من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
القناع
وكان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع، وفي أسواق العرب، كأيام عكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك، التقنّع، إلا ما كان من أتى سليط طريف بن تميم، أحد بني عمرو بن جندب، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تثبت عينه جميع فرسان العرب، وكانوا يكرهون أن يعرفوا فلا يكون لفرسان عدوهم همّ غيرهم.
ولما أقبل حمصيصة الشيباني يتأمل طريفا قال طريف:
أو كلما وردت عكاظ قبيلةبعثوا إلي عريفهم يتوسّم
فتوسموني أنني أنا ذاكمشاك سلاحي في الحوادث معلم
تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرةزغف ترد السيف وهو مثلم
ولكل بكريّ إلي عداوةوأبو ربيعة شانىء ومحلّم
فكان هذا من شأنهم. وربما مع ذلك أعلم نفسه الفارس منهم بسيما.
كان حمزة يوم بدر معلما بريشة نعامة حمراء. وكان الزبير معلما بعمامة صفراء. ولذلك قال درهم بن زيد:
إنك لاق غدا غواة بني الملكاء فانظر ما أنت مزدهف
يمشون في البيض والدروع كماتمشي جمال مصاعب قطف
فأبد سيماك يعرفوك كمايبدون سيماهم فتعترف
وكان المقنع الكندي الشاعر، واسمه محمد بن عمير، كان الدهر مقنعا.
والقناع من سيما الرؤساء. والدليل على ذلك والشاهد الصادق، والحجة القاطعة، أن رسول الله صلى ﷺ كان لا يكاد يرى إلا مقنّعا. وجاء في الحديث: «حتى كأن الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دهان».
وكان المقنع الذي خرج بخراسان يدّعي الربوبية، لا يدع القناع في حال من الحالات. وجهل بإدعاء الربوبية من طريق المناسخة، فادعاها من الوجه الذي لا يختلف فيه الأحمر والأسود، والمؤمن والكافر، إن باطله مكشوف كالنهار. ولا يعرف في شيء من الملل والنحل القول بالتناسخ إلا في هذه الفرقة من الغالية. وهذا المقنع كان قصّارا من أهل مرو، وكان أعور ألكن.
فما أدري أيهما أعجب، أدعواه بأنه رب، أو إيمان من آمن به وقاتل دونه؟! وكان اسمه عطاء.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع