من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أصل العصا الشجرة المباركة
وقالت الحكماء: إنما تبنى المدائن على الماء والكلأ والمحتطب. فجمع بقوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
النجم والشجر، والملح واليقطين، والبقل والعشب. فذكر ما يقوم على ساق وما يتفنن وما يتسطح، وكل ذلك مرعي، ثم قال على النسق: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
، فجمع بين الشجر والماء والكلأ والماعون كله، لأن الملح لا يكون إلا بالماء، ولا تكون النار إلا من الشجر.
وقال الله ﵎: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
. وقال: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
. والمرخ والعفار، والسواس والعراجين، وجميع عيدان النار، وكل عود يقدح على طول الإحتكاك فهو غني بنفسه، بالغ للمقوي وغير المقوي وحجر المرو يحتاج إلى قراعة الحديد، وهما يحتاجان إلى العطبة، ثم إلى الحطب. والعيدان هي القادحة، وهي المورية، وهي الحطب.
قال الله ﷿: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.
والماعون الماء والنار والملح والكلأ. وقال الأسدي:
وكأن أرحلنا بجو محصّببلوى عنيزة من مقيل الترمس
في حيث خالطت الخزامى عرفجايأتيك قابس اهلها لم يقبس
وإنما وصف خصب الوادي ولدونة عيدانه، ورطوبة الورق. وهذا خلاف قول عمرو بن عبد هند:
فإن السنان يركب المرء حدّهمن العر أو يعدو على الأسد الورد
وأن الذي ينهاكم عن طلابهايناغي نساء الحي في طرّة البرد
يعلّل والأيام تنقص عمرهكما تنقص النيران من طرف الزند
وذكر الله ﷿ النخلة فجعلها شجرة، فقال: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ.
وذكر رسول الله ﷺ حرمة الحرم فقال: «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها».
وقال الله ﷿: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ.
وتقول العرب ليس شيء أدفأ من شجر، ولا أظل من شجر.
ولم يكلّم الله موسى إلا من شجرة، وجعل أكبر آياته في عصاه، وهي من الشجر. ولم يمتحن الله جل وعز صبر آدم وحواء، وهما أصل هذا الخلق وأوله، إلا بشجرة. ولذلك قال: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
. وجعل بيعة الرضوان تحت شجرة. وقال: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ.
وسدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى شجرة.
وشجرة سرّ تحتها سبعون نبيا لا تعبل ولا تسرف.
وحين اجتهد ابليس في الاحتيال لآدم وحوا صلى الله عليهما، لم يصرف الحيلة إلا إلى الشجرة، وقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى.
وفيما يضرب بالأمثال من العصي قالوا: قال جميل بن بصبهري حين شكا إليه الدهاقين شر الحجاج. قال أخبروني أين مولده؟ قالوا الحجاز. قال ضعيف معجب. قال فمنشؤه؟ قالوا الشام. قال ذلك شر. ثم قال ما أحسن حالكم إن لم تبتلوا معه بكاتب منكم، يعني من أهل بابل. فابتلوا بزاذان فروخ الأعور. ثم ضرب لهم مثلا فقال: إن فأسا ليس فيها عود ألقيت بين الشجر، فقال بعض الشجر لبعض: ما ألقيت هذه ها هنا لخير. قال: فقالت شجرة عادية إن لم يدخل في است هذه عود منكن فلا تخفنها.
وقال يزيد بن مفرّغ:
العبد يقرع بالعصاوالحرّ تكفيه الملامه
وقال: أخذه من الفلتان الفهمي، حيث قال:
العبد يقرع بالعصاوالحر تكفيه الاشارة
وقال مالك بن الرّيب:
العبد يقرع بالعصاوالحر يكفيه الوعيد
وقال بشار بن برد:
الحر يلحى والعصا للعبدوليس للملحف مثل الردّ
وقال آخر
فاحتلت حين صرمتنيوالمرء يعجز لا المحاله
والدهر يلعب بالفتىوالدهر أروغ من ثعاله
والمرء يكسب مالهبالشّحّ يورثه الكلاله
والعبد يقرع بالعصاوالحر تكفيه المقاله
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع