من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
قاضي القضاة
وكان من عادة الدولة، أنه إذا كان وزير: رب سيف، فإنه يقلد القضاء رجلا نيابة عنه، وهذا إنما حدث من عهد أمير الجيوش بدر الجماليّ، وإذا كان الخليفة مستبدّا قلد القضاء رجلا، ونعته بقاضي القضاة، وتكون رتبته أجل رتب أرباب العمائم، وأرباب الأقلام، ويكون في بعض الأوقات داعيا، فيقال له حينئذ: قاضي القضاة، وداعي الدعاة ولا يخرج شيء من الأمور الدينية عنه، ويجلس السبت والثلاثاء، بزيادة جامع عمرو بن العاص بمصر على طرّاحة ومسند حرير.
فلما ولي ابن عقيل القضاء، رفع المرتبة والمسند، وجلس على طرّاحات السامان، فاستمرّ هذا الرسم ويجلس الشهود حواليه يمنة ويسرة بحسب تاريخ عدالتهم، وبين يديه خمسة من الحجاب اثنان بين يديه، واثنان على باب المقصورة، وواحد ينفذ الخصوم إليه، وله أربعة من الموقعين بين يديه: اثنان يقابلان اثنين، وله كرسيّ الدواة، وهي دواة محلاة
بالفضة تحمل إليه من خزائن القصور، ولها حامل بجامكية في الشهر على الدولة، ويقدّم له من الإصطبلات برسم ركوبه على الدوام: بغلة شهباء، وهو مخصوص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة، وعليها من خزانة السروج، سرج محلي ثقيل وراء دفتر فضة، ومكان الجلد حرير، وتأتيه في المواسم الأطواق، ويخلع عليه الخلع المذهبة بلا طبل، ولا بوق إلاّ إذا ولي الدعوة مع الحكم، فإنّ للدعوة في خلعها الطبل، والبوق، والبنود الخاص وهي نظير البنود التي يشرّف بها الوزير صاحب السيف، وإذا كان للحكم خاصة كان حواليه القرّاء رجالة، وبين يديه المؤذنون يعلنون بذكر الخليفة، والوزير إن كان، ثم ويحمل بنوّاب الباب والحجاب، ولا يتقدّم عليه أحد في محضر هو حاضره من رب سيف وقلم، ولا يحضر لأملاك ولا جنازة إلا بإذن، ولا سبيل إلى قيامه لأحد، وهو في مجلس الحكم ولا يعدّل شاهد إلاّ بأمره، ويجلس بالقصر في يومي الاثنين والخميس، أوّل النهار للسلام على الخليفة، ونوّابه لا يفترون عن الأحكام، ويحضر إليه وكيل بيت المال، وكان له النظر في ديوان الضرب لضبط ما يضرب من الدنانير فكان يحضر مباشرة التغليق بنفسه، ويختم عليه، ويحضر لفتحه، وكان القاضي لا يصرف إلاّ بجنحة، ولا يعدّل أحد إلاّ بتزكية عشرين شاهدا: عشرة من مصر، وعشرة من القاهرة، ورضي الشهود به، ولا يحتمي أحد على الشرع ومن فعل ذلك أدب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع