من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
سنن الخطابة العربية
ونبدأ على اسم الله بذكر مذهب الشعوبية ومن يتحلى باسم التسوية وبمطاعنهم على خطباء العرب بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام. ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفى، والمنثور الذي لم يقف، وبالإرجاز عند المتح، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادلة والمحاورة.
وكذلك الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة، واستعمال المنثور في خطب الحمالة، وفي
مقامات الصّلح وسل السخيمة، والقول عند المعاقدة والمعاهدة، وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته، حتى يخرج على غير صنعة ولا اجتلاب تأليف، ولا التماس قافية، ولا تكلف لوزن. مع الذي عابوا من الاشارة بالعصي، والإتكاء على أطراف القسيّ، وخدّ وجه الأرض بها، واعتمادها عليها إذا اسحنفرت في كلامها، وافتنّت يوم الحفل في مذاهبها، ولزومهم العمائم في أيام الجموع، وأخذ المخاصر في كل حال، وجلوسها في خطب النّكاح، وقيامها في خطب الصلح وكل ما دخل في باب الحمالة، وأكدّ شأن المحالفة، وحقق حرمة المجاورة، وخطبهم على رواحلهم في المواسم العظام، والمجامع الكبار. والتماسح بالأكفّ، والتحالف على النار، والتعاقد على الملح، وأخذ العهد الموكد واليمين الغموس مثل قولهم: ما سرى نجم وهبّت ريح، وبلّ بحر صوفة، وخالفت جرّة درة. ولذلك قال الحارث ابن حلزة اليشكري:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّم فيه: العهود والكفلاء
حذر الخون والتعدي وهلتنقض ما في المهارق الأهواء
الخون: الخيانة. ويروى: «الجور».
وقال أوس بن حجر:
إذا استقبلته الشمس صدّ بوجههكما صدّ عن نار المهول حالف
وقال الكميت:
كهولة ما أوقد المحلفونلدى الحالفين وما هوّلوا
وقال الأول:
حلفت بالملح والرماد وبالننار وبالله نسلم الحلقه
حتى يظلّ الجواد منعفراويخضب النبل غرة الدرقه
وقال الأول:
حلفت لهم بالملح والجمع شهدوبالنار واللات التي أعظم
وقال الحطيئة في أضجاع القسيّ:
أم من لخصم مضجعين قسيّهمصعر خدودهم عظام المفخر
وقال لبيد في خدّوجه الأرض بالعصي والقسي:
نشين صحاح البيد كلّ عشيةبعوج السراء عند باب محجب
ومثله:
إذا اقتسم الناس فضل الفخارأطلنا على الأرض ميل العصا
ومثله:
حكمت لنا في الأرض يوم محرقأيامنا في الناس حكما فيصلا
وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي:
ما إن أهاب إذا السرادق غمهقرع القسي وأرعش الرّعديد
وقال كثّير في الإسلام:
إذا قرعوا المنابر ثم خطّوابأطراف المخاصر كالغضاب
وقال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخا من بقايا العرب: أيّ العرب رأيته أضخم شأنا؟ قال: حصن بن حذيفة، رأيته متوكئا على قوسه يقسم في الحليفين أسد وغطفان.
وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة:
غلب تشذّر بالدخول كأنهاجنّ البدي رواسيا أقدامها
وقال معن بن أوس المزني:
ألا من مبلغ عني رسولاعبيد الله إذ عجل الرسالا
تعاقل دوننا أبناء ثورونحن الأكثرون حصى ومالا
إذا اجتمع القبائل جئت ردفاوراء الماسحين لك السبالا
فلا تعطى عصا الخطباء يوماوقد تكفى المقادة والمقالا
فذكر عصا الخطباء كما ترى. وقال آخر في حمل القناة:
إلى امريء لا تخطاه الرفاق، ولاجدب الخوان إذا ما استنشىء المرق
صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذاهزّ القناة ولا مستعجل زعق
وقال جرير بن الخطفي في حمل القناة:
من للقناة إذا ما عيّ قائلهاأو للأعنة يا عمرو بن عمّار
قالوا: وهذا مثل قول أبي المجيب الربعي، حيث يقول: «لا تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يمدحك». يقول: إذا قام يخطب فقد قام المقام الذي لا بدّ من أن يخرج منه مذموما أو محمودا.
وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال:
خداش بن لبيد بن بيبة بن خالد، يعني البعيث الشاعر. وإنما قيل له البعيث لقوله:
تبعّث مني ما تبعث بعد ماأمرت حبالي كل مرتها شزرا
قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البعيث إذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الارض، ثم رفعها.
وقال يونس: لعمري لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. وإذا قالوا غلب فهو الغالب. وإذا قالوا مغلّب فهو المغلوب.
وفي حديث النبي ﵌ أنه جاء إلى البقيع، ومعه مخصرة، فجلس ونكت بها الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار». وهو من حديث أبي عبد الرحمن السّلمي.
ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة، وهو صاحب ليلة الجهنيّ، وكان النبي ﵇ أعطاه مخصرة وقال: «تلقاني بها في الجنة». وهو مهاجريّ عقبيّ أنصاري، وهو ذو المخصرة في الجنة.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع