من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
المخصرة
وبالناس حفظك الله أعظم الحاجة إلى أن يكون لكل جنس منهم سيما، ولكل صنف منهم حلية وسمة يتعارفون بها.
وقال الفرزدق بن غالب:
له ندب مما يقول ابن غالبيلوح كما لاحت وسوم المصدق
وقال آخر:
أنار حتى صدقت سماتهوظهرت من كرم آياته
وأنشدني أبو عبيدة:
سقاها ميسم من آل عمروإذا ما كان صاحبها جحيشا
وذكر بعض الأعراب ضروبا من الوسم، فقال:
بهنّ من خطّافنا خبط وسموحلق في أسفل الذفرى نظم
معها نظام مثل خط بالقلموقرمة ولست ادري من قرم
عرض وخبط للمحليها المسم
وقال ﵎: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
وكما خالفوا بين الأسماء للتعارف، قال الله ﷿: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
. فعند العرب العمّة وأخذ المخصرة من السيما.
وقد لا يلبس الخطيب الملحفة ولا الجبة ولا القميص ولا الرداء. والذي لا بد منه العمة والمخصرة. وربما قام فيهم وعليه إزاره قد خالف بين طرفيه.
وربما قام فيهم وعليه عمامته، وفي يده مخصرته، وربما كانت قضيبا وربما كانت عصا، وربما كانت قناة. وفي القنا ما هو اغلظ من الساق، وفيها ما هو أدق من الخنصر. وقد تكون محكّكة الكعوب مثقّفة من الإعوجاج، قليلة الأبن. وربما كان العود نبعا وربما كان من شوحط، وربما كان من آبنوس، ومن غرائب الخشب ومن كرائم العيدان، ومن تلك الملس المصفاة. وربما كانت لبّ غصن كريم، فإن للعيدان جواهر كجواهر الرجال ولولا ذلك لما كانت في خزائن الخلفاء والملوك. ومنها ما لا تقربه الأرضة ولا تؤثر فيه القوادح والعكّازة إذا لم يكن في اسفلها زجّ فهي عصا، لأن أطول القنا أن يقال رمح خطل، ثم رمح بائن، ثم رمح مخموس، ثم رمح مربوع، ثم رمح مطرد، ثم عكازة، ثم عصا.
ثم من العصي نصب المساحي والمرور والقدم والفؤوس والمعاول والمناجل، والطبرزينات. ثم يكون من ذلك نصب السكاكين والسيوف والمشامل وكل سهام نبعية، وغير ذلك من العيدان، مما امتدحها أوس بن حجر أو الشّماخ بن ضرار، أو احد من الشعراء، فإنما هي من عصا.
وكل قوس بندق فإنما جيء بقناتها من بروض، ومدح ببريها وصنعتها عصفور القواس. وقال الرقاشي:
أنعت قوسا نعت ذي انتقاءجاء بها جالب بروضاء
بعد اعتيام منه وانتصاءكافية الطول على انتهاء
مجلوزة الأكعب في استواءسالمة من أبن السيساء
فلم تزل مساحل البراءتأخذ من طوائف اللحاء
حتى بدت كالحية الصفراءترنو إلى الطائر في السماء
بمقلة سريعة الأقذاءليست بكحلاء ولا زرقاء
وقال الآخر:
قد اغتدي ملث الظلام بفتيةللرمي قد حسروا له عن أذرع
متنكبين خرائطا لبنادقما بين مضفور وبين مرسع
بأكفهم قضبان بروض قد غدواللطير قبل نهوضها للمرتع
تقذي منيات الطيور عيونهايوما إذا رمدت بأيدي النزّع
صفر البطون كأن ليط متونهاسرق الحرير نواضر لم تسلع
وكانت العنزة التي تحمل بين يدي رسول الله ﷺ وربما جعلوها قبلة- أشهر وأذكر من أن يحتاج في تثبيتها إلى ذكر الإسناد.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع