من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
من نوادر الأخبار والأشعار
قال أبو الحسن عتّاب: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، إن الإسكندر كان لا يدخل مدينة إلا هدمها، وقتل أهلها، حتى مر بمدينة كان مؤدبه فيها، فخرج إليه، فألطفه الإسكندر وأعظمه، فقال له: «أيها الملك، إن أحق من زيّن لك أمرك وواتاك على كل ما هويت لأنا، وإن أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك، وأحب ألا تشفعني فيهم، وأن تخالفني في كل ما سألتك لهم». فأعطاه الإسكندر من ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه. فلما توثق منه قال: «فإن حاجتي أن تدخلها وتخربها وتقتل أهلها». فقال الإسكندر: ليس إلى ذلك سبيل، ولا بد من مخالفتك.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج».
وقال يزيد بن المهلب، وقد طال عليه حبس الحجاج: والهفاه على فرج في جبهة اسد، وطليّة بمائة ألف.
وقال الأصمعي: دخل درست بن رباط الفقيمي، على بلال بن أبي بردة وهو في الحبس، فعلم بلال أنه شامت به فقال بلال: ما يسرني بنصيبي من المكروه حمر النعم. فقال درست: فقد أكثر الله لك منه.
قال الهيثم بن عدي: كان عدي. سجّان يوسف بن عمر يرفع إلى يوسف بن عمر أسماء الموتى، فقال له عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: أقبض هذه العشرة الآلاف الدرهم، وارفع اسمي في الموتى. قال:
فرفع اسمه في الموتى فقال له يوسف بن عمر: ويحك جئني به. فرجع إليه فأعلمه فقال له: ويحك، اتق الله فيّ، فإني أخاف القتل. قال: وأنا أيضا أخاف ما تخاف. ثم قال: قتلك أهون عليّ من قتلي، ولا بد من قتلك. فوضع على وجهه مخدة فذهبت نفسه مع المال.
وأما عبد الله بن المقفع فإن صاحب الاستخراج لما ألح عليه في العذاب، قال لصاحب الإستخراج: أعندك مال وأنا أربحك ربحا ترضاه؟ وقد عرفت وفائي وسخائي وكتماني للسر، فعيني مقدار هذا النجم. فأجابه إلى ذلك، فلما صار له مال ترفق به مخافة أن يموت تحت العذاب فيتوى ماله.
وقال رجل لعمرو الغزال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ. فقال: لو أخبرتني أي آية كنت فيها لأخبرتك كم بقي من الليل.
وسمع مؤرّج البصري رجلا يقول: أمير المؤمنين يردّ على المظلوم.
فرجع إلى مصحفه فرد على براءة: «بسم الله الرحمن الرحيم».
وكان عبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه يعطش، وقيل له:
إن شربت الماء مت. فأقبل ذات يوم بعض العوّد، فقال: كيف حال أمير المؤمنين؟ فقال: أنا صالح والحمد لله. ثم أنشأ يقول:
ومستخبر عنا يريد بنا الردىومستخبرات والدموع سواجم
ويلكم اسقوني ماء وإن كان فيه تلف نفسي. فشرب ثم مات.
وكان حبيب بن مسلمة الفهريّ رجلا غزّاء للترك، فخرج ذات مرة إلى بعض غزواته، فقالت له إمرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة إن شاء الله. قالت: إني لأرجو أن اسبقك إلى أيّ الموضعين كنت به. فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك.
ولما مدح الكميت بن زيد الأسدي مخلّد بن يزيد بن المهلب، فقال له ابن بيض: إنك يا أبا المستهلّ لكجالب التمر إلى هجر! قال: نعم، ولكن تمرنا أجود من تمركم.
وكان السيد الحميري مولعا بالشراب، فمدح أميرا من أمراء الأهواز، ثم صار اليه بمديحه له، فلم يصل إليه. وأغبّ الشراب، فلما كان ذات يوم شرب ثم وصل إليه، فجلس من بعد، فقرّبه وشمّ منه ريح الشراب فقال: ما كنت أظن أبا هاشم يفعل هذا، ولكن يحتمل لمادح رسول الله ﷺ أكثر من هذا- يمازحه- ثم قال: يا جارية هلمي الدواة. ثم كتب إلى بعض وكلائه:
ادفع إلى أبي هاشم مائتي دورق ميبختجا. فقال السيد: لقد كنت أظن الأمير أبلغ ما هو. قال: وأي شيء رأيت من العي؟ قال: جمعك بين حرفين
وأنت تجتزي بأحدهما، أمح هذه الخبيثة «نحتجا» ودع «ميا» على حالها.
ففعل، وحمل الكتاب فأخذها عبيطا.
عبد الله بن فائد قال: قالت إمرأة الحضين بن المنذر للحضين: كيف سدت قومك وأنت بخيل وأنت دميم؟ قال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام.
قال: وقال مسلمة بن عبد الملك لهشام بن عبد الملك: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل وأنت جبان؟ قال: لأني حليم وأني عفيف.
وقال زبّان:
إن بني بدر يراع جوفكل خطيب منهم مؤوف
اهوج لا ينفعه التثقيف
وقال لبيد بن ربيعة:
وأبيض يجتاب الخروق على الوجىخطيبا إذا التف المجامع فاصلا
وقال في تفصيل العلم والخطابة، وفي مدح الإنصاف، وذم الشّغب:
وقد بلوتك وابتليت خليقتيولقد كفاك معلمي تعليمي
وقال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون مغالة وخيانةويعاب قائلهم وإن لم يشغب
وقال زيد بن جندب:
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهمعن الجدال وأغناهم عن الخطب
وقال لقيط بن زرارة:
إني إذا عاقبت ذو عقابوإن تشاغبني فذو شغاب
وقال أبن أحمر:
وكم حلّها من تيحان سميدعمصافي الندى ساق بيهماء مطعم
طوي البطن متلاف إذا هبّت الصباعلى الأمر غواص وفي الحي شيظم
وقال آخر:
وأغرّ منخرق القميص سميدع يدعو ليغزو ظالما فيجاب
قد مد أرسان الجياد من الوجىفكأنما أرسانها أطناب
وقال آخر:
كريم يغض الطرف عند حيائهويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لا ينته لان متنهوحدّاه إن خاشنته خشنان
وقال آخر:
يقيطّع طرفه عني سويدولم أذكر بسيئة سويدا
توقّ حداد شوك الأرض تسلموغير الأسد فاتخذنّ صيدا
وقال آخر:
لا تحسبن الموت موت البلىفإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكنّ ذاأشدّ من ذاك لذل السؤال
وللحسين بن مطير:
رأت رجلا أودى بوافر لحمهطلاب المعالي واكتساب المكارم
خفيف الحشا ضربا كأن ثيابهعلى قاطع من جوهر الهند صارم
فقلت لها لا تعجبنّ فإننيأرى سمن الفتيان إحدى المشاتم
وكان عمر بن الخطاب، ﵀، إذا رأى عبد الله بن عباس يقول في الأمر يعرض من جلة أصحاب رسول الله ﷺ، يقول: «غص غوّاص».
وقال ابن أحمر:
هل لامني قوم لموقف سائلأو في مخاصمة اللجوج الأصيد
وقال لبيد بن ربيعة في التطبيق على قوله:
يا هرم بن الأكرمين منصباإنك أوتيت حكما معجبا
فطبق المفصل واغنم طيبا
وقال آخر:
فلما إن بدا القعقاع لجّتعلى شرك تناقله نقالا
تعاورن الحديث وطبقتهكما طبقت بالنعل المثالا
وقال ابن أحمر:
لو كنت ذا علم علمت وكيف ليبالعلم بعد تدبّر الأمر
وقال:
ليست بشوشاة الحديث ولافتق مغالبة على الأمر
وقال:
تضع الحديث على مواضعهوكلامها من بعده نزر
وقال:
وخصم مضلّ في الضّجاج تركتهوقد كان ذا شغب فولى مواتيا
وذكر علي بن أبي طالب، ﵀، إكتل بن شمّاخ العكلي، فقال «الصّبيح الفصيح». وهو أول من اتخذ بيت مال لنفسه في داره.
عبد الله بن المبارك، عن معمر عن الحسن عن النبي ﷺ قال: «سيكون بعدي أمراء يعطون الحكمة على منابرهم وقلوبهم أنتن من الجيف».
جعفر بن سليمان الضبعي، عن مالك بن دينار، قال: غدوت إلى الجمعة، فجلست قريبا من المنبر، فصعد الحجاج المنبر، ثم قال: امرأ زوّر عمله، امرأ حاسب نفسه، امرأ فكر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه، امرأ كان عند قلبه زاجرا، وعند همه ذاكرا، امرأ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه وإن قاده إلى معصية الله كفه.
وبعث عديّ بن أرطأة إلى المهالبة أبا المليح الهذلي، وعبد الله بن عبد الله بن الأهتم، والحسن البصري، فتكلم الحسن فقال عبد الله: والله ما تمنيت كلاما قط أحفظه إلا كلام الحسن يومئذ.
قال: وتنقص ابن لعبد الله بن عروة بن الزبير عليا ﵀، فقال له أبوه: والله ما بنى الناس شيئا قط إلا هدمه الدين، ولا بنى الدين شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه، ألم تر إلى علي كيف يظهر بنو مروان من عيبه وذمه؟
والله لكأنما يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء. وما ترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمديح؟ والله لكأنما يكشفون عن الجيف.
أبو الحسن قال: قال عبد الله بن الحسن، لابنه محمد، حين أراد
الاستخفاء: «أي بني، إني مؤد إليك حق الله في حسن تأديبك، فأدّ إليّ حق الله في حسن الإستماع. أي بنيّ، كفّ الأذى، وأرفض البذا، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى القول، فإن للقول ساعات يضر فيها خطاؤه، ولا ينفع صوابه. احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشا، فإنه يوشك أن يورطاك بمشورتهما، فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل.
وكان يقال: من لانت كلمته وجبت محبته، ومن طال صمته اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة ما لا يضره.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع