من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
صداقة فرنسي طائش
ثم بارحت تلك المدينة منتعش الخاطر بمحاسن مناظرها إلى أن أنَخْتُ بمدينة بادن بادن فمكثت بها يوماً قد اغرورقت فيه مُقْلَةُ السماء وأزْرَفت عن سحائبها، ونبض لها عرق البرق، ونطق لسان الرعد، فما تسنّى لي مشاهدتها إلا سويعات قد اختلستها، فإذا هي مدينة حسنة واقعة في وادٍ عظيم يدعى أوزتال ومعناه وادي أوز حيث يمر به غدير يقال له أوز، كثيرة المنتزهات منتظمة الطرقات متقنة المنازل، وهي من أعظم المدن المشهورة قديماً وحديثاً بلطافة هوائها، وسمُّوها بادن بادن، للفرق بينها وبين بادن التي هي في سويسرا وبادن التي في بلاد النمسا.
وعدد سكانها ١٢٩٢٩ نفساً ويطرقها الغرباء كثيراً للأخذ بحمَّاماتها ذات الماء المعدني المشهور، ومن تلك المدينة طوّحت بي الأسفارُ على مدينة استراسبورغ عاصمة ولاية الالزاس وقسم لورين الألماني، وصاحبني فيها شاب فرنساوي جمعتني وإياه وحدة الغربة، ورأيت منه سرعة حركة وطيشاً سهَّلا لي صعوبات السفر. فكنت إذا وجهت إليه خطاباً وهو على يميني لا أشعر إلا وهو يجاوبني من جهة اليسار، ومازالت أهدئ من سرعته، وأطفئ من نار عنفوانه حتى آمن بفضيلة التأني، وأول ما شاهدناه الكنيسة الكبرى بها، وهي ذات بنيان شاهق أسست في القرن الثالث عشر للميلاد وارتفاع برجها ١٤٢ متراً، وبها شباك عظيم على هيئة دائرة يشغله قطع الزجاج الملون بشكل منتظم، وقطر ذلك الشباك يبلغ ١٤ متراً ونصف، وهو من عجائب الصناعة، ومذ دخلنا، وقد حان أوان الظهيرة شاهدنا جمعاً غفيراً من الناس يحتاطون بساعة عظيمة، فإذا هي ساعة فلكية
تاريخية مشهورة بغرابة صنعها وشكلها، فوقفنا ننتظر حتى إذا حان ضربها إشارة لانتصاف النهار أرتنا منها العجائب، وذلك أنها في بناء مستطيل مخصوص أحيط به حاجز حديدي، وأمامه الكرة الأرضية، ومثلها السماوية، أما قاعدة البناء السفلي ففيها فرجة مستطيلة أفقية يتوسطها عمود، وفوق تلك القاعدة
أخرى موشورية الشكل مستطيلة أقيم بأسفلها الساعة وفوقها فرجتان قد قام بإحداهما شخص على هيئة إنسان وبيديه قدومان، وحول تلك القاعدة أشخاص أسود ودجاج، فحين يضرب ناقوس الساعة ينقر الشخص بقَدُّوميه على ناقوس بين يديه، وتتحرك الأسود والدجاج من الفرج المذكورة أشخاص تتحرك أجسامهم يُشخِّصون حوادث من التاريخ المسيحي، ولم تزل تلك الحال إلى أن يتم الضرب، وبالجملة فهي عجيبة الصنعة تشهد بحذاقة صانعها المسمى شفيلجة وقد أتم صنعها سنة ١٨٤٢ ميلادية. وبينما كنا نجوس خلال تلك المدينة إذا شاهدنا تمثالاً علمت مما هو مكتوب على جداره أنه تمثال كليبر القائد الفرنساوي الذي كان مع نابليون في البلاد المصرية حين حل بها بعسكره، ولد هذا القائد في مدينة استراسبورغ سنة ١٧٥٣، ومات في الديار المصرية سنة ١٨٠٠ ميلادية.
أما هذه المدينة فلطيفة على ضيق شوارعها وانعطافاتها موضوعة على نهر ايل الذي يصب في نهر الرين على بعد ساعتين، ودائرة محيطها حسنة المنظر مشغولة بالبساتين، ومنها شاهدت بستاناً مشهوراً يسمونه أورانجري ومدرستها الجامعة مشهورة كغيرها بألمانيا، وبناؤها أحسن مباني المدارس التي شاهدتها.
وكانت هذه المدينة مسكونة للرومانيين قديماً، وتسمى وقتئذ أرجنتوارم وفي العصر المتوسط للميلاد كانت زاهية تحت ملك الجرمانيين إلى أن استولى عليها لويز الرابع عشر ملك الفرنساويين في سنة ١٦٨١، وأخذتها البروسيا في حربها الأخيرة من فرنسا سنة ١٨٧٠ وعدد سكانها الآن ١١١٩٨٠ نفساً، وكثير منهم
فرنساويو الأصل، وأغلبهم يكرهون تبعيتهم للبروسيا، كما اختبرت ذلك منهم، وهو دليل على الصداقة الوطنية، والحمية الجنسية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع