من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
ومن أحاديث النوكى
حديث أبي سعيد الرفاعي: سئل عن الدنيا والدائسة، فقال: أما الدنيا فهذه الذي أنتم فيها، وأما الدائسة فهي دار أخرى بائنة من هذه الدار، لم يسمع أهلها بهذه الدار ولا بشيء من أمرها، وكذلك نحن لم نسمع بشيء من أمرها، إلا أنه قد صحّ عندنا إن بيوتهم من قثاء، وسقوفهم من قثاء وأنعامهم من قثاء، وخيلهم من قثاء، وهم أنفسهم من قثاء، وقثاءهم أيضا من قثاء. قالوا له: يا أبا سعيد، زعمت أن أهل تلك الدار لم يسمعوا بهذه الدار ولا بشيء من أمرها، وكذلك نحن لهم، وأراك تخبرنا عنهم بأخبار كثيرة. قال: فمن ثمّ أعجب زيادة.
قالوا: ذمّ رجل عند الأحنف الكمأة بالسمن، فقال الأحنف: «ربّ ملوم لا ذنب له».
عبد الله بن مسلم، عن شبّة بن عقال، إن رجلا قال في مجلس عبيد الله بن زياد: ما أطيب الأشياء؟ فقال رجل: ما شيء أطيب من تمرة نرسيان كأنها من آذان النوكى عليتها بزبدة.
وقال أوس بن جابر لأبن عامر:
ظلت عتاب النوك تخفق فوقهرخو طفاطفه قديم الملعب
قد ظلّ يوعدني وعين وزيرهخضراء خاسفة كعين العقرب
يعني بوزيره عبد الله بن عمير الليثي، وكان أخاه لأمه، أمهما دجاجة بنت أسماء السلمية.
وقال ابن مناذر، في خالد بن عبد الله بن طليق الخزاعي، وكان المهدي استقضاه وعزل عبيد الله بن الحسن العنبري:
أتى دهرنا والدهر ليس بمعتببآبدة والدهر جمّ الأوابد
بعزل عبيد الله عنا فيا لهخلافا وباستعمال ذي النوك خالد
بحيران عن قصد الطريق تردّهخيانة سلام ولحية فايد
أذلك من ريب الزمان وصرفهوأحداثه أم نحن في حلم راقد
وقال أيضا:
قل لأمير المؤمنين الذيمن هاشم في سرّها واللباب
إن كنت للسخطة عاقبتنابخالد فهو أشدّ العذاب
أصمّ أعمى عن سبيل الهدىقد ضرب الجهل عليه حجاب
يا عجبا من خالد كيف لايخطىء فينا مرة بالصواب
وقال:
خالد يحكم في الناس بحكم الجاثليق
يا أبا الهيثم ما كنت لهذا بخليق
أيّ قاض أنت للظلم وتعطيل الحقوق
لا ولا أنت لما حملت منه بمطيق
وقال:
يقطع كفّ القاذف المفتريويجلد اللصّ ثمانينا
سقيا ورعيا لك من حاكميحيي لنا السنة والدنيا
وقال زهرة الأهوازيّ:
يا قوم من دلّ على عالميعلم ما حد حر سارق
وقال آخر؛
وإني لمضاء على الهول واحداولو ظل ينهاني أخيفش شاحج
تشبه للنوكى أمور كثيرةوفيها لأكياس الرجال مخارج
وقال آخر:
ولا يعرفون الشرّ حتى يصيبهمولا يعرفون الأمر إلا تدبرا
وقال آخر:
إذا ظعنوا عن دار ضيم تعاذلواعليها وردوا وفدهم يستقيلها
وقال النابغة:
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعدهولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
والعرب تقول: «أخزى الله الرأي الدبريّ ».
وقالوا: وجه الحجاج إلى مطهّر بن عمار بن ياسر، عبد الرحمن بن سليم الكلبي، فلما كانوا بحلوان أتبعه الحجاج مددا، وعجل عليه بالكتاب مع تخّيت الغلط- وإنما قيل له ذلك لكثرة غلطه- فمر تخيت بالمدد وهم يعرضون بخانقين فلما قدم على عبد الرحمن قال له: أين تركت مددنا؟ قال: تركتهم يخنقون بعارضين. قال: أو يعرضون بخانقين؟ قال: نعم، اللهم لا تخانق في باركين! ولما ذهب يجلس ضرط، وكان عبد الرحمن أراد أن يقول له: ألا تغذى؟ فقال له: ألا تضرط. قال: قد فعلت أصلحك الله. قال: ما هذا أردت. قال:
صدقت ولكن الأمير غلط كما غلطنا فقال: أنا غلطت من فمي، وغلط هو من إسته.
وهو كما قال أبو وائل: أسمعكم تقولون: الدانق والقيراط، فأيما أكثر؟
قالوا: وكان عامر بن عبد الله بن الزبير في المسجد، وكان قد أخذ عطاءه فقام إلى منزله ونسيه، فلما صار في منزله وذكره بعث رسولا ليأتيه به، فقيل له: وأين تجد ذلك المال؟ فقال: سبحان الله، أو يأخذ أحد ما ليس له.
أبو الحسن قال: قال سعيد بن عبد الرحمن الزّبيريّ، قال: سرقت نعل عامر بن عبد الله الزبيري فلم يتخذ نعلا حتى مات، وقال: أكره أن اتخذ نعلا فلعلّ رجلا يسرقها فيأثم.
وقالوا: إن الخلفاء والأئمة أفضل من الرعية، وعامة الحكام أفضل من المحكوم عليهم ولهم، لأنهم افقه في الدين وأقوم بالحقوق، وأردّ على المسلمين وعلمهم بهذا أفضل من عبادة العباد، لأن نفع ذلك لا يعدو قمم رؤوسهم، ونفع هؤلاء يخص ويعم.
والعبادة لا تدلّه ولا تورث البله إلا لمن آثر الوحدة، وترك معامله الناس، ومجالسة أهل المعرفة. فمن هنالك صاروا بلها، حتى صار لا يجيء من اعبدهم حاكم ولا إمام.
وما أحسن ما قال أيوب السختياني، حيث يقول: «في أصحابي من أرجو دعوته ولا أقبل شهادته». فإذا لم يجز في الشهادة كان من أن يكون حاكما أبعد.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع