائل
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع