من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
فرنكفورت: معبر الفرنج
ثم بعد ذلك حركت الأقدام إلى قصر يدعونه رومر وكان معدّاً قديماً لانتخاب قياصرة ألمانيا، فشاهدت فيه القاعة التي أعدت لذلك، فشمتها عالية العرش،
مصوَّراً على حيطانها الأربع صور جميع قياصرة ألمانيا بهيئات ملابسهم التي كانوا عليها تصويراً جميلاً.
وبعدما شاهدت ذلك تاقت النفس إلى التوجه للشاطئ الثاني من نهر المين لنظر بلدة صغيرة به يدعونها زاكسن هوسن ومذ كنت بها ألفيتها قرية صغيرة كضاحية فرنكفورت، وبها قليل من المنازل، وليس لأهلها سوى بيع الأسماك والفواكه والخضروات، فهي كسوق عام من الأسواق العادية غير المنتظمة، وأغلب البائعين هم النساء وبسوء أخلاقهنَّ وتوحشهن في البيع يضرب المثل في أنحاء ألمانيا لكونهن كثيرات السب واللعن
حتى إن كثيراً من العلماء الألمانيين الذين يهمهم البحث عن آداب اللغات يأتونهن قاصدين سماع ألفاظ السب التي يستعملنها، فيتصنع أحدهم في الشراء منهن ويجادلهنّ في الأثمان فتصب عليه اللعنات مختلفة التراكيب، فيأخذ في كتابتها سريعاً، وحينما يشاهدن ذلك منه يزداد غيظهن فيزدنه سبّاً ولعناً، وهو لا يزداد إلا سروراً وتقييداً لكلامهن، ثم يخرج من بينهن وقد استحصل على موضوع مهم ينظر فيه نظراً علمياً أدبياً، ربما أداه إلى وضع كتاب مخصوص فيه.
وكلمة فرنكفورت مركبة من كلمتين أحدهما فرنك يعنون بها فرنج والأخرى فورت ومعناها باللغة الألمانية مَعْبَر فيكون المعنى معبر الفرن، وذلك لما قيل إن كارل الأول، المعروف لدينا في الكتب التاريخية بشارلمان، الذي كان ملكاً للفرنج وكثير من بلاد ألمانيا وقد حكم من سنة ٧٦٨ إلى سنة ٨١٤ ميلادية كان من بعض أعماله أن سار بجيوشه إلى سكان مملكة صكصونيا وحاربهم لخروجهم عن طاعته، فقابلوه بجأش وقوة عزيمة، وشتتوا من جيشه، فانهزم بعسكره، ورجع القهقرى طلباً للفرار، فاعترض له في الطريق نهر المين، وقد أراد أن يعبره بجيشه إلى الشاطئ الثاني، وبينما هو في حيرته إذ رأى ظبية قد عبرت ذلك النهر
فعلم أن الطريق التي
أخذته تلك الظبية لم يكن عميقاً فجاز هو وجيشه إلى الشاطئ الآخر فحمد الله على النجاة، ورسم ببناء تلك المدينة وأن تسمى فرنكفورت يعني معبر الفرنج.
ولم تزل تلك المدينة آخذة في العمران حتى صارت منذ سنة ١٣٥٦ مقراً لاجتماع أمراء الألمانيين حين انتخابهم قيصراً جديداً، ومن سنة ١٥٦٢ ميلادية صارت محل تتويج القياصرة بتاج الملك الجرماني، وكان ذلك في القاعة التي سبق لنا وصفها.
وبعد ذلك صارت مستقلة تحت حكم جمهوري، وكان بها وقتئذ مجلس عام لجميع ممالك ألمانيا ينظر في أحوالها الداخلية والخارجية إلى سنة ١٨٦٦، وفيها استولت عليها مملكة البروسيا في حربها مع مملكة النمسا.
وهي الآن مقر مجتمع أغلب التجار الألمانيين؛ فلهم بها اجتماعات سنوية لتوسيع معاملتهم التجارية فيما بينهم، وسكانها الآن ١٥٤٥٠٠ نفس، وعشرهم إسرائيليون (يهود) وقد سكنها أسلافهم من قبلهم، وعاملهم المسيحيون قديماً معاملة الأرقاء فكانوا يسلبون أموالهم تارة، ويستخدمونهم أخرى، وفي سنة ١٣٤٩ ميلادية انقضَّت عليهم عامةُ المسيحيين فأعملوا فيهم آلات القتل والذبح حتى أتوا على آخرهم إلا من هرب منهم، وبعد ذلك بقرن أتى إليها اليهود ثانية، وسكنوها، وبنوا
لهم منازل في قطعة واحدة أحاطوها بسور له ثلاثة أبواب يغلقونها مساء.
وفي سنة ١٨١١ أعطتهم الحكومة الحرية وحق السكنى في أية نقطة من المدينة، وأغلبهم يشتغل بأرباح الأموال، ومنهم الخواجة روتشلد وأولاده المشهورون بالغنى والثروة في أنحاء البسيطة، ولهم بنوك بأغلب عواصم الممالك، وكانت هذه العائلة في ابتداء أمرها فقيرة إلى أن قام فيهم أبوهم روتشلد في أوائل هذا القرن، واحتال في الكسب والربح حتى حصل على مقدار عظيم، وفي تلك السنين تصادف أن
عاث نابليون في ممالك ألمانيا، وعزل أغلب ملوكها وولّى كثيراً من أقربائه وأصحابه عليها، ومن ذلك أنه استولى على مملكة يقال لها هسن كسل وأخرج ملكها صُفْرَ اليدين من ماله وملكه، فانتهز ذلك الملك الفرصة فيما بعد وأقرضه روتشلد المذكور قدراً عظيماً من الدراهم بفوائد كبيرة حتى إذا عاد إلى ملكه وفَّاه أموالها وأرباحها، فكان ذلك سبباً في اتساع رأس ماله، وقامت أولاده من بعده بأشغال البنوك وأنشأوا لعائلتهم قانوناً مخصوصاً بأن جعلوا الوراثة في الذكور، أما الإناث فخصصوا لهن مقداراً معلوماً يكفل براحتهن.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع