تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

التربة المعزية

كان من جملة القصر الكبير: التربة المعزية، وفيها دفن المعز لدين اللّه، آباءه الذين أحضرهم في توابيت معه من بلاد المغرب، وهم الإمام المهدي عبيد اللّه، وابنه القائم بأمر اللّه محمد، وابنه الإمام المنصور بنصر اللّه إسماعيل، واستقرّت مدفنا يدفن فيه الخلفاء، وأولادهم، ونساءهم، وكانت تعرف: بتربة الزعفران، وهو مكان كبير من جملتها الموضع الذي يعرف اليوم: بخط الزراكشة العتيق، ومن هناك بابها، ولما انشأ الأمير: جهاركس الخليليّ خانه المعروف به في الخط المذكور، أخرج ما شاء اللّه من عظامهم، فألقيت في المزابل على كيمان البرقية، ويمتدّ من هناك من حيث المدرسة البديرية خلف المدارس الصالحية النجمية، وبها إلى اليوم بقايا من قبورهم، وكان لهذه التربة عوايد ورسوم منها:

أن الخليفة كلما ركب بمظلة، وعاد إلى القصر لا بدّ أن يدخل إلى زيارة آبائه بهذه التربة، وكذلك لا بدّ أن يدخل في يوم الجمعة دائما، وفي عيدي الفطر والأضحى مع صدقات ورسوم تفرّق.

قال ابن المأمون: وفي هذا الشهر يعني شوّالا سنة ست عشرة وخمسمائة، تنبه ذكر الطائفة النزارية، وتقرّر بين يدي الخليفة الآمر بأحكام اللّه أن يسير رسول إلى صاحب الموق بعد أن جمعوا الفقهاء من الإسماعيلية، والإمامية، وقال لهم الوزير المأمون البطائحيّ ما لكم من الحجة في الرد على هؤلاء الخارجين على الإسماعيلية؟ فقال كل منهم: لم يكن لنزار إمامة ومن اعتقد هذا، فقد خرج عن المذهب، وضلّ، ووجب قتله، وذكروا حجتهم، فكتب الكتاب، ووصلت كتب من خواص الدولة تتضمن أن القوم قويت شوكتهم، واشتدّت في البلاد طمعتهم، وأنهم سيروا الآن ثلاثة آلاف برسم النجوى وبرسم المؤمنين الذين تنزل الرسل عندهم، ويختفون في محلهم، فتقدّم الوزير بالفحص عنهم، والاحتراز التام على الخليفة في ركوبه، ومنتزهاته، وحفظ الدور والأسواق، ولم يزل البحث في طلبهم إلى أن

وجدوا، فاعترفوا بأن خمسة منهم هم الرسل الواصلون بالمال فصلبوا.

وأما المال وهو ألفا دينار، فإنّ الخليفة أبى قبوله، وأمر أن ينفق في السودان عبيد الشراء، وأحضر من بيت المال نظير المبلغ، وتقدّم بأن يصاغ به قنديلان من ذهب، وقنديلان من فضة، وأن يحمل منها قنديل ذهب، وقنديل فضة إلى مشهد الحسين بثغر عسقلان، وقنديل إلى التربة المقدّسة تربة الأئمة بالقصر، وأمر الوزير المأمون: بإطلاق ألفي دينار من ماله، وتقدّم بأن يصاغ بها قنديل ذهب، وسلسلة فضة برسم المشهد العسقلانيّ، وأن يصاغ على المصحف الذي بخط أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بالجامع العتيق بمصر من فوق الفضة ذهب، وأطلق حاصل الصناديق التي تشتمل على مال النجاوي برسم الصدقات عشرة آلاف درهم تفرّق في الجوامع الثلاثة: الأزهر بالقاهرة، والعتيق بمصر، وجامع القرافة، وعلى فقراء المؤمنين على أبواب القصور، وأطلق من الاهراء ألفي أردب قمحا، وتصدّق على عدّة من الجهات بجملة كثيرة، واشتريت عدّة جوار من الحجر، وكتب عتقهن للوقت، وأطلق سراحهن، وقال في كتاب الذخائر: إنّ الأتراك طلبوا من المستنصر نفقة في أيام الشدّة، فماطلهم وإنهم هجموا على التربة المدفون فيها أجداده، فأخذوا ما فيها من قناديل الذهب وكانت قيمة ذلك، مع ما اجتمع إليه من الآلات الموجودة هناك مثل المداخن، والمجامر وحلي المحاريب وغير ذلك خمسين ألف دينار.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.