تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب أن يقول كل إنسان على قدر خلقه وطبعه

قال قتيبة بن مسلم، لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء، ودار قوراء وفرس مرتبط بالفناء.

وقيل لضرار بن الحصين: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.

وقيل لعبد الملك بن صالح: ما السرور؟ قال:

كل الكرامة نلتهاإلا التحية بالسلام

وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء. مع القدرة والنماء.

وقيل للفضل بن سهل: ما السرور؟ قال: توقيع جائز، وأمر نافذ.

أبو الحسن المدائني قال: قيل لإنسان بحري: أي شيء تتمنّى؟ قال: شربة من ماء الفنطاس، والنوم في ظل الشراع، وريحا دنبداد.

وقيل لطفيلي: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.

وقال الفلّاس القاصّ: كان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثمائة وستين درهما.

وقلت لملاح لي، وذلك بعد العصر في رمضان: انظر كم بين عين الشمس وبين موضع غروبها من الأرض؟ قال: أكثر من مرديين ونصف.

وقال آخر: وقع علينا اللصوص، فأول رجل داخل دخل علينا السفينة في طول هذا المرديّ، وكان فخذه أغلظ من هذا السكّان، وأسودّ صاحب السفينة حتى صار أشد سوادا من هذا القير.

وأردت الصعود مرة في بعض القناطر، وشيخ ملاح جالس، وكان يوم مطر وزلق، فزلق حماري فكاد يلقيني لجنبي، لكنه تماسك فأقعى على عجزه، فقال الشيخ الملاح: لا إله إلا الله، ما أحسن ما جلس على كوثله.

ومررت تبل طين أحمر ومعي أبو الحسن النخاس، فلما نظر إلى الطين:

أيّ أواري تجيء من هذا الطين.

ومررنا بالخلد بعد خرابه، فقال، أي اصطبلات تجيء من هذا وقيل لبعضهم: ما المروءة؟ قال: طهارة البدن، والفعل الحسن.

وقيل لمحمد بن عمران: ما المروءة؟ قال: أن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية.

وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة.

وقال طلحة بن عبيد الله المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة.

وقيل لأبي هريرة: ما المروءة؟ قال: تقوى الله، واصلاح الصنيعة، والغداء والعشاء بالأفنية.

ونظر بكر بن الأشعر، وكان سجّانا، مرة إلى سور دار بجالة بن عبدة، فقال: لا إله إلا الله، أي سجن يجيء من هذا.

وقال إنسان صيرفي: باعني فلان عشرين جريبا، ودانقين ونصفا ذهبا.

قال: ونظر عثمان بن عفان ﵀ إلى عير مقبلة، فقال لأبي ذرّ: ما كنت تحب أن تحمل هذه؟ قال أبو ذر: رجالا مثل عمر.

وقيل للزهري، ما الزهد في الدنيا؟ فقال: أما أنه ليس بشعث اللمة، ولا قشف الهيئة، ولكنه ظلف النفس عن الشهوة.

وقيل له أيضا: ما الزهد في الدنيا؟ قال: ألا يغلب الحرام صبرك ولا الحلال شكرك.

ونظر زاهد إلى فاكهة في السوق، فلما لم يجد شيئا يبتاعها به عزّى نفسه وقال: يا فاكهة، موعدي وإياك الجنة.

قالوا: ومر المسيح ﵇ بحلق بني اسرائيل، فشتموه، فكلما قالوا شرا قال المسيح ﷺ خيرا، فقال له شمعون الصفي: أكلما قالوا شرا قلت لهم خيرا؟ قال المسيح: «كل امرىء يعطي مما عنده».

وقال بعضهم: قيل لامرىء القيس بن حجر: ما أطيب عيش الدنيا؟

قال: بيضاء رعبوبة، بالطيب مشبوبة، بالشحم مكروبة.

وسئل عن ذلك الأعشى فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية.

وقيل مثل ذلك لطرفة فقال: مطعم شهي، وملبس دفيّ، ومركب وطيّ.

قال: وكان محمد بن راشد البجلي، يتغدى، وبين يديه شبوطة، وخياط يقطع له ثيابا، ورآه يلحظ الشبوطة، فقال: قد زعمت إن الثواب يحتاج إلى خرقة، فكم مقدارها؟ قال: ذراع في عرض الشبوطة. أودخل آخر على رجل يأكل أترجة بعسل، فأراد أن يقول: السلام عليكم، فقال: عليكم.

دخلت جارية رومية على راشد البتي، لتسأل عن مولاتها، فبصرت بحمار قد أدلى في الدار، فقالت: قالت مولاتي: كيف أير حماركم؟ - فيما زعم أبو الحسن المدائني-.

وأنشد أبن الأعرابي:

وإذا أظهرت أمرا حسنافليكن أحسن منه ما تسرّ
فمسرّ الخير موسوم بهومسرّ الشرّ موسوم بشر
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وأنشد ابن الأعرابي:

أرى الناس يبنون الحصون وإنماغوابر آجال الرجال حصونها
وإن من الأعمال دونا وصالحافصالحها يبقى ويهلك دونها

وأنشد ابن الأعرابي:

حسب الفتى من عيشهزاد يبلّغه المحلا
خبز وماء باردوالظلّ حين يريد ظلا

وقال بعض الأعراب:

وما العيش إلا شبعة وتشرّقوتمر كأخفاف الرباع وماء

محمد بن حرب الهلالي قال: قلت لأعرابي: إني لك لوادّ. قال: وإن لك من قلبي لرائدا.

قال: وأتيت أعرابيا في أهله مسلّما عليه، فلم أجده، فقالت لي امرأته: عشّر الله خطاك. أي جعلها عشرة أمثالها.

قالوا: وكان سلم بن قتيبة يقول لم يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل.

أبو الحسن قال: قال الحجاج لمعلّم ولده: علم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم.

أبو عقيل بن درست قال: رأيت أبا هاشم الصوفي مقبلا من جهة النهر، فقلت: في أي شيء كنت اليوم؟ قال: في تعلم ما ليس ينسى، وليس الشيء من الحيوان عنه غنى. قال: قلت وما ذاك؟ قال: السباحة.

حدثنا علي بن محمد وغيره قال: كتب عمر بن الخطاب إلى ساكني الأمصار: «أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسة، وروّوهم ما سار من المثل، وحسن من الشعر».

وقال ابن التوأم: علم ابنك الحساب قبل الكتاب، فإن الحساب أكسب من الكتاب، ومؤونة تعلمه أيسر، ووجوه منافعه أكثر.

وكان يقال: لا تعلموا بناتكم الكتاب، ولا ترووهن الشعر، وعلموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور.

وقال آخر: بنو فلان يعجبهم أن يكون في نسائهم أباضيّات، ويؤخذن بحفظ سورة النور.

وكان ابن التوأم يقول: من تمام ما يجب على الآباء من حفظ الابناء، أن يعلموهم الكتاب والحساب والسباحة.

خطب رجل امرأة أعرابية فقالت له: سل عني بني فلان وبني فلان وبني فلان، فعدت قبائل، فقال لها: وما علمهم بك؟ قالت: في كلهم قد نكحت. قال: أراك جلنفعة قد خزّمتك الخزائم. قالت: لا، ولكني جوالة بالرحل عنتريس.

وقال الفرزدق لامرأته النوار: كيف رأيت جريرا؟ قالت: رأيتك ظلمته أولا ثم شغرت عنه برجلك آخرا. قال: أنا إنية؟ قالت: نعم، أما انه قد غلبك في حلوه، وشاركك في مرّه.

قال: وتغدى صعصعة بن صوحان عند معاوية يوما، فتناول من بين يدي معاوية شيئا فقال: يا ابن صوحان، لقد إنتجعت من بعيد! فقال: «من أجدب انتجع».

وبصر الفرزدق بجرير محرما فقال: والله لأفسدن على ابن المراغة حجّه.

ثم جاءه مستقبلا له، فجهره بمشقص كان معه، ثم قال:

إنك لاق بالمشاعر من منىّفخارا فخبرني بمن أنت فاخر

فقال جرير: لبيك اللهم لبيك. ولم يجبه.

قال: وأدخل مالك بن أسماء سجن الكوفة، فجلس إلى رجل من بني مرة، فاتكأ المريّ عليه يحدثه حتى أكثر وغمه، ثم قال: هل تدري كم قتلنا منكم في الجاهلية؟ قال مالك: أما في الجاهلية فلا، ولكني أعرف من قتلتم منا في الإسلام.

قال المري: ومن قتلنا منكم في الإسلام؟ قال: أنا، قد قتلتني غما! قال: ودخل رجل من محارب قيس على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات في موضع قريب منه غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله للمحاربي: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة، لشدة أصواتها. فقال المحاربي: أصلح الله الأمير، إنها أضلّت برقعا لها، فهي في بغائه. أراد الهلالي قول الأخطل:

تنقّ بلا شيء شيوخ محاربوما خلتها كانت تريش ولا تبري
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدلّ عليها صوتها حية البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وأراد المحاربي قول الشاعر:

لكلّ هلاليّ من اللؤم برقعولابن هلال برقع وقميص

وقال العتبيّ:

رأين الغواني الشيب لاح بعارضيفأعرضن عني بالخدود النواضر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «رأين الغواني الشيب لاح بعارضي»
وكن إذا أبصرنني أو سمعن بيسعين فرقعن الكوى بالمحاجر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
لئن حجبت عني نواظر أعينرمين بأحداق المها والجآذر
فإني من قوم كرام أصولهمفقدامهم صيغت رؤوس المنابر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
خلائف في الإسلام في الشرك قادةبهم وإليهم فخر كلّ مفاخر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

وقال لبيد:

والشاعرون الناطقون أراهمسلكوا طريق مرقّش ومهلهل

وقال آخر:

أم من لباب إذا ما اشتدّ حاجبهأم من لخصم بعيد الغور مغوار

وقال حاجب بن دينار المازني:

ونحن بنو الفخل الذي سال بولهبكلّ بلاد لا يبول بها فحل
أبى الناس والأقلام أن يحسبوهمإذا حصل الأجناس أو يحسب الرمل
للشاعر حاجب الفيل، اقرأ القصيدة
فإن غضبوا سدوا المشارق، منهمملوك وحام كلامهم فصل

وقال أعرابي من بني حنيفة، وهو يمزح:

مر الجراد على زرعي فقلت لهالزم طريقك لا تولع بافساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلةإنّا على سفر لا بدّ من زاد

وقال آخر يهجو بعض الخطباء:

يمان ولا يمون وكان شيخاشديد اللقم هلقاما خطيبا

وذهب إلى قول الأحوص:

ذهب الذين أحبّهم فرطاوبقيت كالمقمور في خلف
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ذهب الذين أحبهم فرطا»
من كلّ مطوي على حنقمتضجع يكفى ولا يكفي
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ذهب الذين أحبهم فرطا»

وقال الحسن بن هانىء:

إذا نابه أمر فإما كفيتهوإما عليه بالكفي تشير

وقال آخر:

ذريني فلا أعيا بما حلّ ساحتيأسود فأكفي أو أطيع المسوّدا
للشاعر الحطائط بن يعفر النهشلي، اقرأ القصيدة

وقال بشار:

وفي العبرات الغرّ صبر على الندىأولئك حيّ من خزيمة أغلب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وفي العبرات الغر صبر على الندى»
وألام من يمشي ضبيعة، إنّهمزعانف لم يخطب إليهم محجّب

وكذلك قول أعشى بني ثعلبة:

ما ضرّ غاني نزار أن تفارقهكلب وجرم إذا أبناؤه اتفقوا
قالت قضاعة إنّا من ذوي يمنالله يعلم، ما برّوا ولا صدقوا
للشاعر الأعشى، اقرأ القصيدة
يزداد لحم المناقي في منازلناطيبا إذا عز في اعدائنا المرق
وما خطبنا إلى قوم بناتهمإلا بأرعن في حافاته الحرق
للشاعر الأعشى، اقرأ القصيدة

قوله خطبنا: من الخطبة ها هنا، وهو في الشعر الأول من الخطبة أيضا.

وقال بلعاء بن قيس:

أبيت لنفسي الخسف لما رضوا بهووليتهم شتمي وما كنت مفحما
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «أبيت لنفسي الخسف لما رضوا به»

وقال بلعاء بن قيس لسراقة بن مالك بن جعشم:

ألا أبلغ سراقة يا ابن مالفبئس مقالة الرجل الخطيب
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «ألا أبلغ سراقة يا ابن مال»
أترجو أن تؤوب بظعن ليثفهذا حين تبصر من قريب
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «ألا أبلغ سراقة يا ابن مال»

وقال منصور الضّبّي:

ليت الفتى عجردا منا مكانهموليتهم من وراء الأخضر الجاري
قد قام سيدهم عمران يخطبهمما كان للخير عمران بأمّار

قال: وتقول العرب: «الخلّة تدعو إلى السّلة». وكانوا إذا أسروا أسيرا قال المادح: «أسره في مزاحفة، ولم يأسره في سلة». وفي الحديث:

«لا اسلال ولا إغلال » وفي المثل: «الحاجة تفتح باب المعرفة».

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.