تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في صفة الرائد الغيث، وفي نعته للأرض [بالكلام الغريب]

قال أبو المجيب: وصف رائد أرضا جدبة فقال: «اغبّرت جادتها. ودرّع مرتعها، وقضم شجرها، ورقت كرشها، وخور عظمها، والتقى سرحاها، وتميّز أهلها، ودخل قلوبهم الوهل، وأموالهم الهزل».

الجادة والحرجة والمجبة معناه كله: وسط الطريق ومعظمه ومنهجه.

والتقى سرحاها، يقول إذا أكل كل سارح ما يليه التقيا عند الماء، وإذا لم يكن للجمال مرعى إلا الشجر وحده رقت أكراشه. وقوله تميز أهلها، تفرقوا في طلب الكلأ. ومرتع مدرع، إذا كان بعيدا من الماء ومرتع قاصر، إذا كان قريبا من الماء. ويقولون ماء مطلب وماء مطنب إذا ألجأهم إلى طلبه من بعده.

ووصف أعرابي أرضا أحمدها فقال: «خلع شيحها، وأبقل رمثها، وخضب عرفجها، واتسق نبتها، واخضرّت قريانها، وأخوصت

بطنانها، واستحلست آكامها، واعتم نبت جراثيمها، وأجرت بقلتها ودرّقتها وخبازتها، واحورّت خواصر إبلها، وشكرت حلوبتها وسمنت قتوبتها، وعمد ثراها، وعقدت تناهيها، وأماهت ثمادها ووثق الناس بصائرتها».

قال: يقال: خلع الشيح، إذا أورق. والخالع من العضاة: الذي لا يسقط ورقه أبدا كالسدر، فإنه لا يتجرد، وكل شجر له شوك فهو عضاة، والواحد عضة، إلا القتاد، ولا يعبل إلا الأرطي. وأخوصت بطنانها، إذا نبت فيه قضبان دقاق. وخضب عرفجها، يقول: اسود. وأخوص الشجر، وهو الذي لا شوك له. ومن العضاة قشره وقصده. فإذا يبست فهي عود. واتسق نبتها، أي تتام. وأجرت بقلتها، أي نبت فيها مثل الجراء. والعلفة: ثمرة الطلح، والحبلة للسلم. واحورّت خواصر إبلها، يقول: استرخت عن كثرة الرعي. وشكرت حلوبتها، يقول غزرت، يقال: شكرت الإبل والغنم، إذا تملأت من الربيع، وهي إبل شكارى، ويقال ضرة شكرى، إذا امتلأت من اللبن، والضرة: أصل الضرع. وقوله: عمد ثراها، وذلك إذا قبضت منه على شيء فتعقد واجتمع من ندوته. يقال عمد الثرى يعمد عمدا، وهو ثرى عمد. فالعمد: إن يجاوز الثرى المنكب، وهو أن يقيس السماء بالمرفق فيقول:

بلغت وضح الكف، ثم الرسغ، ثم العظمة، ثم المرفق، ثم ينصف العضد ثم يبلغ المنكب. فإذا بلغ المنكب قيل عمد الثرى. فيقال إن ذلك حيا سنين.

والتناهي، واحدتها تنهية، وهي مستقر السيل حيث ينتهي الماء. وعقدها: أن يمر السيل مقبلا حتى إذا انتهى منتهاه دار بالإباطح حتى يلتقي طرفا السيل.

والصائرة: الكلأ والماء.

! قالوا: قاتل الحجاج ابن الأشعث في المربد، فخطب ابن الأشعث فقال:

«أيها الناس، إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنب الورغة، تضرب به يمينا وشمالا، فما تلبث أن تموت».

فمر به رجل من بني قشير فقال: قبح الله هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلة الإحتراس من عدوهم، ويعدهم الأضاليل، ويمنيهم الأباطيل.

وناس كثير يرون أن الأشعث هو المحسن دون القشيري.

وقال بشار:

وحمد كعصب البرد حمّلت صاحبيإلى ملك للصالحات قرين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وحمد كعصب البرد حملت صاحبي»

وقال أيضا:

وبكر كنوّار الرياض حديثهايروق بوجه واضح وقوام

أبو الحسن قال: كان معاوية يأذن للأحنف أوّل من يأذن، فأذن له يوما، ثم أذن لمحمد بن الأشعث حتى جلس بين معاوية والأحنف، فقال له معاوية: لقد أحسست من نفسك ذلا. إني لم آذن له قبلك إلا ليكون إلي في المجلس دونك، وإنّا كما نملك أموركم كذلك نملك تأديبكم، فأريدوا ما يراد بكم، فإنه أبقى لنعمتكم، وأحسن لأدبكم».

وقال النبي ﷺ لأصيل الخزاعي: «يا أصيل، كيف تركت مكة؟».

قال «تركتها وقد أحجن ثمامها، وأمشر سلمها، وأغدق أذخرها ». فقال ﵇: «دع القلوب تقرّ».

وسأل أبو زياد الكلابي الصقيل العقيلي، حين قدم من البادية، عن طريقه، قال: انصرفت من الحج فأصعدت إلى الرّبذة في مقاط الحرة، و

صلالا من الربيع، من خضيمة حمض، وصليّان وقرمل، حتى لو شئت لأنخت إبلي في أذراء القفعاء، فلم ازل في مرعى لا أحسّ منه شيئا حتى بلغت أهلي.

وقال سلام الكلابي: رأيت ببطن فلج منظرا من الكلأ لا أنساه، وجدت الصفراء والخزامى تضربان نحور الإبل، تحتهما قفعاء وحريث قد اطاع، وامسك بأفواه المال- أي لا تقدر أن ترفع رؤوسها- وتركت الحوران ناقعة في الأجارع ».

وذم أرضا فقال: «وجدنا أرضا مثل جلد الأجرب، تصأى حياتها، ولا يسكت ذئبها، ولا يقيّد راكبها».

وقال النّضر: قلت لأبي الخضير: ما أعجب ما رأيت من الخصب قال:

كنت أشرب رثيئة تجرها الشفتان جرا، وقارصا قمارصا إذا تجشّأت جدع أنفي، ورأيت الكمأة تدوسها الإبل بمناسمها، والوضر يشمه الكلب فيعطس.

وقال الأصمعي: قال المنتجع بن نبهان: قال رجل من أهل البادية:

كنت أرى الكلب يمر بالخصفة عليها الخلاصة فيشمها ويمضي عنها.

محمد بن كناسة، قال أخبرني بعض فصحاء أعراب طيء قال: بعث قوم رائدا فقالوا: ما وراءك؟ قال: «عشب وتعاشيب، وكمأة متفرقة شبب وتقلعها بأخفافها النيب فقالوا له لم تضع شيئا هذا كذب. فأرسلوا آخر فقالوا: ما وراءك قال: عشب ثأد مأد، موليّ عهد، متدارك جعد، أفخاذ نساء بني سعد، تشبع منه الناب وهي تعد».

قال لأن النبت إذا كان قليلا وقفت عليه الإبل، وإذا كان كثيرا أمكنها الأكل وهي تعدو.

قال وبعث رجل أولاده يرتادون في خصب، فقال أحدهم: «رأيت بقلا وماء غيلا، يسيل سيلا، وخوصة تميل ميلا، يحسبها الرائد ليلا». وقال الثاني: «رأيت ديمة على ديمة، في عهاد غير قديمة، وكلأ تشبع منه الناب قبل الفطيمة».

وقال ابو مجيب: قيل لأوفى بن عبيد: ايت وادي كذا وكذا فارتده لنا.

فقال: «وجدت به خشبا هرمى، وعشبا شرما».

قال: والهرمى: الذي ليس له دخان إذا أوقد، من يبسه وقدمه.

والشرم. العشب الضخم. يقال: هذا عشب شرم.

وقام هرم بن زيد الكلبي: إذا أحيا الناس قيل: «قد أكلأت الأرض، وأحر نفشت العنز لأختها، ولحس الكلب الوضر».

قال: وأحر نفاش العنز: أن ينتفش شعرها، وتنصب روقيها في أحد شقيها لتنطح صاحبتها، وإنما ذلك من الأشر، حين ازدهيت وأعجبتها نفسها. ولحس الكلب الوضر، لما يفضلون منه، لأنهم في الجدب لا يدعون للكلب شيئا يلحسه.

وقال أبو مجيب: إذا أجدب الرائد، قال: «وجدت أرضا أرمى، وأرضا عشمى».

فأما العشمى: فالتي يرى فيها الشجر الاعشم، وإنما يعشم من الهبوة. ويقال للشيخ: إنما هو عشمة، لاستشنان جلده، وجفوف رأسه، وثلوب جسمه. فأما الأرمى فالتي قد أرمت، فليس فيها أصل شجر.

قال أبو عبيدة: قال بعض الأعراب: «تركت جرادا كأنها نعامة باركة»، يريد التفاف نبتها. وهي من بلاد بني تميم.

وقيل لأعرابي: ما وراءك؟ قال: «خلفت أرضا تظالم معزاها». يقول:

سمنت وأشرت فتظالمت.

وتقول العرب: «ليس أظلم من حية» وتقول: «هو أظلم من ورل» و «أظلم من ذئب»، كما تقول: «اغدر من ذئب»، وكما يقولون: «أكسب من ذئب». قال الأسدي:

لعمرك لو أني أخاصم حيةإلى فقعس ما أنصفتني فقعس
إذا قلت مات الداء بيني وبينهمأتى حاطب منهم لآخر يقبس
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
فما لكم طلسا إلي كأنكمذئاب الغضى والذئب بالليل أطلس
للشاعر مغلس بن لقيط، اقرأ القصيدة

وقال الفزاري:

ولو أخاصم أفعى نابها لثقأو الأساود من صمّ الأهاضيب
للشاعر حريز الفزاري، اقرأ القصيدة

أو لو أخاصم ذئبا في أكيلته لجاءني جمعهم يسعى مع الديب يقول: بلغ من ظلم قومنا لنا، أنّا لو خاصمنا الذئاب والحيات، وبهما يضربون المثل في الظلم، لقضوا لهما علينا.

وقالت العرب: «إذا شبعت الدقيقة لحست الجليلة» هذا في قلة العشب، إنما تلحسه الناقة لقلته وقصره.

وحدثنا أبو زياد الكلابي قال: بعث قوم رائدا لهم بعد سنين تتابعت عليهم، فلما رجع إليهم قالوا له: ما وراءك؟ قال: «رأيت بقلا يشبع منه الجمل البروك، وتشكت منه النساء، وهمّ الرجل بأخيه».

أما قوله: «الجمل البروك» فيقول: لو قام قائما لم يتمكن منه لقصره. وأما قوله «وتشكت منه النساء» فإنه مأخوذ من الشكوة، وجمع الشكوة شكاء.

والشكوة: مسك السخلة ما دامت ترضع. والشكاء أصغر من الوطاب. يقول:

لم يكثر اللبن بعد فيمخض في الوطاب. وقوله: «وهمّ الرجل بأخيه» أي همّ

أن يدعوه إلى منزله كما كانوا يصنعون في أيام الخصب. وقال غيره: الخصب يدعو إلى طلب الطوائل، وغزو الجيران، وإلى أن يأكل القوي من هو أضعف منه.

وقالوا في الكلاء: كلأ تشبع منه الإبل معقلة، وكلأ حابس فيه كمرسل.

يقول: من كثرته سواء عليك أحبستها أم أرسلتها.

ويقولون: «كلأ تيجع منه كبد المصرم ».

وأنشد الباهلي:

ثم مطرنا مطرة رويّةفنبت البقل ولا رعية

وأنشد الأصمعي:

فجنّبت الجيوش أبا زنيبوجاد على مسارحك السحاب

يجوز أن يكون دعا عليه، ويجوز أن يكون دعا له. وقال الآخر:

أمرعت الأرض، لو أن مالالو أن نوقا لك أو جمالا

أو ثلّة من غنم أما لا

وقال ابن الأعرابي: سأل الحجاج رجلا قدم من الحجاز عن المطر، فقال: «تتابعت علينا الأسمية حتى منعت السّفار، وتظالمت المعزى واحتلبت الدّرة بالجرّة».

لقيط، قال: دخل رجل على الحجاج فسأله عن المطر، فقال: ما أصابني من مطر، ولكني سمعت رائدا يقول: «هلم أظعنكم إلى محله تطفأ فيها النيران، وتتنافس فيها المعزى، وتبقى بها الجرّة حتى تنزل الدرّة».

أبو زيد، قال: تخاصمت إمرأتان إلى ابنة الخسّ في مراعي أبويهما،

فقالت الأولى: إبل أبي ترعى الإسليح. فقالت ابنة الخس: رغوة وصريح وسنام إطريح. وقالت الأخرى: مرعى إبل أبي الخلّة. قالت ابنة الخس:

سريعة الدّرة والجرّة.

وقال الأحوص بن جعفر بعدما كان كبر وعمى، وينوه يسوقون به: أيّ شيء ترتعي الإبل؟ فقالوا: غرف ال؟ مام والضّعة، قال: سوقوا. ثم إنها عادت فارتعت بمكان آخر، فقال: أي شيء ترتعي الإبل؟ قالوا: العضاة والقضة. قال: عود عويد شيع بعيد. وقال: سوقوا. حتى إذا بلغوا بلدا آخر قال: أي شيء ترتعي الإبل؟ قالوا: نصيّا وصلّيانا. قال: مكفتة لرغاها، مطولة لذرها، أرعوا واشبعوا. ثم سألهم فقال: أي شيء ترتعي الإبل؟

فقالوا: الرّمث. قال: خلقت منه وخلق منها.

قال أبو صاعد الكلايي: وزعم الناس إن أول ما خلقت الإبل من، الرمث. وعلامة ذلك إنك لا ترى دابة تريده إلا الإبل.

قال: وقيل لرؤبة: ما وراءك؟ قال: الثرى يابس، والمرعى عابس.

قال: وقالت امرأة من الأعراب: أصبحنا ما ترقد لنا فرس، ولا ينام لنا حرس.

قالوا: كان أبو المجيب كثيرا ما يقول: لا أرى إمرأة تصبّر عينيها، ولا شريفا يهنأ بعيرا، ولا إمرأة تلبس نطاق يمنة.

وخطب بلال بن أبي بردة بالبصرة، فعرف انهم قد استحسنوا كلامه، فقال: أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا احسن ما تسمعون منا».

وقال عمر بن عبد العزيز: ما قوم اشبه بالسلف من الأعراب، لولا جفاء فيهم.

وقال غيلان ابو مروان: إذا أردت أن تتعلم الدعاء، فاسمع دعاء الأعراب.

وقال رجل من بني سليم، وسأله الحجاج عن المطر فقال: أصابتنا سحائب ثلاث: بحوران بقطر وقطر كبار، فكان الصّغار للكبار لحمة. ثم أصابتنا الثانية بسواء فلبّدت الدّماث ودحضت العزاز وصدعت الكمأة عن أماكنها. ثم أصابتنا الثالثة بالقريتين فملأت الإخاذ، وأفعمت كل واد، وأقبلنا في ماء يجر الضبع ويستخرجها من وجارها.

وقال رجل من بني أسد لمحمد بن مروان وسأله عن المطر فقال: ظهر الإعصار، وكثر الغبار، وأكل ما أشرف من الجنبة وأيقنّا أنه عام سنة.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.