من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أقوال وجوابات منتخبة
خالد بن يزيد الطائي، قال: كتب معاوية إلى عدي بن حاتم:
«حاجيتك ما لا ينسى» يعني قتل عثمان. فذهب عدي بالكتاب إلى علي فقال: «إن المرأة لا تنسى قاتل بكرها، ولا أبا عذرها». فكتب إليه عدي:
«إن ذلك مني كليلة شيباء».
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «يا غلام، ارفع ذلك النثيل»، يعني روثا. وقيل له: أين خرج هذا الجبن؟ قال: تحت منكبي.
وقيل لقتيبة: أين خرج بك هذا الخراج قال: بين الرانفة والصفن.
قال: وقيل لرقبة: ما بال القراء أشد الناس نهمة وغلمة؟ قال: أما الغلمة فإنهم لا يزنون، وأما النهمة فلأنهم يصومون.
وعرض عليه رجل الغداء، فقال: يا هذا، إن أقسمت علي، وإلا فدعني.
وقال مورّق العجلي: ما تكلمت بكلمة في الغضب اندم عليها في الرضا. وقد سألت الله حاجة منذ أربعين سنة فما أجابني ولا يئست منها: ألا أتكلم فيما لا يعنيني.
قال: مكتوب في حكمة داوود: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شأنه.
قال: ولما قدم الفرزدق الشام قال له جرير- وكان هنالك- ما ظننت إنك تقدم بلدا أنا فيه! فقال الفرزدق: إني طالما خالفت رأي العجزة.
وقال يونس بن حبيب: إذا قالوا غلب الشاعر فهو الغالب، وإذا قالوا مغلّب المغلوب. وقال امرؤ القيس:
وإنك لم يفخر عليك كفاخرضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال بعضهم:
إني امرؤ ينفع قومي مشهديأذبّ عنهم بلساني ويدي
وقال قتيبة بن مسلم: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار، وقصروا الشعور.
وقال: ونظر مخنث إلى شيخ قبيح الوجه في الطريق فقال له: ألم ينهكم سليمان بن داود عن الخروج بالنهار؟
وقال: وعزى أعرابي ناسا فقال: يرحم الله فلانا، فلقد كان كثير الإهالة دسم الأشداق.
وقال الشاعر:
ترى ودك السديف على لحاهمكلون الراء لبّده الصقيع
وقال أعرابي «رحم الله فلانا، إن كان لضخم الكاهل». ثم جلس وسكت. وقال آخر: «كان والله نقيّ الأظفار، قليل الأسرار».
وقال صديق لنا: رأيت سكرانا وقد ركب ردعه، ثم أنه استقل فقال: أنا السّديف المسرهد.
وسارّ رجل اعرابيا بحديث فقال له: أفهمت؟ قال: بل نسيت! قال وائلة بن خليفة السدوسي، يهجو عبد الملك بن المهلب:
لقد صبرت للذل أعواد منبرتقوم عليها في يديك قضيب
بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقهوكادت مسامير الحديد تذوب
رأيتك لما شبت أدركك الذييصيب سراة الأزد حين تشيب
سفاهة أحلام وبخل بنائلوفيك لمن عاب المزون عيوب
وقد أوحشت منكم رساتيق فارسوبالمصر دور جمة ودروب
إذا عصبة ضجت من الخرج ناسبتمزونية إن النسيب نسيب
وقال بشار الأعمى، في عمر بن حفص:
ما بال عينك دمعها مسكوبحربت فأنت بنومها محروب
وكذاك من صحب الحوادث لم تزلتأتي عليه سلامة ونكوب
يا أرض ويحك اكرميه فإنهلم يبق للعتكيّ فيك ضريب
أبهى على خشب المنابر قائمايوما وأحزم إذ تشبّ حروب
إن الرزية لا رزية مثلهايوم ابن حفص في الدماء خضيب
لا يستجيب ولا يحير لسانهولقد يحير لسانه ويجيب
غلب العزاء على ابن حفص والأسىإن العزاء بمثله مغلوب
إذ قيل أصبح في المقابر ثاوياعمر وشقّ لواؤه المنصوب
فظللت أندب سيف آل محمدعمرا وعز هنالك المندوب
فعليك يا عمر السلام فإنناباكوك ماهبت صبا وجنوب
قال اسماعيل بن غزوان: الأصوات الحسنة والعقول الحسان كثيرة، والبيان الجيد والجمال البارع قليل.
وذكر أبو الحارث، صاحب مسجد ابن رغبان، فقال: إن حدثته سبقك إلى ذلك الحديث، وإن سكتّ عنه أخذ في الترهّات.
وقال ابن وهب: أنا استثقل الكلام كما يستثقل حريث السكوت. كما قال ابن شبرمة لا ياس بن معاوية: شكلي وشكلك لا يتفقان، أنت لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسمع.
وقال أبو عقيل بن درست: إذا لم يكن المستمع أحرص على الاستماع من القائل على القول، لم يبلغ القائل في منطقة، وكان النقصان الداخل على قوله بقدر الخلة بالاستماع منه.
وقال ابن بشار البرقي: كان عندنا واحد يتكلم في البلاغة، فسمعته يقول: لو كنت ليس أنا، وأنا ابن من أنا منه، لكنت أنا أنا وأنا ابن من أنا منه فكيف وأنا أنا وابن من أنا منه.
وقالوا: ثلاث يسرع إليهن الخلف: الحريق، والتزويج، والحج.
وقال المهلب: «ليس أنمى من بقية السيف». فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف وصار فيهم من النماء.
وقال علي بن أبي طالب ﵀: «بقية السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا». ووجد الناس ذلك بالعيان، للذي صار إليه ولده من نهك السيف، وكثرة الذرء، وكرم النجل.
قال الله ﷿: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
وقال بعض لحكماء: «قتل البعض أحياء للجميع».
وقال همّام الرقاشي:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلةوفي العتاب حياة بين أقوام
قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهمفي الحق أن يلجوا الأبواب قدامي
لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهمقبرا وأبعدهم من منزل الذام
فقد جعلت إذا ما حاجة عرضتبباب قصرك أدلوها بأقوام
وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: «والله لأعدنكم عدا، ولأحصدنكم حصدا». قالت: أنت تحصد، والله يزرع، فانظر أين قدرة المخلوق من قدرة الخالق.
ولم يظهر من عدد القتلى مثل الذي ظهر في آل أبي طالب، وآل الزبير، وآل المهلب. وقال الشاعر في آل الزبير:
آل الزبير بنو حرّةمروا بالسيوف صدورا حناقا
يموتون او القتل من دأبهمويغشون يوم السباق السباقا
إذا فرّج القتل عن عيصهمأبى ذلك العيص إلا اتفاقا
قال: احترقت دار ثمامة، فقالوا له: ما أسرع خلف الحريق؟ قال:
فأنا استحرق الله.
قال ثمامة: سمعت قاصّا بعبادان يقول في دعائه: اللهم ارزقنا الشهادة وجميع المسلمين.
قال: وتساقط الذبّان على وجهه فقال: الله أكبر، كثّر الله بكم القبور.
قال: وسمع أعرابي رجلا يقرأ سورة براءة فقال: ينبغي أن يكون هذا آخر القرآن. قيل له: ولم؟ قال: رأيت عهودا تنبذ.
وقال عبد العزيز الغزّال القاصّ، في قصصه: ليت الله لم يكن خلقني وأنا الساعة أعور. فحكيت ذلك لأبي عتّاب الجرّار. فقال أبو عتاب: بئس ما قال، وددت والله الذي لا إله إلا هو إن الله لم يكن خلقني وإني الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين.
قال: ولما استعدي الزبرقان على الحطيئة فأمر عمر بقطع لسانه، قال الزبرقان: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تقطعه، فإن كنت لا بد فاعلا فلا تقطعه في بيت الزبرقان. فقيل له: إنه لم يذهب هنالك، إنما أراد أن يقطع لسانه عنك برغبة أو رهبة.
وتقول العرب: «قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها» .. وتقول:
«ذبحني العطش»، و «المسك الذبيح»، و «ركب بنو فلان الفلاة فقطع لعطش أعناقهم».
وتقول: فلان لسان القوم ونابهم الذي يفتوّن عنه. وهؤلاء أنف القوم خراطيمهم. وبيسان لسان الأرض يوم القيامة. وفلان اصطمة الوادي وعين البلد.
وقال الأصمعي: قال رجل لأبي عمرو بن العلاء: أكرمك الله! قال:
محدثة. قال: وكان ابن عون يقول: كيف أنت أصلحك الله.
وكان الأصمعي يقول: قولهم جعلت فداك، وجعلني الله فداك، محدث وقد روى علماء البصريين أن الحسن لما سمع صراخا في جنازة أم عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر فالتفت، قال له عبد الأعلى: جعلت فداك، لا والله ما أمرت، ولا شعرت.
وقال الأصمعي: صلّى أعرابي فأطال الصلاة، وإلى جانبه ناس، فقالوا:
ما أحسن صلاته! فقال: وأنا مع هذا صائم.
قال الشاعر:
صلّى فأعجبني وصام فرابنيعدّ القلوص عن المصلي الصائم
وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين.
قال عوانة: قال زياد بن أبيه: من سعادة الرجل أن يطول عمره، ويرى في عدوه ما يسره.
وقال الباهلي: قيل لأعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق.
قال أبو الحسن: كانت بنو أميّة لا تقبل الراوية إلا أن يكون راوية للمراثي. قيل: ولم ذاك؟ قيل: لأنها تدل على مكارم الأخلاق.
وقال عمر بن الخطاب ﵀: من خير صناعات العرب الأبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته، يستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم.
وقال شعبة: كان سماك بن حرب إذا كانت له إلى الوالي حاجة قال فيه أبياتا ثم يسأله حاجته.
قال أبو الحسن: كان شظاظ لصا، فأغار على قوم من العرب فأطرد نعمهم فساقها ليلته حتى أصبح، فقال رجل من اصحابه: لقد أصبحنا على فصد من طريقنا. فقال: «إن المحسن معان».
وقال أبو الحسن: أربى غلام من بني علي، على عبد الملك، وعبد الملك يومئذ غلام، فقال له كهل من كهولهم لما رآه ممسكا عن جواب المربي عليه: لو شكوته إلى عمه انتقم لك منه. قال: أمسك يا كهل، فإني لا أعد انتقام غيري انتقاما.
قال أبو الحسن: خاض جلساء عبد الملك يوما في قتل عثمان، فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين، في أي سنيك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.
وكان عمر بن الخطاب، ﵀، إذا اشترى رقيقا قال: اللهم ارزقني أنصحهم جيبا، وأطولهم عمرا.
وكان إذا استعمل رجلا قال: إن العمل كبر، فانظر كيف تخرج منه.
قال: ومضى ابو عبد الله الكرخي إلى الرّبض، فجلس على بابه ونفش لحيته وادعى الفقه، فوقف عليه رجل فقال له: إني أدخلت اصبعي في أنفي فخرج عليها دم. قال: احتجم. قال: جلست طبيبا أو فقيها؟! قالوا: بينا الشعبي جالس في مجلسه وأصحابه يناظرونه في الفقه، إذا شيخ بقربه قد أقبل عليه بعد أن طال جلوسه، فقال له: إني أجد في قفاي
حكة افترى لي أن أحتجم؟ قال الشعبي: الحمد لله الذي حولنا من الفقه إلى الحجامة.
قال: وذكر ناس رجلا بكثرة الصوم وطول الصلاة وشدة الأجتهاد، فقال أعرابي كان شاهدا لكلامهم: بئس الرجل هذا، يظن أن الله لا يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب.
وقال ابن عون: أدركت ثلاثة يتشددون في السماع، وثلاثة يتساهلون في المعاني. فأما الذين يتساهلون فالحسن، والشعبي، والنخعي، وأما الذين يتشددون فمحمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة.
قال رجل من أصحاب ابن لهيعة: ما رأيت أحقن أدبا من عبد الله بن المبارك، والمعافى بن عمران.
وقال ابو الحسن: حدثني عبد الأعلى قال: رأيت الطرمّاح مؤدبا بالري فلم أر أحدا آخذ لعقول الرجال، ولا أجذب لأسماعهم إلى حديثه منه، ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده وكأنهم قد جالسوا العلماء.
قال: كان رجل يبلغه كلام الحسن البصري، فبينا الرجل يطوف بالبيت إذ سمع رجلا يقول: «عجبا لقوم أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، فليت شعري ما الذي ينتظرون». قال: فقلت في نفسي:
هذا الحسن.
قال: وأربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار، وعلماءهم بالأنساب والأخبار: مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وأبو الجهم بن حذيفة
ابن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف، وحويطب بن عبد العزّى، وعقيل بن أبي طالب. وكان عقيل أكثرهم ذكرا لمثالب الناس، فعادوه لذلك، وقالوا فيه وحمّقوه. وسمعت ذلك العامة منهم، فلا تزال تسمع الرجل يقول: قد سمعت الرجل يحمقه. حتى ألف بعض الأعداء فيه الأحاديث. فمنها قولهم: ثلاثة حمقى كانوا أخوة ثلاثة عقلاء، والأم واحدة: علي وعقيل وأمهما فاطمة بنت اسد بن هاشم، وعتبة ومعاوية ابنا أبي سفيان وأمهما هند بنت عتبة بن ربيعة، وعبد الملك ومعاوية ابنا مروان وأمهما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص. فكيف وجعدة بن هبيرة يقول:
أبي من بني مخزوم إن كنت سائلاومن هاشم أمي، لخير قبيل
فمن ذا الذي يبأى علي بخالهوخالي عليّ ذو الندى وعقيل
وقال قدامة بن موسى بن قدامة بن مظعون:
وخالي بغاة الخير تعلم أنهجدير بقول الحقّ لا يتوعر
وجدي عليّ ذو التقى وابن أمهعقيل وخالي ذو الجناحين جعفر
فنحن ولاة الخير في كل موطنإذا ما ونى عنه رجال وقصروا
وقال حسان بن ثابت:
إن خالي خطيب جابية الجولان عند النعمان حين يقوم
وهو الصقر عند باب ابن سلمىيوم نعمان في الكبول مقيم
وسطت نسبتي الذوائب منهمكل دار فيها أب لي عظيم
وأبي في سميحة القائل الفاصل يوم التفت عليه الخصوم
يفصل القول بالبيان وذو الرأي من القوم ظالع مكعوم
تلك أفعاله وفعل الزبعرىخامل في صديقه مذموم
رب حلم أضاعه عدم المال وجهل غطى عليه النعيم
ولي البأس منكم إذ أبيتمأسرة من بني قصيّ صميم
وقريش تجول منا لواذاأن يقيموا وخف منها الحلوم
لم تطق حمله العواتق منهمإنما يحمل اللواء النجوم
وكان عقيل رجلا قد كف بصره، وله بعد لسانه وأدبه ونسبه وجوابه، فلما فضل نظراءه من العلماء بهذه الخصال، صار لسانه بها أطول. وغاضب عليا وأقام بالشام، وكان ذلك أيضا مما أطلق لسان الباغي والحاسد فيه. وزعموا أنه قال له معاوية: هذا أبو يزيد، لولا أنه علم أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه. فقال له عقيل: «أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي».
وقال له مرة بصفين: أنت معنا يا أبا يزيد الليلة. قال: ويوم بدر قد كنت معكم.
وقال معاوية يوما: يا أهل الشام، هل سمعتم قول الله ﵎ في كتابه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ
؟ قالوا نعم. قال: فإن أبا لهب عمه.
فقال عقيل: فهل سمعتم قول الله جل وعز: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
قالوا: نعم. قال: فإنها عمته. قال معاوية: حسبنا ما لقينا من أخيك.
وذكروا أن امرأة عقيل، وهي فاطمة ابنة عتبة بن ربيعة قالت: يا بني لا يحبكم قليي ابدا! أين أبي، أين عمي، أين أخي، كأن أعناقهم أباريق الفضة، ترد آنفهم قبل شفاههم. قال لها عقيل: إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك.
وقيل لعمر ﵀: فلان لا يعرف الشر. قال: ذلك أجدر أن يقع فيه.
قال: وسمع أعرابي رجلا يقرأ: وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ: تَجْرِي
بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ
، قال بفتح الكاف، فقال الأعرابي: لا يكون.
فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء، فقال الأعرابي: يكون.
قال الشاعر:
بدا البرق من نحو الحجاز فشاقنيوكلّ حجازيّ له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونهوأعلام أبلى كلها والأسالق
وقال آخر:
أرقت لبرق آخر الليل يلمعسرى دائبا حينا يهبّ ويهجع
سرى كاحتساء الطير والليل ضارببأرواقة والصبح قد كاد يسطع
حدثني ابراهيم بن السّندي عن أبيه قال: دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة ابيه فقال: مرض أبي ﵁ يوم كذا، ومات ﵁ يوم كذا، وترك ﵁ من المال كذا، ومن الولد كذا:
فانتهره الربيع وقال: بين يدي أمير المؤمنين توالي بالدعاء لأبيك؟ فقال الشاب: لا ألومك، لأنك لم تعرف حلاوة الآباء. قال: فما علمنا أن المنصور ضحك في مجلسه ضحكا قط، فافترّ عن نواجذه إلا يومئذ.
وحدثني إبراهيم بن السندي عن أبيه قال: دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فاستجلسه ذات يوم ودعا بغدائه، فقال للفتى: ادنه. قال الفتى: قد تغديت يا أمير المؤمنين. فكف عنه الربيع حتى ظننا أنه لم يفطن لخطابه، فلما نهض إلى الخروج أمهله، فلما كان من وراء الستر دفع في قفاه، فلما رأى ذلك الحجاب منه دفعوا في قفاه حتى أخرجوه من الدار، فدخل رجال من عمومة الفتى فشكوا الربيع إلى المنصور، فقال المنصور: إن
الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا وفي يديه حجة، فإن شئتم أغضيتم على ما فيها، وإن شئتم سألته وأنتم تسمعون. قالوا: فسله. فدعا الربيع وقصوا قصته، فقال الربيع: هذا الفتى كان يسلم من بعيد وينصرف، فاستدناه أمير المؤمنين حتى سلم عليه من قريب ثم أمره بالجلوس، ثم تبذل بين يديه وأكل، ثم دعاه إلى طعامه ليأكل معه من مائدته، فبلغ من جهله بفضيلة المرتبة التي صيره فيها أن قال حين دعاه إلى غدائه: قد تغديت! فإذا ليس عنده لمن تغدى مع أمير المؤمنين إلا سد خلّة الجوع، ومثل هذا لا يقومه القول دون الفعل.
وحدثنا ابراهيم بن السندي عن ابيه قال: والله إني لواقف على رأس الرشيد، والفضل بن الربيع واقف في الجانب الآخر والحسن اللؤلؤي يحدثه ويسائله عن أمور، وكان آخر ما سأله عن بيع أمهات الأولاد، فلولا إني ذكرت أن سلطان ما وراء الستر للحاجب، وسلطان الدار لصاحب الحرس، وأن سلطاني إنما هو على من خرج من حدود الدار، لقد كنت أخذت بضبعه وأقمته، فلما صرنا وراء الستر قلت له والفضل يسمع: أما والله لو كان هذا منك في مسايرة أو موقف لعلمت أن للخلافة رجالا يصونونها عن مجلسك.
وحدثني ابراهيم بن السندي قال: بينا الحسن اللؤلؤي في بعض الليالي بالرقة يحدث المأمون والمأمون يومئذ أمير، إذا نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير؟ ففتح المأمون عينيه وقال: سوقي والله خذ يا غلام بيده.
قال: وكنا يوما عند زياد بن محمد منصور بن زياد، وقد هيأ لنا الفضل ابن محمد طعاما، ومعنا في المجلس خادم كان لأبيهم، فجاء رسول الفضل إلى زياد فقال: يقول لك أخوك: قد أدرك طعامنا فتحولوا. ومعنا في المجلس ابراهيم النظام، وأحمد بن يوسف، وقطرب النحوي، في رجال من
أدباء الناس وعلمائهم، فما منا أحد فطن لخطأ الرسول. فأقبل عليه مبشّر الخادم، فقال: يا ابن اللخناء، تقف على رأس سيدك فتستفتح الكلام كما تستفتحه لرجل من عرض الناس. ألا تقول: يا سيدي يقول لك أخوك: ترى أن تصير إلينا بأخوانك فقد تهيأ أمرنا؟
وابتعت خادما كان قد خدم اهل الثروة واليسار وأشباه الملوك، فمر به خادم من معارفه ممن قد خدم الملوك فقال له: إن الأديب وإن لم يكن ملكا فقد يجب على الخادم أن يخدمه خدمة الملوك، فانظر أن تخدمه خدمة تامة. قلت له: وما الخدمة التامة؟ قال: الخدمة التامة أن تقوم في دارك لبعض الأمر وبينك وبين النعل ممشى خمس خطى فلا يدعك أن تمشي إليها، ولكن يأخذها ويدنيها منك. ومن كان يضع النعل اليسرى قدام الرجل اليمنى فلا ينبغي لمثل هذا أن يدخل على دار ملك ولا أديب. ومن الخدمة التامة أن يكون إذا رأى متكأ يحتاج إلى مخدة ألا ينتظر أمرك. ويتعاهد ليقة الدواة قبل أن تأمره أن يصب فيه ماء أو سوادا، وينفض عنها الغبار قبل أن يأتيك بها. وإن رأى بين يديك قرطاسا على طيّه قطع رأسه ووضعه بين يديك على كسره. وأشباه ذلك.
قال: ولما كلم عروة بن مسعود الثقفي، رسول الله ﷺ، كان في ذلك ربما مس لحية النبي ﷺ، فقال له المغيرة بن شعبة: نح يدك عن لحية رسول الله ﵇ قبل ألا ترجع إليك يدك. فقال عروة: يا غدر هل غسلت رأسك من غدرتك إلا بالأمس؟ أقال: ونادى رجال من وفد بني تميم النبي ﷺ باسمه من وراء الحجرات، فأنزل الله ﵎ في ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
. وقال الله جل ذكره: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
وقال ابن هرمة أو غيره:
لله درّ سميدع فجعت بهيوم البقيع حوادث الأيام
هش إذا نزل الوفود ببابهسهل الحجاب مؤدّب الخدام
فإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر أيهما أخو الأرحام
قال أبو الحسن: بينا هشام يسير ومعه أعرابي إذ انتهى إلى ميل عليه كتاب، فقال للأعرابي: انظر أي ميل هذا؟ فنظر ثم رجع إليه، فقال: عليه محجن وحلقة، وثلاثة كأطباء الكلبة، ورأس كأنه رأس قطاة. فعرفه هشام بصورة الهجاء ولم يعرفه الاعرابي، وكان عليه «خمسة».
استشهدوا أعرابيا على رجل وامرأة، فقال: رأيته قد تقمّصها، يحفزها بمؤخره، ويجذبها بمقدّمه، وخفي عليّ المسلك.
وقال آخر: رأيته قد تبطّنها، ورأيت خلخالا شائلا، وسمعت نفسا عاليا، ولا علم لي بشيء بعد.
وقال أعرابيّ: رأيت هذا قد تناول حجرا فالتفّ بهذا، وحجز الناس بينهما، وإذا هذا يستدمي.
وقال بعضهم: الشيب نذير الآخرة.
وقال قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية.
وقال آخر: الشيب توأم الموت.
وقال الحكيم: شيب الشعر موت الشعر، وموت الشعر علة موت البشر.
وقال المعتمر بن سليمان: الشيب أوّل مراحل الموت.
وقال السهمي: الشيب تمهيد الحمام.
وقال العتابي: الشيب تاريخ الكتاب.
وقال النمري: الشيب عنوان الكبر.
وقال عدي بن زيد العبادي:
وإبيضاض السواد من نذر الموت وهل مثله لحي نذير
وقال الآخر:
أصبح الشيب في المفارق شاعاواكتسى الرأس من بياض قناعا
ثم ولى الشباب إلا قليلاثم يأبى القليل إلا نزاعا
قال: وقال رجل لأشعب: ما شكرت معروفي عندك. قال: لأن معروفك جاء من عند غير محتسب فوقع إلى غير شاكر.
وخفف أشعب الصلاة مرة فقال له بعض أهل المسجد: خففت صلاتك جدا قال: لأنه لم يخالطها رياء.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع