تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الرد على الشعوبية

قلنا: ليس فيما ذكرتم من هذه الأشعار دليل على أن العرب لا تقاتل بالليل. وقد يقاتل بالليل والنهار من تحول دون ماله المدن وهول الليل. وربما تحاجز الفريقان وإن كل واحد منهم يرى البيات، ويرى أن يقاتل إذا بيتوه.

وهذا كثير. والدليل على أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقيا الملك الغساني:

وليلة تبّع وخميس كعبأتونا، بعد ما نمنا، دبيبا
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة
فلم نهدد لبأسهم ولكنركبنا حدّ كوكبهم ركوبا
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة
بضرب يفلق الهامات منهوطعن يفصل الحلق الصليبا
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة

وقال بشر بن أبي خازم:

فأما تميم تميم بن مرفألفاهم القوم روبى نياما
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «غشيت لليلى بشرق مقاما»

يقول: شربوا الرائب من اللبن فسكروا منه، وهو اللبن الذي قد أدرك ليمخض. يقال منه راب يروب روبا ورؤوبا. ورؤبة اللبن: خميرة تلقى فيه من الحامض. ورؤبة الليل: ساعة منه. يقال أهرق عنا من رؤبة الليل. وقال بعضهم: منه قول الشاعر:

فألفاهم القوم روبى نياما

ويقال: روبى: خثراء الأنفس مختلطون. ويقال شربوا من الرائب فسكروا.

وقال عياض السيديّ:

ونحن نجلنا لابن ميلاء نحرهبنجلاء من بين الجوانح تشهق
ويوم بني الديان نال أخاهمبأرماحنا بالسيّ موت محدّق
ومنا حماة الجيش ليلة أقبلتأياد يزجّيها الهمام محرّق
للشاعر عياض الضبي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وعلى شتير راح منا رائحبأبي قبيصة كالفنيق المقرّم
يردي بشرحاف المغاور بعد مانشر النهار سواد ليل مظلم

وقال عياض السيدي:

لحمام بسطام بن قيس بعدماجنح الظلام بمثل لون العظلم

وقال أوس بن حجر:

باتوا يصيب القوم ضيفا لهمحتى إذا ما ليلهم أظلما
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «كان بنو الأبرص أقرانكم»
قروهم شهباء ملمومةمثل حريق النار أو أضرما
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «كان بنو الأبرص أقرانكم»
والله لولا قرزل ما نجاوكان مثوى خدك الأخرما
نجاك جياش هزيم كماأحميت وسط الوبر الميسما
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «كان بنو الأبرص أقرانكم»

وبعد فهل قتل ذواب الأسدي عتيبة بن الحارث بن شهاب إلا في وسط الليل الأعظم، حين تبعوهم فلحقوهم.

وكانوا إذا أجمعوا للحرب دخّنوا بالنهار، وأوقدوا بالليل. قال عمرو بن كلثوم وذكر وقعة لهم:

ونحن غداة أوقد في خزازرفدنا فوق رفد الرافدينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وقال خمخام السدوسي:

وأنا بالصّليب ببطن فججميعا واضعين به لظانا
ندخّن بالنهار ليبصروناولا نخفي على أحد أتانا

وأما قولهم: «ولا يعرفون الكمين» فقد قال أبو قيس بن الأسلت:

وأحرزنا المغانم واستبحناحمى الأعداء والله المعين
بغير خلابة مكرمجاهرة ولم يخبأ كمين
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

وأما ذكرهم للركب، فقد أجمعوا على أن الرّكب كانت قديمة، إلا أن ركب الحديد لم تكن في العرب إلا في أيام الأزارقة. وكانت العرب لا تعود نفسها إذا أرادت الركوب أن تضع أرجلها في الركب. وإنما كانت تنزو نزوا.

وقال عمر بن الخطاب ﵁: «لا تخور قوة ما كان صاحبها ينزو وينزع»، يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع في القوس، وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب.

قال عمر: «الراحة عقلة، وإياكم والسمنة فإنها عقلة ».

ولهذه العلة قتل خالد بن سعيد بن العاصي، حين غشيه العدو وأراد الركوب ولم يجد من يحمله. ولذلك قال عمر حين رأى المهاجرين والأنصار قد أخصبوا، وهمّ كثير منهم بمقاربة عيش العجم: «تمعددوا وآخشوشنوا، واقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا». وقال: «احفوا وانتعلوا، إنكم لا تدرون متى تكون الجفلة ».

وكانت العرب لا تدع اتخاذ الركاب للرحل فكيف تدع الركاب للسرج؟! ولكنهم كانوا وإن اتخذوا الركب فإنهم كانوا لا يستعملونها إلا عندما لا بد منه، كراهة أن يتّكلوا على بعض ما يورثهم الاسترخاء والتفنخ ويضاهوا أصحاب الترفة والنعمة. قال الأصمعي: قال العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى. ثم يجمع جراميزه ويثب، فكأنما خلق على ظهر فرسه. وفعل مثل ذلك الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو يومئذ وليّ عهد هشام، ثم أقبل على مسلمة بن هشام فقال له: أبوك يحسن مثل هذا؟ فقال مسلمة: لأبي مائة عبد يحسنون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.

وزعم رجال من مشيختنا أنه لم يقم أحد من ولد العباس بالملك إلا وهو جامع لأسباب الفروسية.

وأما ما ذكروا من شأن رماح العرب فليس الأمر في ذلك على ما يتوهمون.

للرماح طبقات: فمنها النيزك، ومنها المربوع، ومنها المخموس، ومنها التام، ومنها الخطل وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لأفراط طوله. فإذا أراد الرجل أن يخبر عن شدة أمر صاحبه ذكره، كما ذكر متمّم بن نويرة أخاه

مالكا، فقال: «كان يخرج في الليلة الصنبر عليه الشملة الفلوت، بين المزادتين النضوحين، على الجمل الثفال، معتقل الرمح الخطل». قالوا له:

وابيك إن هذا لهو الجلد. ولا يحمل الرمح الخطل منهم إلا الشديد الأيّد، والمدلّ بفضل قوته عليه، الذي إذا رآه الفارس في تلك الهيئة هابه وحاد عنه، فإن شد عليه كان أشدّ لاستخذائه له.

والحال الأخرى أن يخرجوا في الطلب بعقب الغارة، فربما شدّ على الفارس المولّي فيفوته بأن يكون رمحه مربوعا أو مخموسا، وعند ذلك يستعملون النيازك.، والنيزك أقصر الرماح. وإذا كان الفارس الهارب يفوت الفارس الطالب زجه بالنيزك، وربما هاب مخالطته فيستعمل الزج دون الطعن، صنيع ذؤاب الأسدي بعتيبة بن الحارث بن شهاب.

وقال الشاعر:

واسمر خطّيا كأنّ كعوبهنوى القصب قد أربى ذراعا على العشر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «بكيت وما يبكيك من طلل قفر»

وقال آخر:

هاتيك تحملني وأبيض صارماومحرّبا في مارن مخموس
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «لمن الديار بصاحة فحروس»

وقال آخر:

فولوا وأطراف الرماح عليهمقوادر، مربوعاتها وطوالها
للشاعر أنيف الطائي، اقرأ القصيدة

وهم قوم الغارات فيهم كثيرة، وبقدر كثرة الغارات كثر فيهم الطلب، والفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته، ويخبر عن قصر سيفه ليخبر عن فضل نجدته. قال كعب بن مالك:

نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدما ونلحقها إذا لم تلحق

وقال آخر:

إذا الكماة تنحوا أن يصيبهمحدّ الظبات وصلناها بأيدينا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»

وقال رجل من بني نمير:

وصلنا الرفاق المرهفات بخطوناعلى الهول حتى أمكنتنا المضارب

وقال حميد بن ثور الهلالي:

ووصل الخطا بالسيف والسيف بالخطاإذا ظن أن السيف ذو السيف قاصر
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

الطاعنون في النحور والكلىشزرا ووصالو السيوف بالخطى

وأما ما ذكروا «من اتخاذ الزّج لسافلة الرمح، والسنان لعاليته» فقد ذكروا أن رجلا قتل أخوين في نقاب، أحدهما بعالية الرمح، والآخر بسافلته.

وقدم في ذلك راكب من قبل بني مروان على قتادة يستثبت الخبر من قبله، فأثبته له.

وقال الآخر:

إن لقيس عادة تعتادهاسلّ السيوف وخطى تزدادها

وقد وصفوا أيضا السيوف بالطول. وقال عمارة بن عقيل:

بكل طويل السيف ذي خيزرانةجريء على الأعداء معتمد الشطب
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

وجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس. فأما الهند فإنما لهم معان مدونة، وكتب مخلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة، وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة.

ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق، وكان صاحب المنطق نفسه بكيّ اللسان، غير موصوف بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه، وبخصائصه. وهم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس، ولم يذكروه بالخطابة، ولا بهذا الجنس من البلاغة، وفي الفرس خطباء، إلا أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم، فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد رأي، وطول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم. وكلّ شيء للعرب فإنما هو بديهة وإرتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز بوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني إرسالا، وتنثال الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيّده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، ويحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلّف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب. وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب، وهو الله الذي يحيط بما كان، والعالم بما سيكون.

ونحن- أبقاك الله- إذا دعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والإرجاز، ومن المنثور والإسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت، الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير، والنبذ القليل.

ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي بأيدي الناس للفرس، أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولّدة، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون، وابي عبيد الله، وعبد الحميد وغيلان، يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير.

وأخرى: أنك متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته بلاد الأعراب الخلّص، ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على شعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق، وأبصر الشاهد عيانا. فهذا فرق ما بيننا وبينهم.

فتفهّم عني، فهمك الله، ما أنا قائل في هذا، ثم اعلم أنك لم ترقوما قط أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه، ولا أشد استهلاكا لعرضه، ولا أطول نصبا، ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة. وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعّر تلك النيران المضطرمة. ولو عرفوا أخلاق أهل كل ملة، وزيّ اهل كل لغة وعللهم، على اختلاف شاراتهم وآلاتهم، وشمائلهم وهيئاتهم، وما علة كل شيء من ذلك، ولم اجتلبوه ولم تكلفوه، لأراحوا أنفسهم، ولخفت مؤونتهم على من خالطهم.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.