تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

خطبة الحجاج [في الكوفة]

حدثنا محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد، عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال:

خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها، في إثني عشر راكبا على النجائب، حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب إلى الحرورية، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بغمامة خز حمراء، فقال: علي بالناس! فحسبوه وأصحابه خوارج، فهموا به، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه، ثم قال:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى اضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

أما والله إني لأحتمل الشرّ بحمله، واحذوه بفعله، وأجزيه بنعله، وإني

لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى.

قد شمّرت عن ساقها فشمرا

ثم قال:

هذا أوان الشد فاشتدي زيمقد لفها الليل بسوّاق حطم
ليس براعي ابل ولا غنمولا بجزّار على ظهر وضم

وقال أيضا:

قد لفها الليل بعصلبيّأروع خرّاج من الدويّ

مهاجر ليس بأعرابي

إني والله يا أهل العراق، والشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق، ما أغمز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية. إن أمير المؤمنين كب كنانته ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها عمودا، فوجهني إليكم، فإنكم طالما أوضعتم في الفتن، وأضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغيّ. أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. إني والله لا اعد إلا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت. فإياي وهذه الجماعات وقال وقيل، وما تقولون؟ وفيم انتم وذاك؟

أما والله لتستقيمنّ على طريق الحق أو لأدعنّ لكل رجل منكم شغلا في جسده. من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله.

ثم دخل منزله.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.