تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

خاتمة (٦)

ومن الغريب ما رأيته في بعض كتب الحنابلة من الخلاف في صحة صلوة من وجب عليه قطع اليد للسرقة أو نحوها ولم يمكن منه.) نعم (الصحيح عندهم الصحة واتفقوا على عدم صحة الصلوة في الثوب المغصوب أو الأرض المغصوبة. والمسألة مفصلة في كتب الأصول والفروع والله تعالى أعلم.

) ومنها (ما جرى في سؤال سأله بقوله:

يا أيها المفتي الذيعلم الفروع له انتسب
أي احتلام يعتريوالغسل منه ما وجب

فقلت:

مولاي ذا الفضل الذيمنه الورى نالوا الأدب
ذاك احتلام أولبه البلوغ قد وجب
وذاك في قولٍ لهمما سامه ذوو الرتب

وفيه إشارة إلى أن القول بعدم وجوب الغسل بأول مني خارج تحقق به البلوغ لا يعول عليه. والأصح) كما في إمداد الفتاح وغيره (وجوب الغسل منه. ومن الناس من أجاب بأن ذاك احتلام انتبه صاحبه فمسك ذكره حتى هدأت شهوته ثم أطلقه فسأل المنى بلا شهوة. وأنت تعلم أن في عدم وجوب الغسل في هذه الصورة خلافاً أيضاً فلا تغفل.

) ومنها (ما جرى في سؤال سأله بقوله:

يا أيها المفتي الذيبعلمه له العمل
للمرء هل شكر إذاطعام ظالم أكل

فأجبت على غير ذلك البحر:

أمولاي إن الشكر للمرء قد أتىعلى الرزق نصاً وهو للسحت قد شمل
وخالف في ذاك الشمول جماعةوقولهم قد رده السادة الول
فلا بأس في شكر امرئٍ ربه علىطعام لذي ظلم دعاه إذا أكل

وسألت الواعظ أيضاً فأطال في الجواب ومنه قوله:

يا أيها المولى الذيبفضله فاق الأول
سألت عن شكر امرئٍطعام ظالم أكل
نعم يجوز شكرهوإن يكن ذا غير حل
ذكره في قنيةٍورد محتار نقل
ذلك عنها وهي لاتخفى على من قد سأل

انتهى المراد منه. ثم أنه قد خاض في أمر التسمية على الحرام وذكر أنه كفر ثم أبدى الفرق بين التسمية على الحرام والشكر عليه بأن التسمية قد شرعت في أول الأمر ذي البال والمحرم ليس منه مع أنه قد حظرها الشارع فيه والشكر قد شرع على الرزق والحرام منه عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة. وأنا أقول في أمر التسمية على الحرام أنه قد شاع الإكفار بالتسمية غليه والذي اطلعت عليه من تتبع كتب الحنفية والشافعية أن المسألة خلافية فيها عدة أقوال) أحدها (ما سمعت) وثانيها (أن الحرمة إن كانت أصلية كحرمة لحم الخنزير وحرمة الخمر فالتسمية على الذي فيه الحرمة كذلك كفر وإن كانت غير أصلية كحرمة الخبز واللحم المغصوب فالتسمية على المحرم بها ليست بكفر وإنما هي مكروهة) نعم (يكفر بالتسمية إذا قصد الاستخفاف لكن هذا أمر آخر) وثالثها (إن التسمية على الحرام مطلقاً وعلى المكروه مكروهة ولا يلزم من كون المحرم غير ذي بال كون التسمية عليه كفراً. فحمل تبنة مثلاً من الأرض كذلك. مع أن التسمية عليه ليست بكفرٍ إجماعاً. ويخطر لي أني رأيت في بعض الكتب أن هذا هو القول المصحح عند الشافعية وإلى هذا القول أميل. وإياه أختار. ولا شيء عندي أخطر من الإكفار. وساداتنا الحنفية قد تساهلوا في أمره حتى أن منهم من أكفر القائل لمن في الباب أو لمن حظر طعاماً مثلاً باسم الله كما اعتاده كثير من الناس والحق أن ذلك ليس من الكفر في شيءٍ ومثل ذلك عندهم كثير. مع تصريحهم بأن أمر الإكفار خطير. والله تعالى أعلم.

) ومنها (ما جرى في سؤال سأله بقوله:

يا بحر جود ما له ساحليقذف بالدر علينا الثمين
ما القول فيما يأخذ حكامنالدى القضا من حجيج المسلمين
وصار محصول القضا عندهمأطيب من كسب بكد اليمين
منوا بما يدفع إشكالنالا زلتم خادمي شرعٍ مبين

) فأجبت (:

مولاي ما يؤخذ في عصرنامحرم في شرعة المسلمين
فليس للقاضي سوى أجرة آلمثل ولكن من سوى القاصرين
ومعظم الحكام يشكوهممن خبثهم دين النبي الأمين
غاروا على مال اليتامى ضحىًفانتهبوا كل نفيس ثمين
إلى أمورٍ عارها ظاهرأقلها تحريف شرع مبين
قد أوجبت والله أفعالهمفي ديننا طعناً من الملحدين
فما يريح الدين منهم سوىصاعقة تصعقهم أجمعين

وسألت الواعظ أيضاً فأجاب. وأطال في الجواب. ولعلنا نذكر ذلك في ترجمة شيخ الإسلام والله تعالى الموفق.

) ومنها (ما جرى في حل العويصة الشهيرة بالجذر الأصم ولها تقريرات أربع) أحدها (أنه إذا قال أحد) كل كلامي في هذه الساعة كاذب (ولم يتكلم في تلك الساعة بغير هذا الكلام أو تكلم بغيره ولم يتكلم إلا بالكاذب لزم من ذلك الكلام اجتماع الصدق والكذب أو اجتماع الكذب مع ارتفاعه أو ارتفاعهما معاً مع ثبوت الكذب له. لأنه لا يخلو أما أن يكون صادقاً أو كاذباً أو لا صادقاً ولا كاذباً. ولا خفاء في أن صدقه مستلزم لكذبه وكذبه مستلزم لسلب الكذب عنه أو ثبوت الصدق له وعدم صدقه مع عدم كذبه مستلزم لكذبه) وثانيها (أنه إذا قال أحد يوماً أن الكلام الذي أتكلم به غداً كاذب ولم يتكلم في ذلك اليوم بغير هذا الكلام أو تكلم بكلام صادق ثم اقتصر في الغد على قوله أن ذلك الكلام الذي تكلمت به أمس صادق أو تكلم بكلام كاذب معه لزم من صدق كلٍ من هذين الكلامين أي الأمسي والغدي كذب الآخر وبالعكس فيلزم اجتماع الصدق والكذب في كل منهما) وثالثها (أنه إذا قال أحد) بعض كلامي كاذب (ولم يصدر منه كذب أصلاً لزم من صدق هذا القول كذبه ومن كذبه صدقه فلزم اجتماع الصدق والكذب فيه) ورابعها (أنه إذا قال أحد) أنا كاذب (ولم يصدر عنه كذب أصلاً لزم من صدق هذا القول كذبه ومن كذبه صدقه فلزم اجتماع الصدق والكذب فيه) فإنه قال لي يوماً (ما تقول في المعظلة الشهيرة بالجذر الأصم. فقلت لم أسمع فيها جواباً واضحاً والمولى أعلم. وذكرت بعض ما كنت اعتمدته في الأجوبة العراقية. مع أنه لاح لي فيه بعد مناقشات قوية. فقال لا إشكال في البين. فقد يتصف الشيء بالضدين باعتبارين مختلفين. فقلت قد حير هذا الجذر الأصم الفحول. وكم أخرس كل منطيق قؤول. وقد قال العلامة التفتازاني هذه معضلة تحير في حلها عقول العقلاء. وفحول الأذكياء. ولقد تصفحت الأقاويل. فلم أظفر بما يروي الغليل. وتأملت كثيراً فلم يظهر لي إلا أقل قليل. ثم قال. بعد أن ذكر ما ظهر له من المقال. لكن الصواب. عندي في هذه القضية ترك الجواب. والاعتراف بالعجز عن حل هذا الإشكال) وأقول الآن (قد أجاب صاحب القسطاس بجوابين. فقال حل الشبهة بوجهين.) أحدهما (إنا نختار كذب القضية ولا يلزم من كذبها إلا صدق بعض الكلام المعدوم) وثانيهما (أن المخبر عنه في القضية إنما يتعين بإرادة المخبر فإن أراد بقوله كل كلامي غير هذا فلا يلزم اجتماع الصدق والكذب فيه. وإن أراد هذا الكلام فكأنه تكلم بهذا الكلام أولاً وقال ثانياً أنه كاذب. فقد جمع في هذا الكلام خبرين أحدهما صادق. والآخر كاذب.) واعترض الأول (بأنه إنما يصح لو أن كانت القضية حقيقية وأما إذا حملت على الخارجية كما هو مراد المشكك فلا حاجة إلى بيان هذا الجواب.) واعترض الثاني (وهو حاصل جواب العلامة التفتازاني على ما قال الخفري بأن المتكلم إنما تكلم بكلام واحد فيلزم فيه اجتماع الصدق والكذب. ونقل أن ابن كمونة كتب في جواب الكاتبي حين استفسره عن هذا الإشكال) أقول (لا نسلم أنه إما أن يكون كلامه في هذه الساعة كاذباً أو صادقاً فإن الحصر ممنوع. فإن قيل هذا خبر وكل خبر لا يخلو منهما إذ بذلك يمتاز التركيب الخبري عن سائر المركبات) أقول (لا نسلم أن امتيازه عن غيره بذلك بل بأن يكون محتملاً للصدق والكذب. واحتمال الصدق والكذب لا ينافي أن لا يكون في نفسه أحدهما. هذا ما سنح لي. وأسأل أن ينظر فيه مولانا حرسه الله تعالى انتهى.) وأورد عليه (أنه لما سلم أنه خبر لزمه تسليم حصره في الصادق والكاذب وذلك لأن هذا الخبر فرد لموضوعه فلا يخلو أما أن يتحد بالكاذب أولاً. وعلى الأول لزم الصدق وعلى الثاني لزم الكذب. وعلى التقديرين لزم ما لزم في تقرير الإشكال) وأجاب الكاتبي نفسه (بأن صدق تلك القضية باجتماع الصدق والكذب فيكون كذبها بانتفاء هذا المجموع ولا من انتفاء هذا المجموع صدقها لجواز أن يكون انتفاؤه بثبوت الكذب وانتفاء الصدق. وأورد عليه إن صدق القضية إنما هو بمثبوت المحمول الذي هو الكذب لفرد موضوعها الذي هو نفسها فيكون مستلزماً لصدقها لا محالة. ونقل عن العلامة الجرجاني أنه قال في حلها لا شبهة في أن الإشارة إلى الشيء لا يمكن أن يدخل فيها نفسها فلا يكون هذا الكلام من أفراد موضوعه المحكوم عليها بالكذب وبذلك تنحل الشبهة. وأورد عليه أنه لا خفاء في أنه يمكن أن تكون الإشارة إلى إفراد موضوع

قضية بحيث يدخل فيها نفس تلك القضية نحو كل كلامي في هذه الساعة كلام فإنه لا شبهة في اندراج هذه القضية في إفراد موضوعها ولا في صدقها وذلك لأن الحاكم بالخبر لا يشير إلى خصوص فرد الموضوع بل إفراده المتصفة بالعنوان فكل ما له صفة العنوان اندرج فيها سواء كان نفس القضية أو غيرها. وأيضاً الحكم في القضايا إنما يكون على المعلوم بالذات بحيث يسري إلى إفراد الموضوع الموجود في نفس الأمر إن كان لها وجود في نفس الأمر فجار أن يندرج فيها نفس القضية كما في المثال المذكور ونحوه) وقال بعض المحققين في حلها (إن قول القائل كل كلامي في هذه الساعة كاذب إنما يكون صادقاً أو كاذباً إن لو كان خبراً وليس كذلك إذ حقيقة الخبر هو الحكاية عن النسبة الخارجية أما على الوجه المطابقي وحينئذ يكون صادقاً. وأما على الوجه المخالف وحينئذ يكون كاذباً فحيث تنتفي الحكاية عن النسبة الخارجية لا يتحقق الخبر. وقول القائل كل كلامي في هذه الساعة كاذب إذا جعل إشارةً إلى نفس الكلام لا تكون تلك النسبة الذهنية التي هي مدلول حكايةً عن نسبة خارجية أصلاً. وإذا لم يشر بها إلى خارج فلا يكون خبراً حقيقة.) وتعقبه الخفري (بأنه لا خفاء في أن اللفظ كلامي معنىً محصلاً وكذا للكاذب وبين كل معنيين من المعاني نسبة في الخارج فالكلام المشتمل على النسبة الخبرية المعتبر بين ذينك المعنيين سواء كانت إيجابية أو سلبية لم يخل عن الصدق والكذب لأنه إن اعتبر فيه مثلاً النسبة الإيجابية فبينهما أما إيجاب فلزم الصدق أو سلب فلزم الكذب. فيكون لكل كلامي في هذه الساعة واقع. فمدلوله الحقيقي حكاية عن ذلك الواقع لكونه مشتملاً على النسبة الإيجابية التي من شأنها تلك الحكاية فيكون خبراً لا محالة وكيف وقد حكم فيه بالاتحاد بين معنيي كل كلامي وكاذب. وليس معنى الخبر إلا ذاك. وليس من شرط الخبر أن مطابقته تحصل بدون اعتباره في نفسه كما إذا قال أحد كل ما يكون كلامي اليوم فهو مشعر بنطقي ولا يقول في اليوم إلا هذا فإنه لا شك في صدقه. وصدقه لا يكون إلا بمطابقته للواقع الذي هو حاصل اعتباره. فخلاصة دفع هذا الجواب أنه لا شبهة في أن هذا الكلام مشتمل على نسبة ولا في أن هذه النسبة إيجابية لكونها مدلولة للتركيب الخبري المستعمل في الحقيقة ولا في أن لتلك النسبة الخارجية التي هي واقعها الحاصل باعتبار نفسها على نحو حكاية التركيبات الخبرية فيكون هذا الكلام خبراً ومخبراً عن حال نفسه على نحو الإخبار في قولنا كلامي في هذه الساعة مؤلف. أو غير مؤلف ولا يخرج عن الصدق والكذب على ما عرفت. فاندفع ما قاله المجيب مما حاصله أن مراد من قال أنه إنشاء أنه لا يحتمل الصدق الكذب باعتبار خصوص محموله الذي هو الكذب. ولا يخفى عليك أن هذا الجواب إذا جعل جواباً عن هذا الإشكال على ثاني احتمالي التقرير الأول مثلاً. لزم أن يلتزم قائله أن هذا الكلام خبر بالنسبة إلى الأقوال الكاذبة غيره. فيلزم أن يكون هذا الكلام الذي هو أمر واحد بالشخص إنشاءً على تقدير أول احتمالي التقرير الأول وخبراً على تقدير ثاني احتماليه ولا يخفى فساده انتهى. وللبحث فيه مجال) وأجاب المحقق (صدر الدين الشيرازي بما طول ذكره. وتعقبه الخفري أيضاً بما تعقبه) وبالجملة (إن هذا الفاضل نقل في حل تلك المغلطة تسعة أوجه وأرجعها إلى خمسة وردها كلها ثم ذكر أوجهاً ارتضاها. وكف كف الفساد عن أن ينال جناها. منها أنه يختار كذب القضية فيكون هناك أمران متغابران بالاعتبار) أحدهما (معروض الكذب وهو قضية أحد طرفيها كاذب والآخر أمر محكوم عليه بالكذب وهو في الخارج عين تلك القضية) وثانيهما (ما هو مسلوب عنه الكذب المحمول في تلك القضية من حيث هو داخل فيها وهو وإن كان نفس تلك القضية لكن لا من حيث هي مشتملة على نفسها وعلى الكذب بل من حيث هي مشمولة لنفسها فلا يلزم اجتماع الكذب وسلب الكذب في شيء واحد بحيث يتنافيان فتأمل) ومنها (إن لهذه القضية حيثيتان) إحداهما (أنها قضية قد حكم بالكذب فيها على فرد موضوعها الذي هو نفسها بالسراية فهي بهذه الحيثية نازلة منزلة مجموع زيد قائم) وثانيهما (أنها هي محكوم عليه بالعرض فهي بهذه الحيثية نازلة منزلة زيد في زيد قائم ولا يصح أن تتصف بهذه الحيثية بشيءٍ من الصدق والكذب. إذا تقرر هذا فنقول نختار كذبها وكذبها إنما

يكون ثابتاً لها من حيث هي محيثة بالحيثية الأولى. وقولك كذبها مستلزم لسلب الكذب عنها من حيث هي متحيثة بالحيثية الثانية. على أن من حيث متأخر عن السلب على نحو ما قال الحكماء من أن العوارض مسلوبة عن الماهية من حيث هي فلا يلزم محذور. ثم ذكر ما ذكر وأردفه بعباراتٍ ثلاثٍ لإزالة الريب) ثالثتها (التي زعم أن المدار في حل الشبهة عليها أن الحكم في هذه القضية على فرد موضوعها الذي هو نفسها في نفس الأمر أي بدون اعتبار الحكم عليها بخصوص الكذب. ولا خفاء في أن هذه القضية بدون اعتبار الحكم عليها بخصوص الكذب لا يصح اتصافها بالكذب فهذه القضية باعتبار الحكم عليها بخصوص الكذب يثبت لها الكذب وبدون ذلك الاعتبار لم يثبت لها الكذب وقد حكم في تلك القضية بأن لها بدون اعتبار الحكم عليها بالكذب الكذب أي حكم منشأ كذبها ليس الحكم عليها بالكذب. والحال أن منشأ كذبها ليس إلا الحكم عليها بالكذب. فكذب هذه القضية باعتبار الحكم عليها بخصوص الكذب لا ينافي عدم اتصافها بدون اعتبار الحكم عليها بخصوص الكذب.) ثم قال (وتلخيص هذا الجواب أن يقال الحكم بكذب قضيةٍ ما إنما هو عبارة عن الحكم بأن لها بدون اعتبار الحكم عليها بالكذب كذباً أي لها واقع لم تطابقه ومن شأنها أن تطابقه فالحكم في المغلطة المذكورة بالكذب على فرد موضوعها الذي هو نفسها أن لها واقعاً بدون اعتبار الحكم فيها عليها بالكذب ومن شأنها أن تطابقه مع أنها لا تطابقه فكذبها باعتبار خصوص الحكم المذكور بأن لم يكن لها واقع بحيث لم تطابقه ومن شأنها أن تطابقه بدون اعتبار الحكم المذكور إنما يستلزم أن لا يكون الكذب ثابتاً بدون اعتبار خصوص الحكم المذكور أي لا يستلزم أن يكون الكذب مسلوباً عنها فتكون كاذبةً باعتبار الحكم عليها بالكذب أي ثبوت الكذب نشأ من الحكم عليها بالكذب وبكذب أن ثبوت الكذب لم يكن ناشئاً من الحكم عليها بالكذب. فلم يلزم من كذبها اجتماع النقيضين. ولا اجتماع المتنافيين. بل تعين اتصافها بالكذب أي نسبتها غير مطابقة للواقع. ومن شأنها أن تكون مطابقة باعتبار حقيقة القضية كما هو شأن جميع القضايا الكاذبة.) وقد تلخص (من تقرير هذا الجواب عبارتان) إحداهما (أن يقال أن الحكم في هذه المغلطة بالسراية بالكذب بدون اعتبار الحكم فيها عليها بخصوص الكذب فكذبها باعتبار الحكم فيها عليها بالكذب لا ينافي أن لا تكون كاذبة بدون اعتبار الحكم فيها عليها بالكذب. فلا يلزم من كذبها سلب الكذب ولا الاتصاف بالصدق.) وثانيتهما (أن يقال أن الحكم في هذه القضية على نفسها بالكذب لا باعتبار الحكم عليها بالكذب أي الكذب ثابت لها لا باعتبار الحكم عليها بالكذب. فثبوت الكذب لها باعتبار الحكم عليها بالكذب لا ينافي أن لا يكون كذب لها لا باعتبار الحكم.) وخلاصة هذه العبارة (أنه قد حكم في هذه القضية أن منشأ عروض الكذب لها ليس اعتبار الحكم عليها بالكذب فكذب هذا بأن يكون المنشأ لعروضه ذلك الاعتبار لا ينافي سلب أن لا يكون منشأ عروض الكذب ذلك الاعتبار. واللازم لكذبها ليس إلا هذا السلب. فاللازم غير منافٍ. والمنافي غير لازم. فلم يلزم اجتماع النقيضين. ولا اجتماع الصدق والكذب. ويجري هذا في جميع التقريرات. فإذا أريد إجراؤه على التقرير الرابع. قيل أن قول المتكلم أنا كاذب كاذب لأن معنى هذا القول أن المتكلم بدون اعتبار الحكم على نفسه بأنه كاذب كاذب. وليس كذلك فإن كذبه ليس إلا باعتبار هذا الحكم فلم يلزم من كذبه التنافي كما لا يخفى. وإذا أريد إجراؤه على التقرير الثاني. قيل إن كلاً من الكلامين الأمسي والغدي كاذب باعتبار كلا الحكمين اللذين فيهما. ومن ذلك لا يلزم اجتماع الكذب وعدمه. ولا اجتماع الصدق والكذب في شيء منهما لأنه قد حكم في كل منهما بأن للآخر أحداً من الصدق والكذب إلا باعتبار الحكم عليهما معاً بأحدهما لدوران كل منهما على الآخر في الاتصاف بشيء من الصدق والكذب. فثبوت الكذب لهما باعتبار الحكمين لا ينافي أن يكون لهما أحد من الصدق والكذب دون اعتبار أحدهما فلا يلزم اجتماع النقيضين. ولا اجتماع الصدق والكذب فيهما. ولا يخفى عليك الإجراء في باقي التقريرات انتهى. وللمدقق الخيالي في شرحه لنونية خضر بك كلام أيضاً في حل هذه المعضلة وكذا لغيره من المتقدمين والمتأخرين. حتى أنه نقل أن علي الرضا

رضي الله تعالى عنه سأل عنها وأجاب. وقد رأيت الجواب. فوجدته في غاية الغموض على ذوي الألباب. والأجوبة التي رأيتها للمتقدمين والمتأخرين. تزيد على خمسة وعشرين. والقلب يميل إلى حديث الإنشاء. إلا أنه يحتاج ما قيل عليه إلى إمعان نظر وذكاء. وكان ما ذكره الخفري أخيراً كثيراً ما يلوح لي من وراء حجاب الأجمال. وكم أردت ولم أستطع إبرازه إلى ساحة التفصيل بالمقال. فتأمل فيما ذكرته كله. فإن لم يقنعك شيء منه فأسأل الله تعالى من فضله.

) ومنها (ما جرى في عبارة العلامة البيضاوي في تفسير قوله تعالى) يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً (وعبارته يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها كالمحتضر إذا صار الأمر عياناً والإيمان برهاني. وقرئ تنفع بالتاء لإضافة الإيمان إلى ضمير المؤنث لم تكن آمنت من قبل صفة نفساً أو كسبت في إيمانها خيراً عطف على آمنت والمعنى أنه حينئذ لا ينفع الإيمان نفساً غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيراً وهو دليل لمن يعتبر الإيمان نفساً غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيراً وهو دليل لمن يعتبر الإيمان المجرد عن العمل وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم وحمل الترديد على اشتراك النفع بأحد الأمرين على معنى لا ينفع نفساً خلت عنهما إيمانها والعطف على لم تكن بمعنى لا ينفع نفساً إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيراً انتهت. وذلك أنه سلمه الله تعالى قال يوماً أن مما يسأل عنه عبارة البيضاوي في الكلام على قوله تعالى) يوم يأتي بعض آيات ربك (الآية فقلت) نعم (يا ولي النعم. وهي من مزالق الأقدام. ومداحض ذوي الأفهام. وقد كتب عليها الفاضل. أحمد القزويني والكامل مير باد شاه البخاري. والعلامة الولي صدر الدين زاده. والفهامة حسن أفندي الكساري. والحبر يحيى جلبي المدرس. والمولى محمد السمرقندي. والعلامة الملا خسرو. والفاضل قره جلبي قاضي أدرنه. والفاضل طاشكبري زاده. والفاضل سعيد زاده. وسنان أفندي. وغيره من محثي البيضاوي. وقد أثبت جميع ما كتب هؤلاء الأجلة في مجموعة لي سميتها دقائق التفسير. ومن أفضل من كتب. وجاء بأعجب العجب. أستاذ الأستاذين. وعلم العلماء المحققين. المشهور فضله في كل نادي. صبغة الله أفندي الحيدري الحسين آبادي. وقد أثبت ما كتبه أيضاً في هاتيك المجموعة الفريدة. وأتممت به محاسن تلك الغادة الخريدة. فلما سمع مني هذا المقال. طوى بساط السؤال. وأنت إذا أجبت الوقوف على شيء من ذاك. فاستمع لما نتلوه عليك والله تعالى يتولى هداك. قوله كالمحتضر قيل فيه إشارة إلى حمل بعض الآيات على ما يلوح للمتحضر من مشاهدة مقامه ونحوه. ويوم كلام الكشاف حمله على أشراط الساعة. ولعل الحق أن أشراط الساعة هناك تفسير للآيات لا للبعض لأن الإيمان نافع بلا خلاف بعد إتيان البعض كنزول عيسى ﵇ كيف لا وهو إنما ينزل لدعوة الخلق إلى الحق. وأقول الموافق لبعض الأحاديث حمل البعض على طلوع الشمس من مغربها وعليه فيحتمل أن يكون مراد المصنف التنظير لا التمثيل. قوله وقرئ الخ القارئ أبو العالية وابن سيرين قوله لإضافة الخ علة مصححة لتأنيث الفعل مأخوذة من كلام ابن جني واعترض بأنهم صرحوا بأن شرط اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث وكذا التذكير صحة قيام المضاف إليه مقام المضاف كما في قوله) كما شرقت صدر القناة من الدم (وقوله:

إنارة العقل مكسوف بطوع هوىوعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا

فإنه لو قيل فيهما كما شرقت القناة والعقل مكسوف لصح ولا يصح هنا أن يقال لا تنفع نفساً هي لم تكن آمنت من قبل. وأجيب بأنه يصح ذلك على معنى لا تنتفع نفساً هي بإيمانها. وحاصله لا تنفع نفس نفسها بالإيمان الخ) نعم (ما ذكره لتوجيه التأنيث غير متعين فقد قال أبو حيان أن التأنيث لتأويل الإيمان بالمعرفة أو العقيدة مثل التأنيث في جائته كتابي فاحتقرها فإنه على معنى الصحيفة أو الألوكة انتهى. قوله صفة نفساً جاز ذلك مع الفصل بالفاعل لعدم كون الفاعل أجنبياً عن الموصوف الذي هو المفعول لاشتراكهما في العامل وعليه فيصح أن يقال ضرب هنداً غلامها القريشية فليحفظ. قوله وهو دليل الخ إذ الآية على هذا المعنى الذي ذكره مصرحة بعدم الفرق بين ما إذا لم تقدم النفس إيمانها على ذلك اليوم وقدمته عليه. لكن لم تكسب فيه خيراً في عدم نفع الإيمان إياها. وهذا صريح في أن الإيمان المجرد عن العمل لا يعتبر ولا ينفع صاحبه كما هو رأي المعتزلة. هذا توجيه كلامه. لكن قيل أن المعتزلة يقولون بدخول جميع الأعمال المفروضة في الإيمان فمتى أخل المكلف ببعضها بأن ترك إحدى الصلوات الخمس مثلاً لم يكن مؤمناً وكان في منزلة بين المنزلتين الإيمان والكفر وخيراً في الآية نكرة في سياق النفي. وهي تعم فتفيد الآية التسوية بين عدم تقديم الإيمان على ذلك اليوم وتقديمه عليه لكن مع عدم كسب جميع الخيور فيه. ويتضمن ذلك التسوية بين عدم الإيمان والإيمان المجرد عن بعض الخيور. بل لعل المفهوم يشعر بأن هذا الإيمان نافع كما يظهر بأدنى تأمل. مع أن المعتزلة لا يقولون بنفعه إذ ترك بعض الفرائض عندهم مخل بالإيمان كترك الجميع فالآية لا تصلح دليلاً لتمام مدعاهم. ولا تضر القائلين من أهل السنة بأنه لا بد من النطق بكلمة التوحيد مع التصديق لأن ذلك النطق خير فالإيمان المجرد عن جميع الخيور التي منها هذا النطق عندهم أيضاً في حكم عدم الإيمان.) نعم (تضر المرجئة القائلين بأن انتفاء الأعمال طرأ لا يضر بالإيمان فتدبر. ثم أن الظاهر أن ضمير هو راجع لمجموع ما ذكر معناه من الآية. ومن زعم أن المرجع هو قوله تعالى) أو كسبت في إيمانها خيراً (وأن طريق الاستدلال أن يقال الإيمان المجرد عن العمل لو كان من قبل ذلك اليوم لكان نافعاً فيه أيضاً فقد بعد عن الحق بمراحل. كما لا يخفى على فاضل. قوله وللمعتبر الخ. إشارة إلى ثلاثة أجوبة عن الاستدلال) الأول (التخصيص أي ولمن اعتبر الإيمان المجرد عن العمل وقال إنه ينفع صاحبه حيث يخلصه عن الخلود في النار كما هو رأي أهل الحق تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم. ومعنى هذا التخصيص هو أن عدم نفع الإيمان المجرد صاحبه مخصوص بذلك اليوم بمعنى أنه لا ينفعه فيه ولا يدرأ عنه القتل ونحوه. لا أن معناه أن المحكوم عليه بعدم النفع هو ما حدث في ذلك اليوم من الإيمان والعمال الصالح. ولا يلزم من عدم نفع ما حدث فيه عدم نفع الإيمان السابق عليه وإن كان مجرداً عن العمل كما قاله بعض الناظرين. لأن هذا ليس من تخصيص الحكم في شيء بل هو تخصيص للمحكوم عليه. يرجع حاصله إلى الجواب باشتمال الآية على اللف كما يأتي منا إن شاء الله تعالى الإشارة إليه. ومستند هذا التخصيص قبل تقديم الظرف وقيل السياق) واعترض (هذا الجواب بأنه متى اعتبر التخصيص لزم منه تخصيص الحكم بعدم نفع الإيمان الحادث في ذلك اليوم به أيضاً. ولا قائل بذلك إذ هو لا ينفع صاحبه في شيء من الأوقات بالاتفاق. قيل ويمكن دفعه بأن التخصيص في حكم عدم النفع إنما يلاحظ بالنظر إلى الإيمان المجرد فقط على أن يكون معنى الآية يوم يأتي بعض الآيات لا ينفع الإيمان الغير السابق عليه صاحبه فيه ولا الإيمان الغير المكتسب فيه الخير. وإن نفع هو في الآخرة. وفيه أن فيه تخصيص الحكم وتخصيص المحكوم عليه. كما في كلام ذلك البعض من الناظرين) ولعل (الذي شجع على هذا التخصيص الثاني العلم بأن الفريقين متفقان على عدم نفع الإيمان الحادث في شيء من الأوقات فليس هو محل النزاع فما بقي إلا مجرد الإيمان المجرد. مع أن جل المقصود إبطال حجة الخصم. ولاحتمال يبطل الاستدلال. فليتأمل.) والثاني (ما أشار إليه بقوله. وحمل الترديد الخ. وليس هو مع ما تقدم جواباً واحداً. كما توهمه من توهمه. بل ذاك جواب مستقل فيه تسليم عطف مسبت على آمنت بعد النفي. وهذا

جواب مستقل مبني على اعتبار كون كسبت معطوفاً على آمنت. ثم اعتبار دخول النفي حتى يكون النفي داخلاً على المردد فيفيد عموماً له نحو قوله تعالى) ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً (نعم قيل عليه أن فيه بناءً على ما لا يصح إذ لو عطف كسبت على آمنت واعتبر عموم النفي لما ذكر اشتراط عدم النفع بالخلو عن كسب الخير في الإيمان ضرورة أنه إذا انتفى الإيمان قبل ذلك اليوم انتفى كسب الخير فيه قطعاً. وفي المثل) أثبت العرش. ثم النقش (فلا بد أن يقال الكلام في تقدير أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً. فالترديد بين النفيين والكلام محمول على نفي العموم لا على عموم النفي فيفيد أن الإيمان مع انتفاء كل من الوصفين لا ينفع. وذلك قول من يعتبر. فالآية معه وهو كلام متين إلا أن فيه غفلة عن كلام المصنف. فإنه إنما يتجه إذا حمل الكلام على أن المقصود به هو ما يستفاد من ظاهر لفظه من بيان اشتراط عدم النفع بالخلو عنهما. وأما إذا حمل على ما أشار إليه المصنف من أن المقصود بيان اشتراط النفع بأحد الأمرين فلا. إذ يكون الكلام حينئذ كما لو قيل الإيمان ينفع صاحبه إذا كان على أحد الوصفين كونه مكسوباً فيه الخير. وكونه مقدماً على ذلك اليوم وإن كان مجرداً.) واعترض (هذا بأنه يلزم عليه أن يكون ذكر كون الإيمان المكسوب فيه الخير نافعاً لغواً لأنه بعد ما ذكر أن الإيمان المجرد نافع يعلم نفع الإيمان المكسوب فيه الخير بالطريق الأولى) وأجيب (بأن جهات النفع مختلفة. وقد دلت الأخبار على أن نفع الإيمان المجرد في عدم الخلود في النار والخروج منها ولو بعد أحقاب ونفع الإيمان المكسوب فيه الخير في رفع الدرجات. ونيل الأماني العاليات. فلا يعلم هذا النفع من ذلك النفع بالطريق الأولى. ثم وجه دلالة الآية على المقصود الذي أشار إليه المصنف أنه لما حملت على عموم النفي أفادت أن انتفاء الأمرين جميعاً مانع عن نفع الإيمان. ومعلوم أن ارتفاع المانع يشترط لوجود المعلول فلزم أن يكون وجود أحد الأمرين شرطاً لنفع الإيمان ضرورة أن ارتفاع المانع المذكور يحصل بوجود واحد منهما) ومن الناس (من أجاب عن حديث اللغوية السابق وإن حمل الكلام على ظاهره. بان في ذكر كسب الخير إشارة إلى تفويت نفعين لمن لم يؤمن نفع نفس الإيمان ونفع كسب الخير فيه.) وتعقب (بأنه لا يدفع تفويته بالنظر إلى اشتراط عدم النفع بالخلو عنه وهل نحن إلا بصدده.) ومنهم (من أجاب أنه يجوز أن لا يكون عند الحكم بعدم النفع استلزام أحد الانتفائين الآخر ملحوظاً حتى يكون مغنياً عنه فيلغو ذكره معه وهو كما ترى.) والثالث (ما أشار إليه بقوله والعطف على ما لم تكن أي وللمعتبر صرف قوله تعالى كسبت. عن أن يكون معطوفاً على آمنت مطلقاً إلى عطفه على لم تكن فيكون صفة نفساً مثله لكن بعد جعل أو بمعنى الواو وحمل الإيمان في قوله سبحانه) لا ينفع نفساً إيمانها (على الإيمان الحادث ذلك اليوم وكذا في قوله تعالى) في إيمانها خيراً (وكأنه إنما لم يقل أو كسبت فيه خيراً أي في إيمانها الحادث. بل جيء بالظاهر بدل الضمير لئلا يتوهم ولو على بعدٍ عود الضمير على الإيمان المفهوم من آمنت على حد) اعدلوا هو أقرب للتقوى (. وتفهم الآية على هذا للوجه أنه لا ينفع يوم إتيان بعض الآيات الإيمان الحادث فيه نفساً صفتها لم تكن آمنت قبل ذلك وصفتها أنها كسبت في إيمانها الحادث ذلك اليوم خيراً. وحاصل ذلك أنه لا ينفع ذلك نفساً إيمانها الذي أحدثته ولا يفيد كسب الخير فيه. فقوله بمعنى لا ينفع نفساً إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيراً. بيان لحاصل المعنى ومآله. فإن في ةإن كسبت فيه خيراً بكسر الهمزة وصلية. وفي بعض النسخ المصححة. وإن بفتح الهمزة أي لا ينفع نفساً إيمانها الذي أحدثته حينئذ وكسبها فيه خيراً وهو أوضح إشارة إلى أن أو بمعنى الواو) ومحصل (هذا الجواب أنه لا تعرض في الآية إذا كان العطف على لم تكن لحكم الإيمان السابق على ذلك اليوم مجرداً كان أو مكسوباً فيه الخير. بل ربما يدعي أنها تشعر بأن حكمه مطلقاً النفع. فالآية إن لم تكن لنا فلا أقل من أنها ليست علينا. وقد تفطن بعض المحققين لوجهٍ آخر في الآية لطيف. فقال إنها مشتملة على ما سمي في علم البلاغة باللف التقديري. كأنه قيل لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها في إيمانها خيراً لم تكن آمنت من قبل

أو لم تكن كسبت خيراً قبل فاختصر للعلم به واقتضاء النصوص له. وفي كلام ابن الحاجب إيماء إلى هذا أيضاً) وتفطن بعض آخر لآخر (وهو أن معنى الآية أنه لا ينفع الإيمان باعتبار ذاته إذا لم يحصل قبل. ولا باعتبار العمل إذا يعمل قبل. ونفع الإيمان باعتبار العمل أن يصير سبباً لقبول العمل فيتم الكلام من غير لفٍ ولا اعتبار اقتصار. وهو لعمري نعم الوجه لو احتملت له العبارة. وفهم منها من غير اعتبار تقدير في نظم الكلام.) وقال المولى الفاضل معيد زاده (. لاح ببالي جواب لو كنت ممن رخص له في الاندفاع في أمثال هذه المواضع لأجبت به. وهو أن تكون كلمة أو في أو كسبت بمعنى إلا أن داخلةً على الماضي كما في قول الحريري في أوائل المقامة التاسعة عشرة) فو الله ما تمضمضت مقلتي بنومها. ولا تمخضت ليلتي عن يومها. أو ألفيت أبا زيد السروجي (أو داخلة على المضارع تقديراً على أن يكون الأصل لم تكن آمنت من قبل أو تكون كسبت. أي إلا أن تكون. والمراد من الاستثناء الدالة عليه كلمة أو المبالغة في نفي النفع بتعليقه بالمحال كما في قوله تعالى) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف (وقوله سبحانه) وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف (وقول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وقول الآخر:

وبلدة ليس بها أنيسإلا اليعافير وإلا العيس

فيكون المعنى فيما نحن فيه إذا جاء ذلك اليوم لا ينفع الإيمان نفساً لم تكن آمنت من قبل ذلك اليوم إلا أن تكون تلك النفس التي لم تكن آمنت من قبل ذلك اليوم كسبت في الإيمان خيراً قبل ذلك اليوم وكسب الخير في الإيمان قبل ذلك اليوم للنفس التي لم تكن آمنت قبل ذلك اليوم ممتنع فالنفع المطلوب أولى بأن يكون ممتنعاً انتهى. وفيه من البعد ما فيه هذا) وبقيت (من رؤوس المسائل أذناب. الأولى بنا عدم التعرض لها في هذا الكتاب. ثم أن ما مر لم يقع أكثره على الوجه الذي ذكرناه. وإنما وقع على وجه الإجمال ونحن فيما بعد فصلناه) وبالجملة (كان مجلسنا مع حضرة المشار إليه. روض علم طواويس اللطائف عاكفة عليه. وكثيراً ما كان يبقيني عنده نحو خمس ساعات. يبرز على فيها من حمس أفكاره ما يهرب منه خميس الجهالات. وقد رأيت له اطلاعاً تاماً على اللطائف الشعرية. والنكات الأدبية. لم أجد في هاتيك الممالك. نظيراً له في ذلك. وقد تطأطأت له المسائل رؤوسها. وأقبلت إليه تسعى فقبلت أياديه شفاها شفاهاً كؤوسها. وما ذلك إلا لكثرة مجالسته لأبناء العرب. ومزيد ما عنده من كتب الأدب. فقد ذكر لي أن عنده من الشعر الجاهلي والإسلامي نحو سبعمائة ديوان. ولا أظن أن هذا المقدار قد اجتمع عند أحد في زمان. وإن من الكتب سواها ما يزيد على عشرة آلاف. ومعظمها خزنوي حاز من الحسن أحسن الأوصاف. ولو أني ملكت عشر ذلك لرأيتني أنفجر علماً. وأنهال نثراً ونظماً. ويأبى الملك اللطيف الخبير. أن أكون مع ذلك كالدجاجة لها ريش ولكن لا تطير. وسبحان من قسم عطاياه بين العباد. وخص كلاً بما خص حسبما أراد.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.