من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة والعلوم والحرب
قالت الشعوبية ومن يتعصب للعجمية: القضيب للإيقاع، والقناة للبقّار، والعصا للقتال، والقوس للرمي. وليس بين الكلام وبين العصا سبب، ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر، ويعترضا على الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ. وقد زعم أصحاب الغناء أن المغني إذا ضرب على غنائه، قصّر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه. وحمل العصا بأخلاق الفدادين أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل البدو، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق أشكل، وبه أشبه.
قالوا: والخطابة شيء في جميع الأمم، وبكلّ الأجيال إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزّنج مع الغثارة، ومع فرط الغباوة، ومع كلال الحد وغلظ الحس وفساد المزاج، لتطيل الخطب، وتفوق في ذلك جميع العجم، وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ، وألفاظها أخطل وأجهل. وقد علمنا أن أخطب الناس الفرس وأخطب الفرس أهل فارس، وأعذبهم كلاما وأسهلهم مخرجا وأحسنهم دلّا وأشدهم فيه تحكما، أهل مرو، وأفصحهم بالفارسية الدريّة، وباللغة الفهلوية، أهل قصبة الأهواز، فأما نغمة الهرابذة، ولغة الموابدة، فلصاحب تفسير الزمزمة.
قالوا: ومن أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة، ويعرف الغريب، ويتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. ومن احتاج إلى العقل والأدب، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات، والألفاظ الكريمة، والمعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس ورسائلها وخطبها والفاظها، ومعانيها. وهذه يونان ورسائلها وخطبها، وعللها وحكمها، وهذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة، والخطأ من الصواب، وهذه كتب الهند في حكمها وأسرارها، وسيرها وعللها، فمن قرأ هذه الكتب، وعرف نور تلك العقول، وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة، وأين تكاملت تلك الصناعة. فكيف سقط على جميع الأمم من المعروفين بتدقيق المعاني، وتخيّر الألفاظ، وتمييز الأمور، أن يشيروا بالقنا والعصي، والقضبان والقسي.
كلا، ولكنكم كنتم رعاة بين الإبل والغنم، فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر، وحملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر، وحملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب. ولطول إعتيادكم لمخاطبة الإبل، جفا كلامكم، وغلظت مخارج أصواتكم، حتى كأنكم إذا كلمتم الجلساء إنما تخاطبون الصمّان. وإنما كان جل قتالكم بالعصي. ولذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال:
ولسنا نقاتل بالعصي ولا نرامي بالحجارة
إلا علالة أو بداهة قارح نهد الجزاره»
وقال آخر:
فإن تمنعوا منا السلاح فعندماسلاح لنا لا يشترى بالدراهم
جنادل أملاء الأكفّ كأنهارؤوس رجال حلّقت بالمواسم
وقال جندل الطهوي:
حتى إذا دارت رحى لا تجريصاحت عصي من قنا وسدر
وقال آخر:
دعا ابن مطيع للبياع فجئتهإلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لما لمستهابكفي ليست من أكفّ الخلائف
من الششنات الكزم أنكرت مسهاوليست من البيض الرفاق اللطائف
معاودة حمل الهراوي لقومهافرورا إذا ما كان يوم التسايف
وقال آخر:
ما للفرزدق من عز يلوذ بهإلا بني العمّ في أيديهم الخشب
قالوا: وإنما كانت رماحكم من مرّان، واسنتكم من قرون البقر، وكنتم تركبون الخيل في الحرب اعراء. فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم، ولم يكن ذا ركاب، والرّكاب من أجود آلات الطاعن برمحه، والضارب بسيفه. وربما قام فيهما أو اعتمد عليهما. وكان فارسهم يطعن بالقناة الصماء، وقد علمنا أن الجوفاء أخف محملا، وأشد طعنة. ويفخرون بطول القناة ولا يعرفون الطعن بالمطاردة، وإنما القنا الطوال للرّجالة، والقصار للفرسان، والمطارد لصيد الوحش. ويفخرون بطول الرمح وقصر السيف، فلو كان المفتخر بقصر السيف الراجل دون الفارس، لكان الفارس يفخر بطول السيف، وإن كان الطول في الرمح إنما صار صوابا لأنه ينال به البعيد، ولا يفوته العدو، ولأن ذلك يدل على شدة أسر الفارس وقوة أيده. فكذلك السيف الطويل العريض.
وكنتم تتخذون للقناة زجّا وسنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته، ويعتمد عند طعنته بفخذه، ويستعن بحمية فرسه.
وكان أحدكم يقبض على وسط القناة ويخلف منها مثل ما قدم، فإنما طعنكم الرزة والنهزة، والخلس والزج.
وكنتم تتساندون في الحرب، وقد أجمعوا على أن الشركة ردية في ثلاثة أشياء: في الملك، والحرب، والزوجة.
وكنتم لا تقاتلون بالليل، ولا تعرفون البيات ولا الكمين، ولا الميمنة ولا
الميسرة، ولا القلب ولا الجناح، ولا الساقة ولا الطليعة ولا النفّاضة ولا الدّراجة، ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العرادة، ولا المجانيق، ولا الدّبابات ولا الخنادق، ولا الحسك، ولا تعرفون الأقبية ولا السراويلات، ولا تعليق السيوف، ولا الطبول ولا البنود ولا التجافيف، ولا الجواشن ولا الخوذ، ولا السواعد ولا الأجرس، ولا الوهق ولا الرمي بالبنجكان، والزرق بالنفط والنيران.
وليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع إليه المنحاز، ويتذكره المنهزم. وقتالكم أما سلّة وأما مزاحفة. والمزاحفة على مواعد متقدمة، والسّلة مسارقة وفي طريق الإستلاب والخلسة.
قالوا: والدليل على أنكم لم تكونوا تقاتلون قول العامري:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبةعلى سخينة لولا الليل والحرم
ويدلك على ذلك ايضا قول عبد الحارث بن ضرار:
وعمرو إذ أتانا مستميتاكسونا رأسه عضبا صقيلا
فلولا الليل ما آبوا بشخصيخبّر أهلهم عنهم قليلا
وقال أمية بن الأسكر:
ألم تر أن ثعلبة بن سعدغضاب، حبذا غضب الموالي
تركت مصرفا لما التقيناصريعا تحت أطراف العوالي
ولولا الليل لم يفلت ضرارولا رأس الحمار أبو جفال
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع