من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الثياب
وكان الكاهن لا يلبس المصبّغ، والعرّاف لا يدع تذليل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر. وكان لحرائر النساء زيّ، ولكل مملوك زيّ، ولذوات الرايات زي، وللإماء زي.
وكان الزبرقان يصبغ بصفرة. وذكره الشاعر فقال:
وأشهد من عوف حلولا كثيرةيحجون ستّ الزبرقان المزعفرا
وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتمّ لم يعتمّ معه أحد، هكذا في الشعر. ولعل ذلك أن يكون مقصورا في بني عبد شمس. وقال أبو قيس بن الأسلت:
وكان أبو أحيحة قد علمتمبمكة غير مهتضم ذميم
إذا شدّ العصابة ذات يوموقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشيبمكة غير مدّخل سقيم
وكان البختريّ غداة جمعيدافعهم بلقمان الحكيم
بأزهر من سراة بني لؤيكبدر الليل راق على النجوم
هو البيت الذي بنيت عليهقريش السر في الزمن القديم
وسطت ذوائب الفرعين منهمفأنت لباب سرهم الصميم
وقال غيلان بن خرشة للأحنف: يا أبا بحر، ما بقاء ما فيه العرب؟ قال:
إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قال وما حمية الأوغاد؟ قال أن يعدّوا التواهب ذلا.
وقال الأحنف: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال.
والعرب تسمي السيوف بحمائلها أردية.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ قولا أحسن من هذا، قال: «تما جمال المرأة في خفّها، وتمام جمال الرجل في كمّته ».
ومما يؤكد ذلك قول مجنون بني عامر:
أأعقر من جرا كريمة ناقتيووصلي مفروش لوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكنإذا جئت أرجو صوت تلك الصلاصل
ولم تغن سيجان العراقين نقرةورقش القلنسى بالرجال الأطاول
والعصابة والعمامة سواء. وإذا قالوا سيد معمم فإنما يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني من تلك العشيرة فهي معصوبة برأسه.
وقال دريد بن الصّمّة:
أبلغ نعيما وعوفا إن لقيتهماإن لم يكن كان في سمعيهما صمم
فلا يزال شهاب يستضاء بهيهدي المقانب ما لم تهلك الصمم
عاري الأشاجع معصوب بلمتهأمر الزعامة في عرنينه شمم
وقال الكناني:
تنخّبتها للنسل وهي غريبةفجاءت به كالبدر خرقا معمّما
فلو شاتم الفتيان في الحي ظالمالما وجدوا غير التكذّب مشتما
ولذلك قيل لسعيد بن العاصي: «ذو العصابة». وقد قال القائل:
كعاب أبوها ذو العصابة وابنهوعثمان ما أكفاؤها بكثير
يقولها خالد بن يزيد وقال عمر بن الخطاب ﵀: «العمائم تيجان العرب».
قال: وقيل لأعرابي: إنك لتكثر لبس العمامة؟ قال: إن شيئا فيه السمع والبصر لجدير أن يوقي من الحر والقر.
وذكروا العمامة عند أبي الأسود الدؤلي فقال: «جنّة في الحرب، ومكنّة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في النديّ، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب».
وقال عمرو بن امرىء القيس:
يا مال والسيد المعمّم قديبطره بعد رأيه السرف
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع