تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أقوال وأشعار منتخبة

قال سويد المراثد الحارثي أو غيره:

بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدمادفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّةفنقبل عقلا أو نحكم قاضيا
ولكن حكم السيف فيكم مسلطفنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننابني عمنا لو كان أمرا مدانيا
فإن قلتم إنّا ظلمنا فإنكمبدأتم ولكنا أسأنا التقاضيا

وقال ضابىء بن الحارث:

وربّ أمور لا تضيرك ضيرةوللقلب من مخشاتهن وجيب
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

وقال حارثة بن بدر:

وقل للفؤاد إن نزا بك نزوةمن الروع أفرخ أكثر الروع باطله

وقال لبيد بن ربيعة:

وأكذب النفس إذا حدثتهاإن صدق النفس يزري بالأمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقال حبيب بن أوس:

وطول مقام المرء في الحي مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدّد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فإني رأيت الشمس زيدت محبةإلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

وقال غيره:

هو الشمس إلا أن للشمس غيبةوهذا الفتى الجرميّ ليس يغيب
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
يروح ويغدو ما يفترّ ساعةوإن قيل ناء فهو منك قريب

وقال آخر:

خلافا لقولي من فيالة رأيهكما قيل قبل اليوم: خالف فتذكرا

وقال حارثة بن بدر:

إذا ما متّ سرّ بني تميمعلى الحدثان لو يلقون مثلي
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
عدوّ عدوهم أبدا عدويكذلك شكلهم أبدا وشكلي
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

وهو شبيه بقول الأعشى:

علّقتها عرضا وعلقت رجلاغيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وقال عمرو لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواء.

واختلفوا بحضرة الزهري في معنى قول القائل: فلان زاهد. فقال الزهري: «الزاهد الذي لا يغلب الحرام صبره، ولا الحلال شكره».

وقال ابن هبيرة وهو يؤدب بعض بنيه: لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الفطير، وتجنب ارتجال احكلام، ولا تشر على مستبد ولا على وغد، ولا على متلون ولا على لجوج، وخف الله في موافقة هوى المستشير، فإن

التماس موافقة هوى لؤم، وسوء الاستماع من خيانة.

وقالوا: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن ساء خلقه قل صديقه.

وقال عمر للأحنف: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر مزاحه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل ورعه، ومن قل ورعه ذهب حياؤه، ومن ذهب حياؤه مات قلبه.

وقال المهلّب لبنيه: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الام يختلفون، فكيف بنو العلّات. إن البر ينسأ في الاجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلة، وتعقب النار بعد الذلة. واتقوا زلّة اللسان، فإن الرجل تزلّ رجله فينتعش، ويزل لسانه فيهلك. وعليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها ابلغ من النجدة فإن القتال إذا وقع وقع القضاء، فإن ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرّط.

ولقي الحسين ﵁ الفرزدق فسأله عن الناس فقال: القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر في السماء.

وقال بعضهم: حجب أعرابي عن باب السلطان فقال:

أهين لهم نفسي لأكرمها بهمولا يكرم النفس الذي لا يهينها

وقال جرير:

قوم إذا حضر الملوك وفودهمنتفت شواربهم على الأبواب
للشاعر جرير، من قصيدة «قال الأمير لعبد تيم بئس ما»

وقال آخر:

نهيت جميع الحضر عن ذكر خطّةيدبرّها في رأيه ابن هشام
فلما وردت الباب أيقنت إنناعلى الله والسلطان غير كرام

وقال آخر:

وافى الوفود فوافى من بني حملبكر الحمالة قاني السّن عرزوم

وقال الحضين بن المنذر:

وكلّ خفيف الشأن يسعى مشمّراإذا فتح البواب بابك أصبعا
للشاعر حُضين بن المنذر أبو ساسان الرقاشي، اقرأ القصيدة
ونحن الجلوس الماكثون توقّراحياء إلى أن يفتح الباب أجمعا

وقال آخر:

ونفسك أكرمها فإنك إن تهنعليك فلن تلقى لها الدهر مكرما

اعتذر ابن عون إلى ابراهيم النخعي فقال له: اسكت معذورا، فإن الإعتذار يخالطه الكذب.

ابو عمرو الزعفراني قال: كان عمرو بن عبيد عند حفص بن سالم فلم يسأله احد من حشمه في ذلك اليوم شيئا إلا قال: لا. فقال له عمرو: أقلّ من قول لا، فإنه ليس في الجنة، وإن رسول الله ﷺ كان إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال «يصنع الله».

وقال عمر بن الخطاب ﵀: اكثروا لهن من قول «لا»، فإن قول «نعم» يضرّيهن على المسألة. وإنما خص عمر بذلك النساء.

وقال بعضهم: ذمّ رجل الدنيا عتد علي بن ابي طالب ﵁ فقال علي:

«الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه. ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة. فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، وشبهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا. فيأيها الذام للدنيا، المعلل نفسه، متى خدعتك الدنيا أم متى

استذمت إليك ؟ أبمصارع آبائك في البلى، أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟! كم مرضت بيديك، وكم عللت بكفيك، تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك، ولا تنجيه شفقتك، ولا تشفع فيه طلبتك».

وقال عمر، ﵀: «ما بال أحدكم ثاني وساده عند امرأة مغزية مغيبة؟! إن المرأة لحم على وضم إلا ما ذب عنه».

وقال بعضهم: مات ابن لبعض العظماء فغزّاه بعضهم فقال: عش أيها الملك العظيم سعيدا، ولا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها.

وقال: لما توفي معاوية وجلس ابنه يزيد، دخل عليه عطاء بن ابي صيفي الثقفي، فقال: «يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزيت خليفة الله، واعطيت خلافة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، وقد اعطيت بعده الرياسة ووليت السياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واشكره على أفضل العطية».

ولما توفي عبد الملك وجلس ابنه الوليد، دخل عليه الناس وهم لا يدرون: أيهنئونه أم يعزونه؟ فأقبل غيلان بن سلمة الثقفي فسلم عليه، ثم قال:

يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزيت خير الآباء، وسميت بخير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعظم الله لك على الرزية الصبر وأعطاك في ذلك نوافل الأجر، وأعانك على حسن الولاية والشكر. ثم قضى لعبد الملك بخير القضية، وأنزله بأفضل المنازل المرضية، وأعانك من بعده على الرعية». فقال له الوليد:

من أنت؟ فانتسب له قال: في كم أنت؟ في مائة دينار. فألحقه بأهل الشرف.

ولما توفي المنصور دخل ابن عتبة مع الخطباء على المهدي فسلم ثم قال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك لأمير المؤمنين فيما

خلفه له أمير المؤمنين بعده، فلا مصيبة أعظم من فقد أمير المؤمنين، ولا عقبى أفضل من وراثة مقام أمير المؤمنين. فأقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عنده أعظم الرزيّة.

وكتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز، يعزيه عن ابنه عبد الملك، فكتب إليه عمر: «كتبت إليّ تعزيني عن ابني عبد الملك، وهو أمر لم أزل انتظره، فلما وقع لم أنكره.

وقال الشاعر:

تعزيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاء وجفن العين بالماء مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
ولم تنسني أوفى المصيبات بعدهولكن نكء القرح بالقرح أوجع

وقال متمم:

قعيدك ألا تسمعيني ملامةولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، من قصيدة «لَعَمْرِي وما دَهْرِي بِتَأْبِينِ iiهَالِكٍ»

وقال آخر:

قليل التشكي للمصيبات ذاكرمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد

وقالوا: «أشد من الموت ما يتمنى له الموت».

وقال الفرزدق وهو يصف طعنة:

يودّ لك الأدنون لو متّ قبلهايرون بها شرا عليك من القتل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «رفعت لهم صوت المنادي فأبصروا»

وقال: وقيل للأحنف: ما بلغ من حزمك؟ قال: لا ألي ما كفيت، ولا أضيّع ما وليت.

وقال آخر: لا تقيموا ببلاد ليس فيها نهر جار، وسوق قائمة، وقاض عدل.

وقالوا: لا تبنى المدن إلا على الماء والمرعى والمحتطب.

وقال مالك بن دينار: لربما رأيت الحجاج يتكلم على منبره، ويذكر حسن صنيعه إلى أهل العراق، وسوء صنيعهم إليه، حتى أنه ليخيّل إلى السامع أنه صادق مظلوم.

أبو عبد الله الثقفي عن عمه قال: سمعت الحسن يقول: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج. قلت: وإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم سمعته على هذه اللأعواد يقول: إن أمرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له، لخليق أن تطول عليها حسرته.

وقال بعضهم: ما وجدت احدا ابلغ في خير وشر من صاحب عبد الله ابن سلمة قال: دخل الزّبرقان بن بدر على زياد وقد كفّ بصره، فسلّم تسليما جافيا، فأدناه زياد فأجلسه معه، وقال: يا أبا عياش: القوم يضحكون من جفائك! قال: وإن ضحكوا فوالله إن منهم رجل إلا بوده أني أبوه دون أبيه لغيّة أو لرشدة.

وقال: ونظر هشام بن عبد الملك إلى قبر عثمان بن حيان المري فقال:

جثوة من جثى النار.

قالوا: وكان يقال: صاحب السوء قطعة من النار، والسفر قطعة من العذاب.

وقال بعضهم: عذابان لا يكترث لهما الداخل فيهما: السفر الطويل والبناء الكثير.

وقال رجل من أهل المدينة: من ثقل على صديقه خف على عدوه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون.

وقال سهل بن هارون: ثلاثة يعودون إلى أجنّ المجانين، وإن كانوا أعقل العقلاء: الغضبان، والغيران، والسكران. قال له ابو عبدان الشاعر المخلع: ما تقول في المنعظ؟ فضحك حتى استلقى، ثم قال: وما شر الثلاثة

وما شرّ الثلاثة أمّ عمروبصاحبك الذي لا تصبحينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وقال ابو الدرداء: «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب».

وقال: قال أياس: البخل قيد، والغضب جنون، والسكر مفتاح الشر.

وقال بعض البخلاء: ما نصب الناس لشيء نصبهم لنا، هبهم يلزموننا الذمّ فيما بيننا وبينهم، ما لهم يلزموننا التقصير فيما بيننا وبين انفسنا.

قال: وقال ابراهيم بن عبد الله بن حسن لأبيه: ما شعر كثيّر عندي كما يصف الناس. فقال له ابوه: إنك لم تضع كثيّرا بهذا، إنما تضع بهذا نفسك.

قال: وأنشد رجل عمر بن الخطاب، ﵀، قول طرفة:

فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتىوجدّك لم أحفل متى قام عوّدي

فقال عمر: «لولا أن أسير في سبيل الله، واضع جبهتي لله، وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب التمر، لم أبال أن أكون قد متّ».

وقال عامر بن عبد قيس: «ما آسى من العراق إلا على ثلاث: على ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وإخوان لي منهم، الأسود بن كلثوم».

وقال آخر: «ما آسي من البصرة إلا على ثلاث: رطب السكر، وليل الحزيز، وحديث أبي بكرة.

وقال سهل بن هارون:

تكنّفني همان قد كسفا باليوقد تركا قلبي محلّة بلبال
هما أذريا دمعي ولم تذر عبرتيربيبة خدر ذات سمط وخلخال
ولكنني أبكي بعين سخينةعلى جلل تبكي له عين أمثالي
فراق خليل، أو شجي يستشفنيلخلة مرء لا يقوم لها مالي
فواكبدي حتى متى القلب موجعبفقد حبيب أو تعذّر أفضال
وما العيش إلا أن تطول بنائلوإلا لقاء الخل ذي الخلق العالي

وقال آخر:

لولا ثلاث هن عيش الدهرالماء والنوم وأمّ عمرو

لما خشيت من مضيق القبر

قال: وقال الأحنف: أربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدّده، أو حسب يصونه، أو حياء يقناه.

وقال: المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده، وشيطان يفتنه. وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله.

وقال الحسن بن علي: من أتانا لم يعدم خصلة من أربع: آية محكمة.

أو قضية عادلة، أو أخا مستفادا، أو مجالسة العلماء.

وقالوا: من أعطي أربعا لم يمنع أربعا: من أعطي الشكر لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يعدم الصواب.

وقال أبو ذر الغفاري: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه.

وقالوا: تعامل الناس بالدين حتى ذهب الدين، وبالحياء حتى ذهب الحياء، وبالمروءة حتى ذهبت المروءة، وقد صاروا إلى الرغبة والرهبة وأحر بهما أن يذهبا.

وقال بعضهم: دعا رجل علي بن ابي طالب ﵁ إلى طعام، فقال: نأتيك على أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا ما عندك.

وقال اخر: كان شيخ يأتي ابن المقفع، فالح عليه يسأله الغداء عنده وفي ذلك يقول: إنك تظن أني أتكلف لك شيئا؟ لا والله لا اقدم إليك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس عنده إلا كسرة يابسة وملح جريش. ووقف سائل بالباب فقال له: بورك فيك! فلما لم يذهب قال: والله لئن خرجت إليك لأدقن ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: إنك لو تعرف من صدق وعيده مثل الذي أعرف من وعده لم تراده كلمة، ولم تقف طرفة.

قال: وكان يقال: أول العلم الصمت، والثاني الإستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره.

وقال آخر: كان يقال: لا وحشة أوحش من عجب، ولا ظهير أعون من مشورة، ولا فقر أشد من عدم العقل.

وقال مورّق العجليّ: ضاحك معترف بذنبه، خير من باك مدلّ على ربه.

وقال: خير من العجب بالطاعة، ألا تأتي الطاعة.

وقال شبيب لأبي جعفر: إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعلنّ فوق شكرك شكرا.

وقال آخر لأبي جعفر في أول ركبة ركبها: إن الله قد رأى ألا يجعل أحدا فوقك، فتر نفسك أهلا ألا يكون أحد أطوع لله منك.

وسفه رجل على ابن له فقال له ابنه: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك، ولأنت أشد تحصينا لأمي من أبيك لأمك.

وقال عمرو بن عبيد لأبي جعفر: إن الله قد وهب لك الدنيا بأسرها، فاشر نفسك منه ببعضها.

وقال الأحنف: ثلاثة لا أناة فيهن عندي. قيل: وما هن يا أبا بحر؟

قال: المبادرة بالعمل الصالح، وإخراج ميتك، وأن تنكح الكفء أيّمك.

وكان يقول: لأفعى تحكّك في ناحية بيتي أحب إلي من أيّم رددت عنها كفئا.

وكان يقال: ما بعد الصواب إلا الخطأ، وما بعد منعهن من الأكفاء إلا بذلهن للسّفلة والغوغاء.

وكان يقال: لا تطلبوا الحاجة إلى ثلاثة: إلى كذوب، فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويباعدها وإن كانت قريبة. ولا إلى احمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة، فإنه يجعل حاجتك وقاية لحاجته.

وكان الأحنف بن قيس يقول: لا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لبخيل، ولا ورع لسيىء الخلق.

وقال الشعبي: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك، فإنه ينفعك.

واجتنب الكذب في موضع ترى أنه ينفعك، فإنه يضرك.

وقالوا: لا تصرف حاجتك إلى من معيشته من رؤوس المكاييل، وألسنة الموازين.

وقالوا: تفرد الله ﷿ بالكمال: ولم يبريء أحدا من النقصان.

قالوا: وقال عامر بن الظّرب العدواني: «يا معشر عدوان، إن الخير أنوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه. وإني لم أكن حليما حتى اتبعت الحلماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم».

وقال الأحنف: «لأن أدعى من بعيد، أحبّ إلي من أن أقصى من قريب».

وكان يقال: إياك وصدر المجلس وإن صدّرك صاحبه، فإنه مجلس قلعة.

قال: وقال زياد: ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو أخذته كان لي. وترك ما لي، أحب إلي من أخذ ما ليس لي.

وقال الأحنف: ما كشفت أحدا عن حالي عنده إلا وجدتها دون ما كنت أظن.

قال: وأثنى رجل على علي بن أبي طالب فأفرط، وكان علي له متهما، فقال: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك.

قال: وكان يقال: خمس خصال تكون في الجاهل: الغضب في غير غضب، والكلام في غير نفع، والعطية في غير موضع، والثقة بكل أحد، وألا يعرف صديقه من عدوه.

وأثنى أعرابي على رجل فقال: إن خيرك لسريح، وإن منعك لمريح، وإن رفدك لربيح.

وقال سعيد بن سلم: كنت واليا بأرمينية، فغبر أبو دهمان الغلابي على بابي أياما، فلما وصل إلي مثل يدي قائما بين السّماطين وقال:

«والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة. وإنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفني عنك. ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا. والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه. وهذا الأمر الذي صار إليك وفي يديك، قد كان في يديّ غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الجانب، فإن حبّ عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغض الله، لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من عاج عن سبيله».

ودخل عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، على خالد ابن عبد الله القسري بعد حجاب شديد، وكان عتبة سخيا، فقال خالد يعرّض

به: إن ها هنا رجالا يدّانون في أموالهم، فإذا فنيت أدانوا في أعراضهم.

فعلم القرشي أنه يعرض به، فقال القرشي: أصلح الله الأمير، إن رجالا من الرجال تكون أموالهم أكثر من مروءاتهم، فأولئك تبقى لهم أموالهم، ورجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم، فإذا نفدت أدانوا على سعة ما عند الله! فخجل خالد وقال: إنك لمنهم ما علمت! قال: وقيل لعبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز: هلا أجبت أمير المؤمنين إذ سألك عن مالك؟ فقال: إنه كان لا يعدو إحدى حالتين: إن استكثره حسدني، وإن استقلّه حقرني.

أبو الحسن قال: وعظ عروة بنيه فقال: «تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين». ثم قال: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا رأيتم من رجل خلّة فاحذروه، واعلموا أن عنده لها أخوات».

قال: وقال رجل لرجل: هب لي دريهما. قال أتصغّره، لقد صغّرت عظيما، الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر الدية.

قال الأصمعي: خرجت بالدارميّ قرحة في جوفه، فبزق بزقة خضراء، فقيل له: قد برأت، إذ قد بزقتها خضراء. قال: والله لو لم تبق في الدنيا زمردة خضراء إلا بزقتها لما نجوت.

مرّ الوليد بن عبد الملك بمعلم صبيان فرأى جارية فقال: ويلك ما لهذه الجارية؟ فقال: أعلمها القرآن. قال: فليكن الذي يعلمها أصغر منها.

إسحاق بن أيوب قال: هرب الوليد بن عبد الملك من الطاعون، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا

. قال: ذلك القليل نريد.

وهرب رجل من الطاعون إلى النجف، أيام شريح. فكتب إليه شريح:

«أما بعد فإن الفرار لن يبعد أجلا، ولن يكثّر رزقا. وإن المقام لن يقّرب أجلا، ولن يقلل رزقا. وإن من بالنجف من ذي قدرة لقريب».

قالوا: ودخل على الوليد فتى من بني مخزوم، فقال له: زوجني ابنتك. فقال له: هل قرأت القرآن؟ قال: لا. قال أدنوه مني. فأدنوه فضرب عمامته بقضيب كان في يده، وقرع رأسه به قرعات، ثم قال لرجل: ضمّه إليك فإذا قرأ القرآن زوجناه.

ولما استعمل يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج قال: أنا كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا.

وقال ليزيد بن أبي مسلم: قال أبي للحجاج: إنما أنت جلدة ما بين عيني! قال الوليد: يا يزيد، وأنا أقول: أنت جلدة وجهي كله.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.