من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
إختلاف الأزياء
قال ابن عباس ﵀ في تعظيم شأن عصا موسى ﵇:
«الدابة ينشق عنها الصفا، معها عصا موسى، وخاتم سليمان، تمسح المؤمن بالعصا وتختم الكافر بالخاتم».
وجعل الله ﵎ أكبر آداب النبي ﵇ في السّواك، وحضّ عليه ﷺ. والمسواك ألا يكون إلا عصا.
وقال أبو الوجيه: قضبان المساويك البشام، والضّرو، والعتم والأراك، والعرجون، والجريد، والإسحل.
وقد يلبس الناس الخفاف والقلانس في الصيف كما يلبسونها في الشتاء، إذا دخلوا على الخلفاء وعلى الأمراء، وعلى السادة والعظماء، لأن ذلك أشبه بالإحتفال، وبالتعظيم والإجلال، وأبعد من التبذل والإسترسال، وأجدر أن يفصلوا بين مواضع أنسهم في منازلهم ومواضع إنقباضهم.
وللخلفاء عمّة، وللفقهاء عمة، وللبقالين عمة، وللأعراب عمة، وللصوص عمة، وللأبناء عمة، وللروم والنصارى عمة، ولأصحاب التشاجي عمة.
ولكل قوم زي: فللقضاة زي، ولأصحاب القضاة زي، وللشرط زي، وللكتّاب زي، ولكتاب الجند زي. ومن زيهم أن يركبوا الحمير وإن كانت الهماليج لهم معرضة.
وأصحاب السلطان ومن دخل الدار على مراتب: فمنهم من يلبس المبطّنة، ومنهم من يلبس الدّرّاعة، ومنهم من يلبس القباء، ومنهم من يلبس البازيكند ويعلق الخنجر، ويأخذ الجرز، ويتخذ الجمّة.
وزي مجالس الخلفاء في الشتاء والصيف فرش الصوف. وترى أن ذلك أكمل وأجزل وأفخم وأنبل. ولذلك وضعت ملوك العجم على رؤوسها التيجان، وجلست على الأسرة، وظاهرت بين الفرش. وهل يملأ عيون الأعداء ويرعب قلوب المخالفين، ويحشو صدور العوام إفراط التعظيم إلا تعظيم شأن السلطان، والزيادة في الأقدار، وإلا الآلات. وهل دواؤهم إلا في التهويل عليهم؟ وهل تصلحهم إلا إخافتك إياهم؟ وهل ينقادون لما فيه الحظ لهم ويسلسون بالطاعة التي فيها صلاح أمورهم إلا بتدبير يجمع المهابة والمحبة.
وكانت الشعراء تلبس الوشي والمقطعات والأردية السود، وكل ثوب مشهر. وقد كان عندنا منذ نحو خمسين سنة شاعر يتزيا بزي الماضين، وكان
له برد أسود يلبسه في الصيف والشتاء، فهجاه بعض الطياب من الشعراء فقال في قصيدة له:
بع بردك الأسود قبل البردفي قرة تأتيك صما صرد
وكان لجربان قميص بشار الأعمى وجبته لبنتان، فكان إذا أراد نزع شيء منها أطلق الأزرار فسقطت الثياب على الأرض، ولم ينزع قميصه من جهة رأسه قط.
وقدّويه العدوي الشحّاجيّ، لم يلبس قط قميصا، وهو اليوم حي، وهو شيخهم، وهو شيخ كبير.
وسعيد بن العاصي الجواد الخطيب، لم ينزع قميصه قط. فقدويه الشحاجي ضد سعيد بن العاصي الأموي. وقال الحطيئة:
سعيد فلا يغررك قلة لحمهتخدّد عنه اللحم فهو صليب
وكان شديد السواد نحيفا.
ومن شأن المتكلمين أن يشيروا بأيديهم وأعناقهم وحواجبهم. فإذا أشاروا بالعصي فكأنهم قد وصلوا بأيديهم أيديا أخر. ويدل على ذلك قول الأنصاري حيث يقول:
وسارت لنا سيارة ذات سؤددبكوم المطايا والخيول الجماهر
يؤمون ملك الشام حتى تمكنواملوكا بأرض الشام فوق المنابر
يصيبون فصل القول في كل خطبةإذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
وقال الكميت بن زيد:
ونزور مسلمة المهذّب بالمؤبدة السوائر
بالمذهبات المعجبات لمفحم منا وشاعر
أهل التجاوب في المحافل والمقاول بالمخاصر
وأيضا إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة، والتهيؤ للإطناب والإطالة، وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم. حتى أنهم ليذهبون في حوائجهم والمخاصر بأيديهم، ألفا لها، وتوقعا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها.
وعلى ذلك المعنى أشار النساء بالمآلي وهن قيام في المناحات، وعلى ذلك المثال ضربن الصدور بالنعال.
وإنما يكون العجز والذلة في دخول الخلل والنقص على الجوارح، وأما الزيادة فيها فالصواب فيه. وهل ذلك إلا كتعظيم كور العمامة، وإتخاذ القضاة القلانس العظام في حمّارة القيظ، وإتخاذ الخلفاء العمائم على القلانس فإن كانت القلانس مكشوفة زادوا في طولها وحدة رؤوسها، حتى تكون فوق قلانس جميع الأمة.
وكذلك القناع، لأنه أهيب. وعلى ذلك المعنى كان يتقنّع العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى وأشباههم. وسليمان بن أبي جعفر، وعيسى بن جعفر، وإسحاق بن عيسى، ومحمد بن سليمان ثم الفضل بن الربيع، والسندي بن شاهك وأشباههما من الموالى. لأن ذلك أهيب في الصدور، وأجل في العيون.
والمقنع أروع من الحاسر، لأنه إذا لم يفارقه الحجاب وإن كان ظاهرا في الطرق كان أشبه بمباينة العوام وسياسة الرعية.
وطرح القناع ملابسة وابتذال، ومؤانسة ومقاربة. والدليل على صواب
هذا العمل من بني هاشم، ومن صنائعهم ورجال دعوتهم، وإنهم قد علموا حاجة الناس إلى أن يهابوهم، وإن ذلك هو صلاح شأنهم- إن رسول الله ﷺ كان أكثر الناس قناعا.
والدليل على أن ذلك قد كان شائعا في الأسلاف المتبوعين أنا نجد رؤوساء جميع أهل الملل، وأرباب النحل، على ذلك. ولذلك اتخذوا في الحروب الرايات والأعلام، وإنما ذلك كله خرق سود وحمر وصفر وبيض.
وجعلوا اللواء علامة للعقد والعلم في الحرب مرجعا لصاحب الجولة. وقد علموا أنها وإن كانت خرقا على عصي إن ذلك أهيب في القلوب وأهول في الصدور، وأعظم في العيون. ولذلك أجمعت الأمم رجالها ونساؤها على إطالة الشعور، لأن ذا الجمة أضخم هامة وأطول قامة، وإن الكاسي أفخم من العاري. ولولا أن حلق الرأس طاعة وعبادة، وتواضع وخضوع، وكذلك السعي ورمي الجمار، لما فعلوا ذلك.
وفي الحديث أنه لا يفتح عموريّة إلا رجال ثيابهم ثياب الرهبان وشعورهم شعور النساء.
وكل ما زادوه في الأبدان، ووصلوه بالجوارح، فهو زيادة في تعظيم تلك الأبدان.
والعصي والمخاصر مع الذي عددناه، ومع ذلك الذي ذكرناه ونريد ذكره من خصال منافعها، كله باب واحد.
والمغنّي قد يوقّع بالقضيب على أوزان الأغاني، والمتكلم قد يشير برأسه ويده على أقسام كلامه وتقطيعه. ففرقوا ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني. ولو قبضت يده ومنع حركة رأسه، لذهب ثلثا كلامه.
وقال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي.
وأراد معاوية سحبان وائل على الكلام، وكان قد اقتضبه إقتضابا، فلم
ينطق حتى أتوه بمخصرة، فرطلها بيده فلم تعجبه حتى أتوه بمخصرة من بيته.
والمثل المضروب بعصا الأعرج، يقولون: «أقرب من عصا الأعرج» ويضربون المثل بعصا النهدي. قال علقمة بن عبدة في صفة فرس أنثى:
سلاءة كعصا النهدي غلّ لهامنظّم من نوى قرّان معجوم
ويضربون المثل برميح أبي سعد. وكان أبو سعد أعرج، وفد في وفد عاد. قال ذو الأصبع العدواني:
إن تكن شكّتي رميح أبي سعد فقد أحمل السلاح معا
وقال عباس بن مرداس:
جزى الله خيرا خيرنا لصديقهوزوّده زادا كزاد أبي سعد
وزوّده صدقا وبرا ونائلاوما كان في تلك الوفادة من حمد
وقال الآخر:
فآب بجدوى زامل وابن زاملعدوّك، أو جدوى كليب بن وائل
ويقولون: «لو كان في العصا سير». ويقولون: «ما هو إلا أبنة عصا، وعقدة رشاء». ويقولون: أخرج عوده كعصا البقّار، وأخرج أيضا عوده كعصا الحادي.
وكان أبو العتاهية أهدى إلى أمير المؤمنين المأمون عصا نبع، وعصا شريان، وعصا آبنوس، وعصا أخرى كريمة العيدان، شريفة الأغصان، وأردية قطرية، وركاء يمانية، ونعالا سبتية، فقبل من ذلك عصا واحدة ورد الباقي.
وبعث إليه مرة أخرى بنعل وكتب إليه في ذلك:
نعل بعثت بها لتلبسهاتسعى بها قدم إلى المجد
لو كنت أقدر أن أشركهاخدي جعلت شراكها خدي
فقبلها.
الكلبي عن أبي صالح، عن أبن عباس، أن الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ عوسج، وأنه نودي من جوف العوسج، وأن عصاه كانت من آس الجنة، وأنها كانت من العود الذي في وسط الورقة، وكان طولها طول موسى ﵇. وقالوا: من العليق.
وقال الآخر:
صفراء من نبع كلون الورسأبدؤها بالدهن قبل نفسي
وأنشد الأصمعي عن بعض الأعراب:
ألا قالت الخنساء يوم لقيتهاكبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبةتقنّع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلمايسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالةمن الجذع المجرى وأبعد منزعا
وقال إسحاق بن سويد:
في رداء النبي أقوى دليلثم في القعب والعصا والقضيب
وقال أبو الشيص الأعمى في هارون الرشيد:
يا بني هاشم أفيقوا فإن الملك منكم حيث العصا والرداء
ما لهارون في قريش كفيّوقريش ليست لهم أكفاء
وقال آخر:
على خشبات الملك منه مهابةوفي الحرب عبل الساعدين قروع
يشقّ الوغى عن رأسه فضل نجدةوأبيض من ماء الحديد وقيع
ومما يجوز في العصا قول أبي الشيص:
أنعي فتىّ مصّ الثرى بعدهبقيّة الماء من العود
أنعي فتى الجود إلى الجودما مثل من أنعي بموجود
ومن هذا الباب قول عبد الله بن جدعان:
فلم أر مثلهم حيّين أبقىعلى الحدثان إن طرقت طروقا
وأضرب عند ضنك الأمر منهموأسلكهم لأحزنه طريقا
شريت صلاحهم بتلاد ماليفعاد الغصن معتدلا وريقا
ويقولون للرجل إذا أثرى وأفاد وكثرت نعمته: «ضع عصاك»، و «قد وضع عصاه».
وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:
ونجرّ الأذيال في نعمة زول تقولان ضع عصاك لدهر
ويقولون للمستوطن في البلد والمستطيب للمكان: «قد ألقى عصاه».
وقال زهير بن أبي سلمى:
فلما وردن الماء زرقا جمامهوضعن عصي الحاصر المتخيّم
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع