تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أحاديث طريفة

قال: وقلت لحباب: إنك لتكذب في الحديث. قال: وما عليك إذا كان الذي أريد فيه أحسن منه. فو الله ما ينفعك صدقه ولا يضرك كذبه. وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن. ولكنك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك، ولذهب كلامك.

وقال أبو الحسن: سمع أعرابي مؤذنا يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله». قال: يفعل ماذا؟

قال: وكان يقال: أول العلم الصمت، والثاني الإستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره.

أبو الحسن قال: قرأ رجل في زمن عمر بن الخطاب ﵀: فإن

زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم: فقال أعرابي لا يكون.

قال: ودخل على المهدي صالح بن عبد الجليل، فسأله أن يأذن له في الكلام، فقال: تكلم. فقال: إنا لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله ﷺ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي، عند إنقطاع عذر الكتمان في التقية، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه.

فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص، ليتم مؤدبنا على موعود الأداء عنهم، وقابلنا على موعود القبول، أو يردنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية، ويحلينا تحلية الكاذبين، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذّبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل عليه العلم وأدبر عنه. ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل فقد رغب عن هدية الله وقصر بها. فاقبل ما أهدى الله إليك على ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبولا فيه سمعة ورياء، فإنه لا يعدمك منا إعلام بما تجهل، أو مواطأة على ما تعلم، أو تذكير لك من غفلة. فقد وطن الله جل وعز، نبيه ﵇ على نزولها تغزية عما فات، وتحصينا من التمادي، ودلالة على المخرج، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

. فأطلع الله على قلبك بما ينوّر به القلوب، من إيثار الحق ومنابذة الأهواء، فإنك إن لم تفعل ذلك ير أثرك وأثر الله عليك فيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال: ودخل رجل على معاوية، وقد سقطت أسنانه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأعضاء يرث بعضها بعضا. فالحمد لله الذي جعلك وارثها ولم يجعلها وارثتك.

وحدثنا اسماعيل بن عليّة قال: حدثنا زياد بن أبي حسان، أنه شهد عمر ابن عبد العزيز ﵀ حين دفن ابنه عبد الملك، فلما سوي عليه قبره

بالأرض، وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون، أحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة، واستوى قائما وأحاط به الناس، قال:

رحمك الله يا بني، فلقد كنت برا بأبيك، وما زلت مذ وهبك الله لي بك مسرورا. ولا والله ما كنت قط أشدّ بك سرورا، ولا أرجى لحظي من الله فيك، مني مذ وضعتك في هذا الموضع الذي صيرك الله إليه. فغفر الله ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، وتجاوز عن سيئتك ورحم الله كلّ شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب. رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره. فالحمد لله رب العالمين. ثم انصرف.

وحدثني محمد بن عبيد الله بن عمرو قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: قال لي عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة: جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال، فكنت لا أكون في قبيلة إلا شهر أمري، فلما رأيت ذلك عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي، قال المبارك:

فأرسل إلي: أن وافني عند باب الأمير سليمان بن عبد الملك. قال: فأتيته فإذا عليه طيلسان أبيض مطبق، وسراويل وشي مسدولة. قال: سبحان الله، ما تصنع الحداثة بأهلها، إن هذا ليس لباس هذا اليوم. قال: لا والله، ولكن ليس عندي ثوب إلا أشهر مما ترى. قال: فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إلى ركبتيه. قال: فدخل ثم خرج إلي مسرورا. قال: قلت: حدثنا ما جرى بينك وبين الأمير. قال: دخلت عليه ولم يرني قبل ذلك، فقلت:

أصلح الله الأمير، لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فأما قبلتني غانما، وأما رددتني سالما. قال: ومن أنت أعرفك. قال: فانتسبت له، فقال: اقعد فتكلم غانما سالما. ثم أقبل علي فقال: حاجتك يا ابن أخي قال: قلت: إن الحرم اللاتي أنت أقرب الناس إليهن معنا، وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه. قال: فو الله ما أجابني إلا بدموعه على خديه.

قال: يا ابن أخى يحقن الله دمك، وتحفظ حرمك، ويوفر عليك مالك، ولو

أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت. قال: فقلت: أكون متواريا أو ظاهرا؟

قال: كن متواريا كظاهر.

فكنت والله أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمه. قال: فلما فرغ من الحديث رددت إليه طيلسانه، فقال: مهلا، إن ثيابنا إذا فارقتنا لم ترجع إلينا.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.