من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
عظة
. الحمد لله كما هو أهله، والسلام على أنبيائه المقربين الطيبين. أخي لا تغترنّ بطول السلامة مع تضييع الشّكر، ولا تعملنّ نعمة الله في معصيته، فإن أقلّ ما يجب لمهديها ألا تجعلها ذريعة في مخالفته. واعلم أن النعم نوافر، ولقلما اقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالتوبة،
واستدم الراهن منها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل، ولا تحسب أن سبوغ ستر نعم الله عليك غير متقلّص عما قريب إذا لم ترج لله وقارا. وإني لأخشى أن يأتيك أمر الله بغتة، أو الإملاء فهو أوبأ مغبة، واثبت في الحجة، ولأن لا تعمل ولا تعلم خير من أن تعلم ولا تعمل. إن الجاهل لم يؤت من سوء نية ولا استخفاف بربوبية، ليس كمن قهرته الحجة واعرب له الحق مفصحا عن نفسه، فآثر الغفلة، والخسيس من الشهوة، على الله ﷿، فأسمحت نفسه عن الجنة، واسلمها لآبد العقوبة. فاستشر عقلك وراجع نفسك، وادرس نعم الله عندك، وتذكر احسانه إليك، فإنه مجلبة للحياء، ومردعة للشهوة، ومشحذة على الطاعة، فقد أظل البلاء أو كأن قد، فكفكف عنك غرب شؤبوبه، وجوائح سطوته، بسرعة النزوع، وطول التضرّع، ثلاث هي اسرع في العقل من النار في يبيس العرفج: إهمال الفكرة، وطول التمني، والإستغراب في الضحك. إن الله لم يخلق النار عبثا، ولا الجنة هملا، ولا الإنسان سدى. فاعترف رقّ العبودية، وعجز البشرية، فكل زائد ناقص، وكلّ قرين مفارق قرينه، وكل غني محتاج، وإن عصفت به الخيلاء وأبطره العجب، وصال على الأقران، فإنه مذال مدّبر، ومقهور ميسّر. إن جاع سخط المحنة، وإن شبع بطر النعمة. ترضيه اللمحة فيستشري مرحا، وتغضبه الكلمة فيستطير شققا، حتى تنفسخ لذلك منّته، وتنتقض مريرته، وتضطرب فريصته، وتنتشر عليه حجّته. وللعجب من لبيب توبقه الحياطة، ويسلم مع الإضاعة، ويؤتى من الثقة ولا يشعر بالعاقبة. إن أهمل عمي، وإن علّم نسي. كيف لم يتخذ الحق معقلا ينجيه، والتوكل ذائدا يحميه. أعمي عن الدلالة، وعن وضوح الحجة، أم آثر العاجل الخسيس، على الآجل النفيس؟ وكيف توجد هذه الصفة مع صحة العقدة، واعتدال الفطرة؟ وكيف يشير رائد العقل، بإيثار القليل الفاني على الكثير الباقي. وما
اظن الذي أقعدك عن تناول الحظ، مع قرب مجناه، حتى صار لا يثنيك زجر الوعيد، ولا يكدح في عزماتك فوت الجنة، وحتى ثقلت على سمعك الموعظة، ونبت عن قلبك العبرة إلا طول مجاورة التقصير، واعتياد الراحة، والأنس بالهوينى، وايثار الأخف، وألف قرين السوء. فاذكر الموت وأدم الفكرة فيه، فإن من لم يعتبر بما يرى لم يعتبر بما لا يرى. وإنّ كل ما يوجد بالعيان من مواقع العبرة لا يكشف لك عن قبيح ما أنت عليه، وهجنة ما أصبحت فيه، من إيثار باطلك على حق الله، واختيار الوهن على القوة، والتفريط على الحزم، والأسفاف إلى الدون، واصطناع العار، والتعرض للمقت، وبسط لسان العائب- فمستنبطات الغيب أحرى بالعجز عن تحريكك، ونقلك عن سوء العادة التي آثرتها على ربك. فاستحي للبّك، واستبق ما أفضل الخذلان من قوتك، قبل أن يستولي عليك الطبع، ويشتدّ بك العجز. أو ما علمت أن المعصية تثمر المذلة، وتفلّ غرب اللسان، مع السلاطة. بل ما علمت أن المستشعر بذل الخطيئة، المخرج نفسه من كنف العصمة، المتحلي بدنس الفاحشة، نظف الثناء، زمر المروءة، قصيّ المجلس، لا يشاور وهو ذو بزلاء ولا يصدر وهو جميل الرّواء، يسالم من كان يسطو عليه، ويضرع لمن كان يرغب إليه. يجذل بحاله المبغض الشانيء، ويثلب بقربه القريب الداني، غامض الشخص ضئيل الصوت، نزر الكلام متلجلج الحجة، يتوقع الإسكات عند كل كلمة، وهو يرى فضل مزيته وصريح لبه، وحسن فضيلته، ولكن قطعه سوء ما جنى على نفسه. ولو لم تطلع عليه عيون الخليقة لهجست العقول بأذهانه. وكيف يمتنع من سقوط القدر وظن المتفرس، من عري عن حلية التقوى، وسلب طابع الهدى. ولو لم يتغشّه ثوب سريرته، وقبيح ما احتجن إليه من مخالفته ربّه، لا ضرعته الحجة ولفسخه وهن الخطيئة، ولقطعه العلم
بقبيح ما قارف، عن اقتدار ذوي الطهارة في الكلام، وادلال اهل البراءة في الندى. هذه حال الحاطىء في عاجل الدنيا، فإذا كان يوم الجزاء الأكبر فهو عان لا يفك، وأسير لا يفادى، وعارية لا تؤدي. فاحذر عادة العجز وألف الفكاهة، وحبّ الكفاية، وقلة الإكتراث للخطيئة، والتأسف على الفائت منها، وضعف الندم في أعقابها.
أخي، أنعي إليك القاسي، فإنه ميّت وإن كان متحركا، وأعمى وإن كان رائيا. واحذر القسوة فإنها رأس الخطايا، وإمارة الطبع. وهي الشوهاء العاقر، والداهية العقام. وأراك ترتكض في حبائلها، وتستقبس من شررها. ولا بأس أن يعظ المقصر ما لم يكن هازلا. ولن يهلك أمرؤ عرف قدره. ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه. علمنا الله وإياكم ما فيه نجاتنا، وأعاننا وإياكم على تأدية ما كلفنا. والسلام.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع